الأزمة الأوكرانية

قراءة في قرار الأمم المتحدة بتعليق عضوية روسيا بمجلس حقوق الإنسان

عقوبة جديدة يفرضها الغرب على روسيا، في حزمة من عقوبات متوالية إثر هجوم القوات الروسية على أوكرانيا منذ الـ 24 من فبراير الماضي، فقد قرر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وبعد تصويت أغلب الأعضاء، بتعليق عضوية روسيا وإقصائها من المجلس، ليلقى هذا القرار بعض ردود الأفعال المؤيدة، والأخرى المنددة والمستنكرة، بينما قامت روسيا نفسها بالانسحاب والاستقالة من المجلس، ليكون هذا القرار بمثابة خطوة قد تقود لتأزيم العلاقات الروسية الغربية أكثر.

تطويق روسيا من جميع الجهات

القرار المتخذ يبدو أن له خلفيات سياسية، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من الغرب على روسيا من أجل الضغط عليها، وإذلالها اقتصاديًا وعالميًا، ولعل ما عجل بذلك القرار هو الرد على الصور الواردة من مدينة “بوتشا” الأوكرانية الواقعة خارج “كييف”، والتي زعمت أن روسيا قامت بارتكاب “إبادة جماعية” للمدنيين هناك، إذ تم اكتشاف جثث لمدنيين بعد انسحاب القوات من بوتشا إلى شرق البلاد، وهو الأمر الذي أثار موجة غضب في أوروبا والولايات المتحدة، دفعت للتفكير في “خطة العقاب”.

والهدف من العقوبات هذه المرة ليست معاقبة الشعب الروسي، بل إلحاق أكبر قدر من الضرر بالكرملين، وسط تأكيدات أن الاتحاد الأوروبي لن يقف مكتوف الأيدي، وصدر القرار بتأييد 93 دولة،  وصوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان التابع للمنظمة الدولية، وعارضت 24 دولة قرار التعليق من بينهم مصر، فيما امتنعت 58 دولة عن التصويت، لكن الأصوات الممتنعة لم تؤخذ في الاعتبار ضمن غالبية الثلثين المطلوبة والمحصورة بين الاصوات المؤيدة والمعارضة فقط، في الجمعية التي تضم 193 عضوًا من الدول، لنصل إلى نهاية واحدة معلنة من وجهة نظر الرواية الروسية، وهي:” إقصاء رواية أحد طرفي الصراع في أوكرانيا، بدلًا من الاستماع لكليهما”.

والقرار معناه أن روسيا ستظل عضوًا بالمجلس حتى نهاية مدتها – وهي ثلاث سنوات من بداية انتخابها، وروسيا الآن في العام الثاني من ولايتها – ولكنها سوف تفقد كافة حقوق العضوية، كالمشاركة في الجلسات، حتى كمراقب، فضلًا عن منعها بالمشاركة في الحكم على سجلات حقوق الإنسان الخاصة بدول أخرى.

جعلت هذه الخطوة كل من يراقب المشهد في حالة تخوف من أن تمتد التوترات بين موسكو وعواصم الغرب إلى المؤسسات والمنظمات الأممية والدولية التي دورها في الأساس هو وقف الحرب وإحلال السلام، ووسط تحذيرات من أن هذه الخطوة الوخيمة قد يتبعها تداعيات على منظومة الهيئة الأممية، وعلى حيادية القرارات التي ستتخذها في المستقبل.

“تسييس” عمل المنظمات الأممية لصالح تصفية الحسابات

صوتت بعض الدول بالرفض، ومنهم من امتنع عن التصويت، وكان السبب الأبرز هو استنكار “ازدواجية المعايير” التي يجديها الغرب في تعامله مع مختلف القضايا، ورفض المساواة في تطبيق القانون الدولي، ليصبح بذلك نظامًا غير عادل تتحكم فيه الولايات المتحدة والدول الغربية من أجل تصفية حساباتهم السياسية وإثبات أنهم الأقوى، وإظهار عزلة روسيا دوليًا ومواصلة فرض العقوبات عليها، والتي وصلت لحد فرض عقوبات على ابنتي بوتين نفسه، مع المضي في دعم كييف عسكريًا حتى تستطيع المقاومة والصمود قدر المستطاع أمام الهجوم الروسي، وبالتالي يتمكن الغرب من كسب الوقت لإنهاك روسيا وإجبارها على التراجع، دون الإعلان عن نتائج تحقيقات رسمية أجريت من أجل الاستقصاء من حقيقة أن روسيا قامت بارتكاب جرائم شنيعة في أوكرانيا.

فلم يتخذ مجلس حقوق الإنسان مثلًا أي قرارات مشابهة في حرب العراق أو سوريا أو ليبيا، عندما قررت الدول الغربية خوض هذه الحروب، بل سُخر لها الإعلام الدولي، والمنظمات الحكومية الحقوقية والإنسانية للوصول إلى الهدف المسطر، سيما وأن الطرف المحرض الذي يقف خلف تحريك هذا الملف هو “واشنطن” التي لديها سجل حافل في انتهاكات حقوق الإنسان والجماعات في العديد من دول الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا والعراق.

بين مؤيد ومعارض.. ما مصير روسيا؟

في الأسابيع الماضية، صوتت 141 دولة لإدانة “حرب روسيا في أوكرانيا”، مقابل امتناع 35 صوتًا، ولكن هذه المرة، وبالتصويت من أجل تعليق عضوية بلد كحجم روسيا في الجمعية العامة، كان هذا القرار صعبًا للغاية ومعقدًا، فلم يكن من اليسير أن تصوت بعض الدول ضد روسيا خوفًا من إحراج نفسها أمام الدب القطبي، كون أن العديد من الدول تربطها شبكة علاقات ومصالح مع روسيا، ولا تستطيع المجازفة بالتصويت، بالرغم من الجهود المبذولة من واشنطن لإقناع الدول أن تصوت لصالح القرار، بالرغم من علمها أن روسيا تلعب دورا متوازنا مهما، وإزالتها من مجلس حقوق الإنسان سيحرم البلدان النامية من حماية قوية وصاخبة.

ولبعض الدول رأي آخر، أن التصويت وتمرير القرار لن يغير شيئًا على أرض الواقع، فالروسي “فلاديمير بوتين” ماضٍ في العمليات العسكرية إلى أن يحقق أهدافه في أوكرانيا، بينما الرافضون يرون أن هذا القرار هو عبارة عن تحيز فاضح، وغض للبصر عن الجرائم التي ترتكبها الميليشيات الأوكرانية المتطرفة، وأن هذا القرار جاء دون تحقيق مستقل وعادل في الاتهامات الموجهة لورسيا باستهداف المدنيين الأوكرانيين.

ومصر كانت من الدول التي رفضت القرار، وامتنعت عن التصويت ورجع سبب رفضها إلى أن طرح مشروع هذا القرار يمثل منعطفًا خطيرًا في مسار منظمة الأمم المتحدة، وأعربت مصر أنها تشعر بعدم الارتياح البالغ إزاء سياسة المعايير المزدوجة والكيل بأكثر من مكيال، ولكن في نفس الوقت تؤكد مصر رفضها لأي انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في قضية أوكرانيا.

وقال مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة بنيويورك السفير أسامة عبد الخالق في بيان: “إن مصر لا تنظر إلى مشروع القرار باعتباره متصلًا بأزمة أوكرانيا، أو مبدأ عدم جواز اللجوء إلى القوة المسلحة أو المساس بسيادة الدول، وإنما باعتباره مرتبطًا بالتوجه نحو تسييس أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وأن الموقف المصري المبدئي والثابت، إنما يرفض هذا التوجه، لما ينطوي عليه من إهدار للغرض الذي أنشئت من أجله المنظمة ووكالاتها وأجهزتها، وما يقود إليه ذلك من دحض لمصداقيتها وللعمل الدولي متعدد الأطراف”.

وأكد البيان أن مشروع القرار المطروح إنما يُعد إهدارًا لآليات المنظمة التي طالما كانت محل ثقة أعضاء المجتمع الدولي، ومؤشر ينذر ببدء اهتزاز مصداقية الأمم المتحدة، وآلياتها، وهو الأمر الذي سيكون له تداعيات بالغة الأثر السلبي على قدرتها على الاضطلاع بمسئولياتها، وفقًا لميثاقها، وما استقر من عمل بشأنه على مدى خمسة وسبعين عامًا.

وشاركت الجزائر مصر في رفض القرار، ودعت إلى احترام مبادئ العالمية، الموضوعية واللاانتقائية التي تشكل حجر الزاوية في عمل مجلس حقوق الإنسان، مع النأي بمجلس حقوق الإنسان عن أي تجاذبات سياسية من شأنها التأثير على دور ومهام هذه الهيئة المحورية. كما نظرت السعودية إلى القرار بأنه “خطوة تصعيدية”، من شأنها أن تزيد حدة الأوضاع المتوترة.

أما الصين فدعت إلى إنهاء القتال في أقرب وقت، وأكدت أنها ستدعم الجهود والإجراءات التي تتدخل للمساعدة في الأوضاع الإنسانية في أوكرانيا، وحماية المدنيين الأبرياء وتوفير احتياجاتهم، مشددة على أن ” الحوار والتفاوض هما السبيلان الوحيدان للخروج من أزمة أوكرانيا”.

رد فعل روسيا.. بين انسحاب وعواقب

Permanent Mission of the Russian Federation to the United Nations

حذرت روسيا الدول الأعضاء في الأمم المتحدة من أن الموافقة أو حتى الامتناع عن التصويت على محاولة الولايات المتحدة لتعليق عضوية موسكو في مجلس حقوق الإنسان ستعتبره ” بادرة غير ودية”، وأكدت أن ذلك سيكون له عواقب وخيمة على العلاقات الثنائية، وسيؤخذ موقف كل دولة في الاعتبار وخاصة في العمل على القضايا المهمة بالنسبة لها في إطار عمل الأمم المتحدة.

وقبل إعلان القرار، انسحبت روسيا متوقعةً النتيجة، وقالت إنها كانت تعتبر مجلس حقوق الإنسان جزءًا مهمًا من النظام الدولي لحماية وتعزيز حقوق الإنسان، وأن دوره الأساسي يتمثل في الإسهام في إجراء حوار حكومي دولي غير مسيّس حول القضايا الأساسية لحقوق الإنسان، ولكن لسوء الحظ، فإن هذا المجلس احتكرته مجموعة واحدة من الدول وتستخدمه لأهدافها قصيرة الأمد.

وأشارت روسيا إلى الولايات المتحدة والغرب، فأكدت أن من يدعون أن عندهم معايير سلوك في مجال حقوق الإنسان، هذه الدول نفسها ولسنوات طويلة انخرطت في انتهاكات خطيرة ومتكررة لحقوق الإنسان، بالرغم من عضويتها في مجلس حقوق الإنسان، وهي ليست مستعدة للتضحية بمصالحها الاقتصادية وغيرها قصيرة الأجل لإضفاء الاستقرار على أوضاع حقوق الإنسان في دول مختلفة”، وكانت هذه الكلمات على لسان مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة ” جينادي كوزمين”.

وأعلن “كوزمين”، أن بلاده قررت التخلي عن عضويتها في المجلس بأثر فوري، وقال: “اتخذت روسيا الاتحادية قرارا استباقيًا بوقف عضويتها في مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان اعتبارًا من 7 أبريل 2022″، مضيفًا أن روسيا تعتبر قرار الجمعية العامة خطوة غير مناسبة ومسيسة، وأكد أنها ستواصل الالتزام بتعهداتها الدولية في مجال حقوق الإنسان وستواصل “المساهمة في الحوار البناء” حول هذا الموضوع.

 واعتبرت وزارة الخارجية الروسية في بيان أن تعليق عضوية موسكو في مجلس حقوق الإنسان هو إجراء “غير قانوني، وذا دوافع سياسية ويهدف في شكل متعجرف إلى معاقبة دولة سيدة عضو في الأمم المتحدة تمارس سياسة داخلية وخارجية مستقلة”. كما أعرب الكرملين عن أسفه لتعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وشدد على أن روسيا تعتزم “مواصلة الدفاع عن مصالحها بكل ما أوتيت من سبل قانونية”.

وأخيرًا، يحذر الخبراء والمحللون من أن القرار سيجعل روسيا ترد على التصعيد الغربي ضدها بتصعيد مماثل، وأنها سوف تعتمد المواجهة بدلًا من الدبلوماسية.

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى