المركز المصري في الإعلام

د. خالد عكاشة: تكلفة الإرهاب الذي ضرب مصر على مدار العقود الماضية كانت ممتدة ومركبة وعميقة الأثر

بدأت في مقر وزارة التضامن الاجتماعي أعمال الندوة الأولى للمشروع البحثي “تكلفة الإرهاب” الذي يتم بين المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية ووزارة التضامن الاجتماعي، والتي تستهدف التعريف بالمشروع البحثي وأبرز نتائجه.

استُهلت الندوة بكلمة افتتاحية للدكتور خالد عكاشة المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، أوضح فيها أن هذا المشروع يتناول أسباب الظاهرة الإرهابية، وما حملته من تداعيات ممتدة على المجتمع ومؤسسات الدولة المصرية منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة، فضلًا عن طرح مقاربة مصرية شاملة للحد من تداعيات الإرهاب على مختلف القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، مشددًا على أن المركز المصري أولى منذ انطلاقته في العام 2018 اهتمامًا بحثيًا كبيرًا لهذا التزاوج الخطر بين الإرهاب الناعم والصلب، وما يحمله من تأثيرات على أمن وسلامة الدول والمجتمعات، سواء في مصر أو الإقليم أو العالم. برز ذلك في العديد من الإصدارات والتحليلات والجلسات النقاشية وغيرها من الأنشطة البحثية، لعل أحدثها كان كتابًا أكاديميًا موسعًا أصدره المركز هذا العام عن ظاهرة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي.

وفيما يلي نص الكلمة:

في البداية، يشرفني أن أعبر عن عميق امتناني وفخري للتعاون بين المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية ووزارة التضامن في المشروع البحثي حول التكلفة الاجتماعية والاقتصادية لظاهرة الإرهاب في مصر.

يتناول هذا المشروع أسباب هذه الظاهرة، وما حملته من تداعيات ممتدة على المجتمع ومؤسسات الدولة المصرية منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة، فضلًا عن طرح مقاربة مصرية شاملة للحد من تداعيات الإرهاب على مختلف القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

لقد كانت نقطة البداية في هذا المشروع البحثي هو فهم طبيعة الإرهاب ذاته في مصر، ذلك أنه يبدأ بالأساس كإرهاب “ناعم” يسعى إلى ترهيب وتخويف الدولة والمجتمع عبر منظومة فكرية تعمل على التبرير الأيديولوجي والتمويل المادي والتمدد داخل المؤسسات والتعبئة للقواعد الاجتماعية، ثم يصبح في مرحلة لاحقة “صلبًا”، حيث يستهدف التخريب والتدمير المادي من خلال العنف الإرهابي.

وأولى المركز المصري منذ انطلاقته في العام 2018 اهتمامًا بحثيًا كبيرًا لهذا التزاوج الخطر بين الإرهاب الناعم والصلب، وما يحمله من تأثيرات على أمن وسلامة الدول والمجتمعات، سواء في مصر أو الإقليم أو العالم. برز ذلك في العديد من الإصدارات والتحليلات والجلسات النقاشية وغيرها من الأنشطة البحثية، لعل أحدثها كان كتابًا أكاديميًا موسعًا أصدره المركز هذا العام عن ظاهرة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي.

من هنا، كان الاهتمام البحثي للمركز المصري برصد وتحليل التكلفة المتصاعدة التي عانتها مصر منذ عقود جراء انتشار الإرهاب المنظم. إذ استهدفت تنظيمات الإرهاب رجال الدولة والمؤسسات والمجتمع بكامله، وكذا المقدرات القيمية والثقافية والمادية. فقد شهدت البلاد موجات إرهابية متعاقبة، بداية من الاغتيالات التي قام بها النظام الخاص التابع لتنظيم الإخوان الإرهابي في الأربعينيات والخمسينيات، مرورًا بإرهاب كل من “الجماعة الإسلامية” و”الجهاد” في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، وصولًا إلى تدشين عدد كبير من اللجان النوعية والتنظيمات الإرهابية في أعقاب إسقاط حكم الإخوان في ثورة 30 يونيو 2013؛ إذ بلغ النشاط الإرهابي في هذا التوقيت تحديدًا مرحلة غير مسبوقة في تاريخ مصر، خاصة بين عامي 2014 و2015، ما ترتب عليه وضعها في قائمة الدول الأكثر تأثرًا بالإرهاب.

وعلى الرغم من اتخاذ الظاهرة الإرهابية في مصر أنماط وتوزيعات جغرافية متباينة في ضوء اختلاف سياقات ودوافع نشوئها، فإن نتائجها كانت واحدة في جميع مراحل تطورها. إذ كبدت الدولة المصرية خسائر متراكمة أثرت سلبًا على فرص التنمية، بعض تلك الخسائر كان مباشرًا مثل الأرواح البشرية، وتضرر المنشآت والبنى التحتية، وخروج رؤوس الأموال، والاستثمار في مجالات الأمن، ونفقات إصلاح ما تم تدميره. فيما كان البعض الآخر من الخسائر غير مباشر حيث تمثل في نفقات الدولة على الضحايا وعائلاتهم، وإعاقة فرص التنمية والاستثمار، ما أدى إلى عرقلة مسار التنمية، وتحويل موارد الدولة إلى مكافحة الإرهاب وعلاج التداعيات المترتبة عليه.

ولم تكن الحياة الاجتماعية والثقافية بمعزل عن الأضرار والخسائر التي خلفتها الظاهرة الإرهابية، بل كانت أكثر خطرًا وتأثيرًا؛ إذ سعت التنظيمات الإرهابية إلى اتباع استراتيجية منظمة تهدد تماسك المجتمع المصري عبر آلياتها المتطرفة في الاختراق والتكفير والتجهيل، من أجل تكريس رؤى وقيم متطرفة تقصي الآخر، وتضع قيودًا على حرية الفكر والإبداع، والأهم أن أولئك الإرهابيين استهدفوا على نحو خاص المرأة المصرية، وعبر تقييد سلوكها، في ضوء رؤيتهم المتطرفة لها كشخص منقوص الأهلية، وليست شريكًا أساسيًا في معركتي البقاء والبناء.

إن تكلفة الإرهاب الذي ضرب مصر على مدار العقود الماضية، كانت ممتدة ومركبة وعميقة الأثر في قطاعات المجتمع والدول، بل إنها صاغت صورة سلبية عن الدولة المصرية لدى الرأي العام الخارجي. لكن الدولة المصرية واجهت ذلك عبر حشد وتعبئة كافة جهود مؤسساتها لإحلال الأمن والاستقرار؛ إدراكًا منها أنه الخطوة الأساسية للانطلاق للتنمية، وهو ما برز بالفعل في تراجع بل وانزواء النشاط الإرهابي خلال السنوات الأخيرة، ارتباطًا بذلك جاءت دعوة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في سابقة لم تحدث في أي دولة أخرى، على اعتبار مقاومة الإرهاب كحق أساسي من حقوق الإنسان.

وعليه، باتت الحاجة ملحة لتقديم معالجة معمقة حول ظاهرة الإرهاب، تنطلق من فهم لطبيعة وظروف وخصوصية المجتمع المصري، وفي الوقت ذاته تتجنب إطلاق التعميمات أو تكرار السرديات المعدة مسبقًا، لذلك يهدف المشروع البحثي إلى تقديم صورة دقيقة حول مخاطر الإرهاب والتطرف وأثرهما في عرقلة جهود الإصلاح والتنمية في مصر، ما قد يسهم في التوصل إلى تصورات فكرية وعملية شاملة عن تكلفة الظاهرة الإرهابية بمصر وطرق الحد منها.

في هذا السياق، يضم المشروع البحثي 4 محاور رئيسة (الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والثقافي). في كل محور تجري دراسة تكلفة الإرهاب وأسبابه وسبل معالجته، بالتعاون مع عدد كبير من الخبراء والباحثين في مصر.

في ضوء ذلك، يمثل هذا المشروع البحثي أول بادرة بحثية وأكاديمية في مصر لفتح حوار عقلاني وعلمي حول الظاهرة الإرهابية، عبر تعزيز القنوات للتواصل بين مختلف المفكرين والباحثين وصناع القرار من أجل الوصول لفهم ومعالجة ناجعة لهذا الظاهرة.

في الأخير، فإن مؤتمر اليوم يعد هو اللقاء الأول للتعريف بالمشروع البحثي، ضمن سلسلة من اللقاءات وحلقات النقاش وورش العمل، تهدف إلى تحقيق أكبر قدر من التفكير المعمق وتبادل الرؤى في إطار حوار مفتوح، سعيًا إلى بلورة آليات وسياسات واستراتيجيات مواجهة ذات طبيعة شاملة، للتعامل مع الظاهرة الإرهابية بأبعادها المختلفة وجوانبها المتشابكة، وخلفياتها المتعددة.

وتقبلوا مني جميعًا فائق التقدير وعظيم الاحترام…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى