تغير المناخ

التغير المناخي وأثره على أفريقيا

تم تحديد تغير المناخ بوصفه أزمة بشرية وبيئية مصيرية في القرن الحادي والعشرين. وتعد مشكلة تغير المناخ أحد التحديات الرئيسة التي تواجه الشعوب الأفريقية وحكوماتها والاتحاد الأفريقي. علاوة على ذلك، تم تحديد التغير المناخي بوصفه أحد أسباب النزاعات الحادة، وبالتالي يصبح من الضروري تحقيق فهم مناسب لهذه الظاهرة في أفريقيا. لذا يجري الآن تكريس الاهتمام الشعبي والسياسي لهذه القضية، فقد ظهر إجماع عالمي واسع على خطورة هذا التهديد على أفريقيا ونظمها الأيكولوجي؛ من غرق الشواطئ نتيجة لارتفاع مستويات سطح البحر، والجفاف والمجاعات وتلوث المياه والهواء مما يتسبب في الأمطار الحمضية، وهي السبب الرئيس في انقراض ما يصل إلى ثلث الأنواع النباتية والحيوانية في العالم. ونتيجة لما سبق ستتناول الورقة التغير المناخي وتأثيره على أفريقيا وفقًا للمحاور التالية:

أولًا -المشاكل البيئية في أفريقيا

ظهرت ثماني دول أفريقية من بين 10 الأكثر ضعفًا بيئيًا حسب دراسة نشرتها مجلة PLOS ONE. حيث جاءت كل من جمهورية الكونغو الديمقراطية وبوروندي وجمهورية أفريقيا الوسطى الأسوأ حالًا. لذا تواجه البلدان الأفريقية مجموعة واسعة من المشاكل البيئية التي تشكل تهديدًا كبيرًا. أكبر هذه التحديات البيئية في القارة هي تلوث المياه والهواء والجفاف والنحر، والتي تؤثر بشكل مباشر على صحة الأفارقة، مما يتسبب في الفقر وإعاقة التنمية. أهم هذه المشكلات هي:

  1. مشاكل المياه

تعتمد موارد المياه بشكل كبير على تغير المناخ ويتأثر به؛ لذا يعاني عدد من الدول في أفريقيا بالفعل من إجهاد مائي كبير؛ نتيجة عدم كفاية الامطار وأنماط الهطول، ينتج عنه فيضانات أو العكس جفاف. وأثر هذا التغير على شعوب أفريقيا وأنظمتها الغذائية المعرضة للخطر بالفعل، فمن المتوقع أن يزداد عدد سكان أفريقيا جنوب الصحراء من 700 مليون عام 2007 إلى 1100 مليون عام 2030، و1500 مليون بحلول عام 2050، مما سيؤثر على نصيب الفرد في الغذاء والماء.

وهذا ما نراه من تزايد أزمات الغذاء في مناطق متفرقة في أفريقيا، مثل الصومال وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد ومالي ونيجيريا. فبين عامي 2015 و2022، تضاعف عدد المحتاجين إلى المساعدات الغذائية الطارئة أربع مرات تقريبًا، من 7 إلى 27 مليونًا في غرب أفريقيا وحدها.[1] بينما بين يونيو وسبتمبر 2022، سيعاني 33 مليون شخص في منطقة الساحل وغرب أفريقيا من أزمة غذاء.[2]

يترتب على ذلك فقدان الوظائف، وهو ما ظهر في مسح القوى العاملة الفصلي الثالث عام 2017 في جنوب أفريقيا؛ حيث فقدت الصناعة الزراعية ما يقرب من 25000 وظيفة. وفي مقاطعة الكاب الغربية، سرح 20000 عاملا.[3]

نفس الحال حدث في مالي وهي من أفقر دول العالم؛ يعتمد سكانها على الموارد الطبيعية في معيشتهم، حيث يعيش عليها 80٪ من السكان. ومع نقص المحاصيل ونمو سكاني سنوي 3٪، ستكون النتيجة تصعيد المنافسة على الموارد الشحيحة بشكل متزايد. مما يسهم في الصراع داخل المجتمع، في ظل النزاعات المتوطنة بين المزارعين والرعاة وزديادة التصعيد.[4] أمر آخر يخص المياه ألا وهو الأمطار الحمضية التي تدمر كلا من الأراضي الزراعية والمراعي ومصايد الأسماك، وتنتشر هذه الأمطار في كل من نيجيريا وجنوب أفريقيا.

  • تلوث الهواء

تسبب تلوث الهواء في وفاة مليون أفريقي عام 2019. وزادت الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء من 361000 عام 2015 إلى 383000 عام 2019. لذا بلغت خساراة الناتج الاقتصادي عام 2019 بسبب الأمراض ووفيات تلوث الهواء 3.02$مليار في إثيوبيا (16.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي)، و36.1$ مليار في غانا (95٪ من الناتج المحلي الإجمالي)، و349$ مليون. وفي رواندا (19.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي). أيضًا بسبب التلوث فقد 96.1 مليار طفل أفريقي نقاطًا في ذكائهم عام 2019.[5]

  • النحر

تعد ظاهرة تآكل السواحل من الظواهر ذات الآثار المدمرة، حيث ينتج عنها فقدان البنية التحتية مثل الطرق والشبكات الممتدة. وكذا تهدد السكان المحليين الذين لن يتمكنوا من العيش بالقرب من الساحل حيث مصدر دخلهم. ومن المتوقع أن تزداد هذه التحديات بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر. فعلى طول الساحل الغربي لأفريقيا، يتراوح متوسط ​​معدلات النحر بين متر ومترين في السنة. ومع ذلك فقد لوحظت معدلات أكثر خطورة تصل إلى أكثر من عشرة أمتار في السنة.[6]

ثانيًا- جهود الدول الأفريقية لمواجهة التغير المناخي

بالرغم من أن أفريقيا قد ساهمت بشكل ضئيل في تغير المناخ بما يقرب من 2-3% فقط من الانبعاثات العالمية؛ فإنها برزت بشكل غير متناسب بوصفها المنطقة الأكثر ضعفًا وهشاشة في العالم. هذا الضعف ناتج عن المستويات المنخفضة السائدة للنمو الاجتماعي والاقتصادي في القارة، ولافتقار الشعوب والحكومات للموارد اللازمة لحماية أنفسها والتعافي من آثار تغير المناخ.

لذا، ركز مكتب الأمم المتحدة للبيئة في أفريقيا في مجال تغير المناخ؛ على دعم الدول لوضع هيكل لتنفيذ التزامات العمل المناخي الخاصة بها -المعروفة باسم المساهمات المحددة وطنيا (NDCs) بطريقة توفر الأولويات الاجتماعية والاقتصادية– مثل الأمن الغذائي، وخلق فرص للدخل والمشاريع للشباب والتوسع الاقتصادي.

وأصدر مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي بيانًا غير مسبوق مارس 2021؛ بخصوص تأثيرات تغير المناخ على السلام والأمن والاستقرار في أفريقيا. وكان هذا أول من تناول على وجه التحديد التهديدات التي يشكلها تغير المناخ على الاستقرار، ودعا إلى اتخاذ إجراءات محددة، بما في ذلك إنشاء صندوق خاص للاتحاد الأفريقي لتغير المناخ.

أيضا حدد مؤتمر التنفيذ والشراكة الأفريقيين بشأن المياه ديسمبر 2003 في أديس أبابا بعض القضايا الملحة التي تواجه أفريقيا، والتي تشمل:

• زيادة القدرة على الحصول على المياه ثلاث مرات ومضاعفة الصرف الصحي المحسن أربعة أضعاف.

• سد فجوة الصرف الصحي لفقراء الحضر.

• الحد من الأمراض والوفيات المرتبطة بالمياه.

• الحد من تلوث المياه.

• ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

• التوسع في الري للزراعة.

• مضاعفة خدمات توليد الطاقة الكهرومائية.

• ارتفاع تكاليف الكوارث المتعلقة بالمياه.

ثالثًا-المعوقات

أهم التحديات التي تعيق علاج آثار التغير المناخي أغلبها يتمثل في آثار التغير نفسه؛ وكأن القارة الأفريقية دخلت في مشكلة لولبية من التغير وتبعاته. فالاعتماد الكبير على الموارد الطبيعية، والقدرة المحدودة على التكيف ماليًا ومؤسسياً للدول الأفريقية، وانخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، والفقر المرتفع، والافتقار إلى شبكات الأمان، والفساد وخاصة في تطبيق معايير الجودة على الشركات العالمية، أيضا تصدير الصناعات الملوثة للقارة الأفريقية مثل صناعة الاسمنت والسيراميك، كل ذلك يمثل تحديا كبيرا للتنمية.

رابعًاقرارات قمم المناخ وتقييمها

انعقاد أول مؤتمر عالمي للمناخ (WCC) 1979؛ ثم تلى ذلك مؤتمر التغلب على الآثار الجانبية للتغير المناخي عام 1992 عندما انضمت الدول إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ، كإطار للتعاون الدولي لمكافحة تغير المناخ والحد من متوسط ​​ارتفاع درجات الحرارة.

وبحلول عام 1995، بدأت مفاوضات لتعزيز الاستجابة العالمية لتغير المناخ، وبعد عامين، اعتمد بروتوكول كيوتو ليُلزم الأطراف بأهداف خفض الانبعاثات بتوقيع 150 دولة. استمرت فترة الالتزام الأولى للبروتوكول من 2008 – 2012. وفترة الالتزام الثانية من 1 يناير 2013 – 2020.

مَثَّل اتفاق باريس 2015، خطوة في تطور علاج تغير المناخ في الأمم المتحدة، حيث سعت الاتفاقية إلى تسريع وتكثيف الإجراءات والاستثمارات اللازمة لمستقبل مستدام منخفض الكربون. وهدفها الأساسي تعزيز الاستجابة العالمية لخطر تغير المناخ من خلال مواصلة الجهود للحد من زيادة درجة الحرارة.

وللوصول إلى هذه الأهداف الطموحة، ألزمت الدول المتقدمة نفسها بتوفير تدفقات مالية قبل عام 2025 بحد أدنى 100$ مليار، وصدر إطار عمل معزز لبناء القدرات ودعم الإجراءات التي تتخذها الدول النامية، بما يتماشى مع أهدافها الوطنية. وتم كذلك وضع جدول زمني يوضح بالتفصيل الاستجابة الدولية لتغير المناخ.[7]

النتائج

تخبرنا النتائج المعلنة أنه بين عامي 1990 و2012، انخفضت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 12.5٪، وهو ما يتجاوز بكثير الأهداف الموضوعة 4.7٪.[8] وبالرغم من هذا الانخفاض إلا أن تأثير الاتفاقية لم يكن على المستوى المطلوب؛ وذلك لأسباب عديدة، أهمها عدم تصديق كل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية على الاتفاقية.[9]

بالإضافة إلى ما سبق، فإن الدول الصناعية لم تلتزم بالتعهد السابق الخاص بتقديم 100مليار دولار حتى آخر مؤتمر للمناخ 2021. تلى ذلك تطورات طفيفة لكنها واعدة في مجال مقاومة التغير المناخي يتمثل في مشاركة مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في علاج تبعات التغير الأمنية. هذا مع تصريحات قادة العالم في قمة المناخ الآخيرة، وتعيين مستشار مناخي لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في الصومال.

 – الاستراتيجيات والحلول

بالرغم من هذا الاهتمام، إلا أنه يجب على الدول والمؤسسات الأفريقية استغلال الفرصة لتطوير استراتيجيات تركز على الحلول المحلية. يمكن للدول الأفريقية معالجة هذا الخلل بعدة طرق أهمها:

  1. توسيع الاستثمار في الطاقة النظيفة.
  2.  دعم التنمية الخضراء.
  3. البدء في زراعة المحاصيل التي تتحمل الحرارة وتتحمل الجفاف.
  4. إعطاء الأولوية للخطط المحلية أثناء مناقشة السياسات وتنفيذها.
  5. إشراك السكان المحليين المضارين من التغير المناخي، عبر بناء الوعي المحلي والاعتماد على القيادة المجتمعية.
  6. استخدام تقنتيات حديثة لحماية الشواطئ من النحر.

[1] West Africa faces its worst food crisis in ten years, with over 27 million people already suffering from hunger, OXFAM (OXFAM International: Nairobi, Kenya, 5th. April, 2022)

[2] Between June and September 2022, 33 million people in the Sahel and West Africa could be in a food and nutrition crisis, OXFAM (OXFAM International: Nairobi, Kenya, 22nd. December, 2021)

[3] Johanes A. Belle: Drought: A Common Environmental Disaster, MDPI stays neutral with regard to jurisdictional claims in published maps and institutional affiliations. (MDPI, Basel, Switzerland Nov, 2021)

[4] AIMÉE-NOËL Mbiyozo and OTTILIA ANNA Maunganidze, Climate change and violence in Africa: no time to lose (Pretoria, South Africa: Institute for Security Studies, May2021)

[5] Samantha Fisher, MPH & Others: Air pollution and development in Africa: impacts on health, the economy, and human capita, The Lancet (London : Vol. 5, ISSUE 10, E681-E688, OCTOBER 01, 2021)

[6] Dutch Water Sector: Sand engine principles to replenish African coastline, (Holland: Apr., 2022)

[7] UN Climate Change

https://unfccc.int/process/the-convention/history-of-the-convention#eq-2

[8] انهيار الاتحاد السوفيتي في التسعينات تسبب في انخفاض سريع في الصناعات التحويلية الثقيلة في روسيا والدول المستقلة حديثًا، ونقص استهلاك الطاقة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى