أفريقيا

مستقبل الدور الصيني في أزمات منطقة القرن الأفريقي

يُحاول هذا التقرير استشراف مستقبل الدور الصيني في أزمات منطقة القرن الأفريقي في ضوء المعطيات المتعلقة بتعيين مبعوث صيني للقرن الأفريقي، الذي قام بجولة مكوكية لدول المنطقة خلال شهر مارس 2022؛ فقد زار المبعوث الصيني عددًا من الدول أبرزها: إريتريا وإثيوبيا وجيبوتي والصومال وكينيا؛ لتعزيز الروابط مع هذه الدول، والتباحث في القضايا ذات الاهتمام المُشترك، وكذلك جس نبض هذه الدول بشأن مُقترح صيني لإنشاء “منظمة اتحاد دول القرن الأفريقي”، ومن المُقرر الإعلان عن هذه المنظمة خلال شهر يونيو المقبل. 

وتُبرهن التحركات الصينية على مدى أهمية هذه المنطقة لدى صانع القرار الصيني، وأن هناك رغبة صينية في الانخراط بشكل نشط في قضايا القرن الأفريقي، ولكن علينا أن نوضح أن هذا الانخراط في أزمات المنطقة سيكون بشكل براجماتي؛ أي بما سينعكس على تعظيم المصالح الاقتصادية الصينية في هذه المنطقة.

تحول لافت بشأن الدور الصيني في المنطقة

هناك مساعٍ صينية إلى تشبيك العلاقات مع دول القرن الأفريقي على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية، وهنا نطرح عددًا من التساؤلات بشأن التحول الذي طرأ على النهج والتوجه الصينيين في علاقاتها الخارجية؛ إذ إن نهج بكين يتسم بعدم التدخل في الشأن الداخلي، لكن نجد أن هناك تحولًا وتغييرًا في عقلية صانع القرار الصيني إزاء التفاعلات الخارجية، ويُمكن الاستدلال على ذلك من خلال استعراض النقاط التالية: 

نهج صيني جديد: من خلال المُبادرة التي تقدمت بها الصين لإنشاء منظمة “اتحاد دول القرن الأفريقي” كآلية لتسوية النزاعات التي تهدد استقرار دول المنطقة. وهنا نلاحظ أن الصين تُبادر بإنشاء منظمة وليس مجرد عقد مؤتمر، وهو ما يعنى أن المنظمة لها صفة الديمومة والاستمرارية، وهو ما يعكس الرغبة الصينية في الانخراط في تسوية الخلافات في دول المنطقة بالطرق السلمية؛ إذ إن السلام والأمن شرطان مسبقان للتنمية. 

توقيت المبادرة: نجد أن الإعلان عن المبادرة الصينية جاء في توقيت بالغ الأهمية؛ إذ إن الصبن عملت على توظيف حزمة العقوبات التي فرضتها الإدارة الأمريكية على عدد من دول المنطقة، أبرزها: إريتريا وإثيوبيا والصومال، والتي تمثل فرصة للصين للإعلان عن هذه المبادرة، والتعهد بتقديم مساعدات مالية وضح استثمارات متنوعة لها، وهو ما يُعزز العلاقات بين الصين ودول المنطقة. ولذلك قد لاقت هذه المبادرة استحسانًا من قبل الدول الأفريقية التي زارها المبعوث الصيني، وهو ما يعني أن هناك فرصة للمبعوث الصيني للقيام بالجهود الدبلوماسية البناءة لحلحلة أزمات المنطقة، وهو ما سينعكس على حماية المصالح الصينية.  

ملامح المبادرة: بحسب التقارير المتداولة، فإن الصين تسعى إلى تعزيز حضورها في المنطقة من خلال انتهاج دبلوماسية القوة الناعمة، التي ترتكز على توحيد عملة الدول التي تنضم إلى اتحاد دول القرن الأفريقي، وإعفاء من رسوم التأشيرات بينهم، وإنشاء خطوط سكك حديدية ومواصلات تربط بين عواصم هذه الدول. وتهدف هذه السياسة إلى تنشيط التعاون الاقتصادي والتجارة البينية بين هذه الدول، وسينعكس ذلك على رفع معدلات النمو وتحسين مستوى المعيشة لمواطنيها، وهو ما سيؤدى إلى الاستقرار السياسي، وتقليل فرص اندلاع أزمات في هذه الدول.

هل ستنجح الصين في حلحلة أزمات المنطقة؟

وفقًا للرؤية الصينية، فإن السلام والأمن في منطقة القرن الأفريقي ركيزة أساسية لاستقرار التنمية والتجارة الدولية، ولكن نجد أن هناك عددًا من الأزمات يهدد استقرار المنطقة، وهو ما يؤثر سلبًا على المصالح الصينية هناك؛ إذ تشهد المنطقة عددًا من الأزمات أبرزها: الصراع في الداخل الإثيوبي بين الحكومة الإثيوبية وقوات جبهة تحرير شعب تيجراي، وتزايد الهجمات الإرهابية في الصومال والتي تتبنها حركة الشباب الإرهابية مُستغلة الخلافات السياسية وتعثر المسار الانتخابي، فضلًا عن التوتر في العلاقات بين إثيوبيا ودولتي المصب (مصر والسودان) بشأن عدم التوصل إلى اتفاق مُلزم بشأن ملء وتشغيل سد النهضة. 

ونرى أن الصين ستعتمد على توطيد علاقاتها مع دول المنطقة من خلال القوة الناعمة، وعدم فرض توجهات بعينها باسم الديمقراطية أو حقوق الإنسان، وهو ما يُحفز دول المنطقة للتعاون مع الجانب الصيني، وسيشكل فرصة للصين للقيام بدور بنّاء في أزمات المنطقة، وفيما يتعلق بأبرز الأزمات الجارية في منطقة القرن الأفريقي، والدور الصيني المُتوقع حيالها، يمكن استعراضها على النحو التالي:

الأزمة في الداخل الإثيوبي: نجد أنه من المُرجح أن يُوجه المبعوث الصيني اهتمامه تجاه إثيوبيا على اعتبار أن الصين لديها استثمارات ضخمة في هذا البلد، فقد قامت الصين بتمويل خط سكك حديدية من أديس أبابا إلى جيبوتي، إلى جانب توسيع مطار أديس أبابا؛ إذ إن الصين توجه استثماراتها بشكل كبير في قطاع البنية التحتية. وفى ضوء المُعطيات السابقة، قد يقوم المبعوث الصيني بجهود وساطة بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وحركة تيجراي، حتى لا تتجه الأمور في إثيوبيا الى وضع لا يمكن السيطرة عليه، وتجنب سيناريو تفكيك الدولة، وهو ما سينعكس على الحفاظ على المصالح الاقتصادية والاستثمارية الصينية في إثيوبيا.

الأزمة السياسية في الصومال: من المُحتمل أن يعمل المبعوث الصيني على تقريب وجهات النظر بين الأطراف السياسية الصومالية لحل الأزمة السياسية وإتمام عملية الانتخابات التشريعية والرئاسية، وتقديم الصين المزيد من المساعدات العسكرية إلى الصومال؛ للمساعدة في محاربة الإرهاب، وهو ما سينعكس على استقرار الأوضاع الأمنية بشكل نسبي، وتراجع وتيرة العمليات الإرهابية.    

أزمة سد النهضة: لا تحتل هذه الأزمة أولوية في أجندة المبعوث الصيني المٌعين إلى القرن الأفريقي، ويمكن تفسير ذلك بأن الصين تتمتع بعلاقات سياسية واقتصادية وثيقة مع الدول الثلاث، لذلك لا ترغب في الانجرار إلى النزاع بين الأطراف التي تربطها بها علاقات وثيقة، لكن نجد أن هناك فرصة مُحتملة للدبلوماسية الصينية للقيام بدور الوساطة في هذه الأزمة الخلافية للتوصل الى حل وسط يرضى جميع الأطراف، وهو ما يساعد على تخفيف حدة التوترات بين الدول الثلاث. 

وفى الختام، يُمكن القول إن الصين تسعى إلى تعزيز دورها من خلال ” دبلوماسية الوساطة”، والتأكيد على أن هذا الدور يُحقق التوازن بين التوجه المُعلن بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، وطموحاتها في أن تكون ثُقلًا دبلوماسيًا يتمتع بالمصداقية، مع تأمين مصالحها الاقتصادية في القرن الأفريقي. في حين أن محاولاتها للقيام بذلك قد تواجه عقبات من جانب الجهات الدولية الفاعلة في المنطقة، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى