إسرائيل

عملية ديزنجوف.. «تل أبيب» بين توتر الشارع وتعقيد المشهد الأمني

بينما تشهد الدوائر السياسية في إسرائيل تحركات مكثفة لاتخاذ قرارات سريعة على الأرض لوقف الهجمات المتتالية التي تستهدف الإسرائيليين في العديد من الأنحاء، تزداد العمليات الهجومية شراسة وتطورًا نوعيًا، ما يسفر عن قتلى ومصابين،في موجة أثارت انتقادات الجمهور الإسرائيلي للقيادة السياسية التي بدت خطواتها ثقيلة نحو حمايتهم، خصوصًا بعد الهجمات الأخيرة في شارع «ديزنجوف» بتل أبيب وفي مواقع أخرى بشكل متوازٍ، ما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 15 جراء عملية إطلاق نار انتهت كالعادة بتصفية المنفذ بعد عملية بحث طويلة عنه، إلا أن تلك التصفية لم تمنع زيادة التوتر والذعر في الداخل الإسرائيلي.

توتر في الشارع الإسرائيلي

تسبب الهجوم الأخير في توتر بالغ في الشارع الإسرائيلي لأنه جاء بعد عدد من الهجمات الناجحة التي حصدت العديد من الأرواح، وخصوصًا بعدما سارعت وزارة المواصلات إلى إصدار بيان غير عادي بموجبه تم إيقاف جميع وسائل النقل العام في منطقة وسط تل أبيب على الفور.

وفي الوقت نفسه هرع أكثر من ألف شرطي وجندي، بينهم جنود دورية خاصة، إلى الشوارع بالقرب من مركز الحادث، وانتشروا بأعداد كبيرة، وهو أمر زاد من شعور الإسرائيليين بعدم الأمان.

ويقول موقع «تايم أوت» الإسرائيلي إن التقارير الإعلام لم تسهم في تهدئة الشائعات وحالة الذعر التي انتشرت بسبب تلك العملية، خصوصًا أن بعض سكان محيط المنطقة استذكروا عملية مشابهة وقعت في نفس الشارع عام 2016 والتي نفذها «نشأت ملحم» الذي قُتل بعد أسبوع من العملية عقب أسبوع من الملاحقة في منطقة عرعرة بوادي عارة.

صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية وصفت تكرار العملية بـ«الكابوس» لسكان المنطقة، لافتة إلى أن هناك أوجه تشابه في العمليتين؛ مثل تنفيذ العملية وفرار المنفذ ونجاحه في التخفي قبل أن يتم تصفيته، ولا يبعد مكان العملية عن العملية السابقة سوى 220 مترًا فقط.

تطور في شكل الهجمات

شهد الهجوم الأخير بتل أبيب تطورًا نوعيًا؛ إذ وقع الهجوم في شارع ديزنجوف  وفي مواقع أخرى بشكل متوازٍ، ما يدل على أن العمليات الهجومية تتحول من شكلها الفردي إلى شكل جماعي مُخطط، حيث أفادت الشرطة الإسرائيلية ومسعفون عن نجمة داوود الحمراء في إسرائيل، أمس الخميس، عن مقتل شخصين وإصابة 15 على الأقل في عملية إطلاق النار في شارع ديزنجوف وفي مواقع أخرى في الوقت نفسه.

تكرار الحوادث دفع رئيس الوزراء نفتالي بينيت إلى تحذير المواطنين من الخروج إلى الشوارع، وقال المتحدث باسم الشرطة الإسرائيلية «إيلي ليفي»، إن «الوضع لم يتم السيطرة عليه بعد»، وجاء ذلك في الوقت الذي سارع فيه وزير الأمن الإسرائيلي بيني جانتس إلى الاجتماع مع القيادات الأمنية في مقر الوزارة في «تل أبيب».

مراجعة قضايا السياج الأمني

قبيل الهجوم، تحدث وزير الأمن الإسرائيلي بيني جانتس، في مقابلة مع صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية عن أزمة السياج الأمني الحدودي، وقال إن «الجيش لم يعط الأولوية لحراسة السياج الأمني الحدودي، وبدلًا من ذلك ركز على المجالات الأخرى التي يكون فيها عامل الخطر أعلى بكثير وحرية العمل أقل من ذلك بكثير»، مشيرًا إلى أنه «لا تزال هذه الأيام تعيد النظر في قضية السياج برمتها، وسنحاول البدء في إصلاح الحاجز، على مراحل، وفقًا لقائمة الأولويات.. لكن هناك العديد من التهديدات الأخرى التي يجب أن نتعامل معها أنا وإسرائيل».

وكذا، هاجم مسؤولون أمنيون إسرائيليون القيادة بشأن الجدار، وقالوا لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية إنه «ليس من قبيل المصادفة عدم التزام القيادة بإغلاق حركة الأشخاص الذين يدخلون إسرائيل من الضفة الغربية»، وأضافوا أن هذا السياج، حتى عندما تم بناؤه لأول مرة، لم يكن يهدف إلى منع حركة العناصر الذين كانوا يخططون لشن هجوم في إسرائيل، وقالوا: «من يريد المغادرة سينجح»، وأفادوا أنهم «يحبطون المنفذين باستخدام معلومات استخباراتية من الشاباك، على أمل أن يأتي الاعتقال قبل وصولهم إلى السياج».

جاء ذلك بعد زيارة أجراها رئيس الأركان الإسرائيلي «أفيف كوخافي» للمنطقة التي عبر فيها مطلق النار إلى إسرائيل من الضفة الغربية، حيث دخل المسلح من خلال ثقب في الحاجز الأمني، وتمكن من العبور بالسيارة وقتل خمسة أشخاص في 29 مارس المنصرم.

دعم جهاز الشرطة

يسرع حادث تل أبيب من احتياج الشرطة الإسرائيلية إلى دعم كبير في القوة البشرية، وهو مقترح قدمته الشرطة ولم يتم الموافقة عليه، حيث قال «عوفير بندر» المتحدث باسم الشرطة في جلسة استماع، الاثنين الماضي: «نحن فقط هذا الشهر لدينا 14 هجومًا إرهابيًا مع 11 قتيلًا، 3 من رجال الشرطة و8 مدنيين، وذلك بالإضافة إلى 7 جرحى، وكان لدينا 5 حوادث إطلاق نار في مارس، و8 حوادث طعن بالإضافة إلى حادث دهس في القدس، وعلى الرغم من التعزيزات العسكرية الكبيرة، نحن نعاني من نقص في القوة البشرية، وقد قدم مفوض الشرطة خطة عندما تولى المنصب للمطالبة بـ5 آلاف شرطي، تلقينا فقط ألف، ولدينا مهام كثيرة إلى جانب الهجمات التي نتعرض لها، بالإضافة إلى الجرائم والعنف الذي يشهده المجتمع العربي».

زيادة صلاحيات الجيش والشرطة

في أعقاب العملية، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي «نفتالي بينيت» بتصريحات أنه لن يضع أي قيودًا أمام الجيش والأمن في حربها ضد منفذي العمليات، وتطرق بعد اجتماع تشاوري مع وزراء الأمن إلى كلمة والد منفذ عملية تل أبيب وقال إن المنفذ ليس حالة وحيدة، متوعدًا بملاحقة من ساعد المنفذ بأي شكل رغم أن الأمن الإسرائيلي لا يعرف شيئًا عن العملية.

وامتدح وزير الأمن الإسرائيلي بيني جانتس، شجب الرئيس محمود عباس للعملية، وتوعد المقاومين الفلسطينيينن، مستطردًا: «إسرائيل اعتقلت 200 فلسطيني وإن تطلب الأمر سنعتقل آلاف آخرين».

المزيد من الهجمات

على الرغم من شجب السلطة الفلسطينية للعملية المسلحة، إلا أن هناك حالة من المباركة للعمليات المتواصلة التي تستهدف الداخل الإسرائيلي، حيث باركت حركة الجهاد الإسلامي في بيان عملية إطلاق النار وعدتها «ردًا على سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين» فيما رحبت حركة «حماس» بالعملية المسلحة التي اختارت وسط تل أبيب مسرحًا لها، ما يُنذر بالمزيد من الهجمات الفترة المقبلة التي تتضمن مناسبات دينية إسلامية ومسيحية ويهودية، وهي مواسم غالبًا ما تزداد فيها التوترات.

وتوقع رئيس الوزراء الإسرائيلي زيادة الهجمات في الفترة المقبلة في تصريحات خرج بها، صباح الجمعة، حيث قال في مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الأمن بيني جانتس ووزير الأمن الداخلي عومر بارليف من مقر وزارة الأمن «الكيريا» تعقيبًا على عملية تل أبيب، إنه «في نهاية ليلة طويلة، وضعت قواتنا يدها على الإرهابي وقضت عليه، وهذا ما يتوقعه مقاتلونا، قد نواجه فترة طويلة ولكننا سننتصر في النهاية كما انتصرنا على الإرهاب دائمًا».

وقال بينيت في تصريحات نقلها موقع «آي 24» الإسرائيلي: «الانتفاضة الثانية استمرت لسنوات لكننا انتصرنا في نهايتها، كما استمرت موجة انتفاضة السكاكين سنة 2015 عاما كاملًا تكبدنا فيها 50 جريمة قتل لكننا انتصرنا في النهاية». وأضاف «أود أن أشيد بجهاز الأمن العام والشرطة والجيش الإسرائيلي لعملهم الحازم والسريع الذين قتلوا منفذ العملية في الوقت، قبل أن يستمر في تنفيذ مخططاته».

ومن بعده، تحدث وزير الأمن بيني جانتس وقال: «نحن في فترة صعبة في مواجهة سلسلة من الحوادث الإرهابية داخل البلاد إلى جانب الحساسية العملياتية واليقظة داخل وخارج حدودها، أنا أقدر جميع الهيئات العملياتية التي تعمل على مدار الساعة لصد الهجمات الارهابية»، مضيفًا أن «رمضان يجب أن يكون شهر عبادة دينية وأعتقد أن معظم الفلسطينيين يعتقدون ذلك وأن الإرهاب يضرّهم، وأحسنت السلطة الفلسطينية بإدانتها الهجوم وأطالبها الآن أن تعمل إلى جانب هذه الإدانة ضد منفذي الإرهاب، وسنقوم بحملة اعتقالات وتحقيقات لإفشال كل مخطط ارهابي، نحن لا نعاقب أحدًا لكن أمن دولتنا يأتي أولاً، لذلك ستتوسع الإجراءات ضد مرتكبي الإرهاب في جميع القطاعات، وسيستمر الجيش الإسرائيلي والشاباك والشرطة العمل بحزم شديد ضد الإرهاب».

وقال وزير الأمن الداخلي عومر بارليف: «سنصل إلى كل بيت وكل مكان للقضاء على الإرهاب، لن نسمح لأي إرهابي أو أي شخص يساعده أن يعيش بسلام للحظة»، مضيفًا «ليست لدينا نية لتعطيل روتين حياة أولئك الذين يسعون إلى تنفيذ تعاليمهم الدينية خلال رمضان، لكننا سنعمل بقوة ضد أي شخص يستغل الهجمات الإرهابية ويفكر بتنفيذ أي عملية».

ختامًا، من المتوقع أن تتزايد الهجمات في الفترة المقبلة حتى لو عزز الاحتلال الإسرائيلي من استعداداته الأمنية نظرًا لأنها في الأغلب تكون عملية فردية يصعب التحكم فيها أو توقعها، إلا أن الحرية الكاملة التي أعطاها رئيس الوزراء الإسرائيلي لقوات الأمن من شأنها أن تخفض من درجة الخطورة وليس منع الهجمات.

وستسارع إسرائيل في الفترة المقبلة لتطبيق خطة تعزيز للأجهزة الأمنية تشمل الدفع بقوة بشرية كبيرة، بالإضافة إلى تعزيز أنظمة المراقبة والتجسس الإلكتروني التي تقوم بها وحدات متخصصة في الجيش والشرطة الإسرائيلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى