مصر

القوات المسلحة.. جيش المهام الصعبة والوحدة الوطنية

إن القوات المسلحة لم يكن في مقدورها أن تصم آذانها أو تغض بصرها عن حركة ونداء جماهير الشعب التى استدعت دورها الوطنى، وليس دورها السياسي على أن القوات المسلحة كانت هي بنفسها أول من أعلن ولا تزال وسوف تظل بعيدة عن العمل السياسي“. هذا ما تضمنه نص بيان الثالث من يوليو لعام 2013، وأعاد إحياؤه مسلسل الاختيار الذي يُجسد ويؤرخ لمرحلة حرجة في تاريخ مصر كانت القوات المسلحة هي الحامي والداعم لمسار انتقال مصر من حافة الهاوية إلى مسار التنمية والتقدم.

كان الدور الذي قامت به القوات المسلحة المصرية منذ عام 2011 وحتى ثورة الثلاثين من يونيو 2013، هو حائط الصد الذي حال دون وقوع وانهيار الدولة المصرية وتفككها، وهو ما تم تجسيده في مسلسل “الاختيار 3” والذي يوثق واحدة من أهم مراحل التحول التاريخي في مصر في تاريخها الحديث.

تحديات جسيمة

إن تدخل القوات المسلحة بحكم مسؤوليتها الوطنية تجاه الشعب المصري كان ضروريًا وحاسمًا في مواجهة التحديات المختلفة، وبالنظر للمشهد برمته لم يكن المجال السياسي هو مسعى القوات المسلحة بل كانت هي الضامن والحامي للإرادة الشعبية ومسار المرحلة الانتقالية، خاصة وأن الجيش قد كلٌف رئيس المحكمة الدستورية المستشار “عدلي منصور” برئاسة مصر بصورة مؤقتة وكإجراء مسبق لعقد انتخابات رئاسية مبكرة، وهنا فإن الحفاظ على الوحدة الوطنية وتماسك الدولة ومؤسساتها المختلفة، يستوجب العمل على مواجهة التحديات المختلفة التي خلٌفتها أحداث الربيع العربي وما أثرته على الأمن القومي المصري، وكذلك في إطار السياق الوطني الداخلي من تصاعد العمليات الإرهابية وتجييش الشعب وتحول المشهد لوضعية أقرب للحرب الأهلية المسلحة، يمكن توضيح التحديات في الآتي:

  • الاستنزاف الميداني وحرب الشائعات: إن القوات المسلحة لاقت منذ عام 2011 حربًا إعلامية وشائعات في إطار من تكتيك الحروب النفسية لإضعاف الجيش المصري والسيطرة عليه، علاوة على كون الجيش – وانطلاقًا من دوره الوطني-  كان متواجدًا بصورة كبيرة في الميادين والشوارع الرئيسية علاوة على مهامه  الرئيسية على طول الحدود المصرية، مما أدى إلى استنزاف نسبي للقدرات القتالية، كما أن منظومة التسليح في حد ذاتها باتت بحاجة للتحديث والتطوير، كان هذا تحدي من جانب تم إبرازه من جانب الرئيس عبد الفتاح السيسي حينما تولى منصب وزير الدفاع، كما عكسه مسلسل الاختيار “3”.
  • التصدع السياسي الداخلي: لقد برز هناك خطًا متصاعدًا في مواجهة تنظيم الإخوان من القوى السياسية والحزبية الوطنية، خاصة في ظل التمادي والتجاوز الدستوري والقانوني لتلك الجماعة الإرهابية، وتداخلها في السلطات التشريعية والقضائية، وهو ما أدى إلى احتقان واسع في الشارع المصري أدى إلى أزمة سياسية واسعة.
  • تفكيك وأخونة المؤسسات الوطنية ومساعي للتغلغل في المؤسسات الأمنية: أحد التحديات التي واجهتها الدولة المصرية هو مساعٍ جماعة الإخوان للانخراط والتغلغل في المؤسسات الأمنية والعسكرية، على غرار باقي المؤسسات في إطار خطة ومساعي نحو أخونة الدولة، وهو ما لاقى رفضًا حازمًا من جانب المؤسسة العسكرية التي حافظت على خصوصيتها وكذلك الشرطة المدنية (قطاع الأمن الوطني)، وبالرغم من دخول بعض العناصر الإخوانية للشرطة إلا أن أجهزة المعلومات كانت بالمرصاد لهؤلاء وقامت بخطة تطهير لتلك العناصر المتطرفة من الأجهزة الأمنية الوطنية.
  • المشهد الميليشياوي الإخواني: وهو أحد الدعائم التي استندت عليها جماعة الإخوان في تصعيدها تجاه المعارضة السياسية وللحركات الاحتجاجية والتظاهرات الشعبية المطالبة بتغير النظام، وهذه الميليشيات كانت نواة لخلايا عنقودية مسلحة تفشت في المجتمع المصري للنيل من استقراره ووحدته وسلامة أراضيه، وباتت تلك الميليشيات الذراع الأساسي للتنظيم في أمرين، الأول، مواجهة التظاهرات والحركات الشعبية المناوئة لحكم تنظيم الإخوان الإرهابي، والأمر الثاني، باتت تلك الميليشيات هي العامل النشط اللاحق لثورة 30 يونيو 2013 في العمل المسلح الممنهج تجاه مؤسسات الدولة وأطياف الشعب المصري.
  • التكالب الدولي على مصر: لقد هيأت جماعة الإخوان المناخ أمام التدخلات الإقليمية والدولية في السيادة المصرية وشؤونها الداخلية، وباتت هناك مساعٍ لدعم بعض القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لبناء قاعدة عسكرية لها في مصر، وهو الأمر الذي نفاه المتحدث باسم القوات المسلحة في 12 أكتوبر 2012، علاوة على التنسيقات المتباينة بين تنظيم الإخوان والجماعات المسلحة الأخرى في دول الجوار وعلى رأسها حزب الله وحركة حماس والحرس الثوري الإيراني وغيرها من المليشيات المسلحة.

ولعل تلك التحديات دفعت بالمؤسسة العسكرية استنادًا لمسؤوليتها الوطنية والتاريخية، للتشاور مع كافة الرموز والقوى الوطنية والسياسية دون استبعاد أو إقصاء، لوضع خارطة طريق تتضمن الكثير من الخطوات الحيوية لبناء المجتمع والحيلولة دون الانزلاق للهاوية، وتجسد ذلك في بيان الثالث من يوليو 2013 والذي كان محطة تاريخية مهمة في مصر والتي حظيت بقبول شعبي وتأييد واسع من كافة القوى باستثناء التنظيمات والحركات الإسلامية وعلى رأسها تنظيم الإخوان الإرهابي.

تكامل الجهود

لقد أدت القوات المسلحة المصرية دورها الوطني في الحفاظ على الوطن ومقدرات الشعب المصري، وتجاوزًا للتحديات التي برزت على الساحة المصرية خلال الفترة التالية لعام 2011، فقد انخرط الجيش المصري للحفاظ على الأمن القومي المصري من المخاطر الخارجية والداخلية.

  • مبادرات لاحتواء تفاقم الأوضاع السياسية: تُعد القوات المسلحة المصرية أحد أهم المؤسسات الوطنية التي بذلت جهودًا مضنية بصورة مباشرة وغير مباشرة منذ عام 2011 وما تبعها، لاحتواء الموقف الداخلي الناجم عن التأزم السياسي الذي تسببت فيه جماعة الإخوان منذ توليها السلطة عام 2012، خاصة في ضوء التداخلات المتعددة لمكتب الإرشاد في القرارات الرئاسية المختلفة، إلى جانب فشل الجماعة في معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المختلفة في ظل تزايد التحديات المعيشية وتدهور الاقتصاد المصري خلال تلك الفترة.

الأمر الذي راكم من الضغوطات السياسية وفاقم من حدة الصراعات السياسية الداخلية على مدار العام الذي حكمت فيه جماعة الإخوان مصر، مما تطلب موقفًا وطنيًا من جانب القوات المسلحة والتي برزت في دعوتها لعقد حوار وطني بين كافة القوى السياسية الوطنية، غير أن مؤسسة الرئاسة قابلت تلك الدعوات بالرفض

  • التنسيق والتعاون الممتد: كانت القوات المسلحة هي حلقة الوصل بين الأجهزة الأمنية والمعلوماتية داخل مصر خلال فترة ما بعد عام 2011 وتصاعد دور جماعة الإخوان في المشهد الميداني والسياسي، وصولًا لسيطرتها على السلطة في 30 يونيو 2012، وأبرز ذلك مسلسل “الاختيار 3” والذي كشف طبيعة التنسيق بين إدارة المخابرات الحربية وقطاع الأمن الوطني وجهاز المخابرات العامة، في تشابك وتكامل للجهود في سبيل مواجهة المخاطر الأمنية الداخلية والخارجية التي كانت تحاك ضد مصر في إطار مؤامرة خارجية تستند لأدوات داخلية علي رأسها تنظيم الإخوان، وجسٌد ذلك مسلسل الاختيار في عمليات تفكيك لخلايا مسلحة وضبط شحنات أسلحة مختلفة كان الغرض من إدخالها لمصر عن طريق سيناء هو السيطرة على تلك الرقعة الغالية من الوطن وإعلانها ولاية إسلامية، ومن ثٌم التمدد نحو الدلتا والصعيد.

ختامًا؛ لقد كان للقوات المسلحة المصرية الدور الأبرز فيما شهدته المنطقة العربية مما يُسمي بالفوضى الخلاقة، وكانت مرتكزًا جوهريًا في التصدي للمؤامرات الخارجية التي تُحاكي ضد مصر، وكان لقرار السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بتعطيل العمل بالدستور وتولي رئيس المحكمة الدستورية العليا المرحلة الانتقالية في مصر مع العمل على عقد انتخابات رئاسية مبكرة وتشكيل حكومة كفاءات وطنية مع تشكيل لجنة تضم كل الأطياف والخبرات لمراجعة التعديلات الدستورية المقترحة على الدستور المعطل، والتي عُرفت باسم “بيان الثلاث من يوليو 2013″، بمثابة بناء الجمهورية الجديدة، وتُثبت بلا شك أن لهذا الوطن درع وسيف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى