مصر

“الاختيار 3” عندما يكون القرار بأيدي الأبطال

أصبح مسلسل “الاختيار” ضيفًا مهمًا على شهر رمضان الكريم، ليس لأجل الترفيه وإنما لسرد بطولات وحروب كثيرة خاضها أبطال مصر لإنقاذ أرضها من الوقوع في براثن الأعداء، وهذا العام، تأتي المعركة الأبرز والأهم وهي تفصيل رواية أهم 96 ساعة عاشها المصريون، وإظهار حقائق خفية وأدلة كانت السبب في القضاء على تطرف تنظيم الإخوان المسلمين، لتكتب سطور هذه الرواية ويشهد على حدوثها بطل من أبطالها وهو الراحل ” المشير طنطاوي”.

أخطر 96 ساعة في تاريخ مصر

كما عودنا الاختيار، ألا يسرد أي أحداث دون تقديم أدلة من على أرض الواقع، وهذا العام ليس كسابقه، فهذه المرة يتم كشف جوانب خفية من خلف الأبواب المغلقة، والمؤامرات التي حاول بها الإخوان البقاء في الحكم رغم رفض الشعب لهم وثورته ضدهم، وكيف تعاملت القيادات السياسية وقتها معهم، وعلى رأسهم الرئيس عبد الفتاح السيسي لتنتهي الأحداث باتخاذ قرارات حاسمة تعزل محمد مرسي من منصبه.

ولأول مرة يتم تجسيد رئيس الجمهورية وهو في سُدة الحكم، بالإضافة إلى تجسيد شخصيات حقيقية من أبطال القوات المسلحة والشرطة، وبالطبع قيادات الإخوان، مع عرض مشاهد من أحداث حقيقية، لتعزيز وتوثيق الرواية بالأدلة القاطعة.

” المشير طنطاوي”.. أبرز أبطال ملحمة الإطاحة بالإخوان

المشير طنطاوي.. هو الرجل الذي عبر بالوطن أدق مراحله، فعقب أحداث 25 يناير 2011، وانتشار الفوضى الأمنية وانقسام الشعب، تحمل هذا الرجل مسؤولية أصعب الفترات التي مرت على البلاد، ولعب دورًا مهمًا من أجل تأمين الجبهة الداخلية، وحرص على توفير الحماية الكاملة للمواطنين ودمائهم، مؤكدًا أن:” الجيش لن يخون، ولن نسمح للمدفوعين من الخارج بأن يجرونا لإراقة دماء الشعب”، مضيفًا: “إن مصر لن تسقط، وأنها لكل المصريين، وليست لمجموعة بعينها، وإن القوات المسلحة لن تسمح بذلك، ولن تفرط في حبة رمل واحدة من أرض مصر”. 

وكانت له نظرة ثاقبة، ورؤية واضحة، فأدرك مبكرًا حجم المؤامرات التي تستهدف مصر، وحجم الأعداء المتخفين المتربصون بمصر وشعبها، وأعلن أن الجيش لن يسمح لهم أبدًا بالاقتراب منها، وبالفعل، نجح طنطاوي في التصدي بمنتهى الحكمة والقدرة لتلك المؤامرات، وسعى جاهدًا للحفاظ على الدولة المصرية والعبور بها إلى بر الأمان، وإنقاذها من المصير المجهول، فكان ضامنًا لعملية الانتقال الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار السياسي، والحفاظ على كيان الدولة ووحدة شعبها، كل ذلك مع تماسك قواتها المسلحة، وحال دون وقوع أي انشقاق بين صفوف المؤسسة رغم كم الاستفزازات التي تعرضت لها القوات المسلحة في ذلك الوقت، إلا أنه ظل محافظًا على هيبتها ومكانتها في الداخل والخارج.

أحداث كثيرة كان يُتَّهم بأنه المتسبب بها، إلا أنه كان يترفع عن الرد ويمنع الآخرين من الرد بالنيابة عنه، وبعد وفاته وعن فترة يناير 2011، نعاه الرئيس عبد الفتاح السيسي بكلمات مؤثرة، وشهد بأنه بريء من أي دم سواء أحداث محمد محمود أو أحداث ماسبيرو أو أحداث استاد بورسعيد أو أحداث المجمع العلمي، وغيرها من الحوادث التي تمت خلال تلك الفترة لإسقاط الدولة والتي وصفها الساسة والمؤرخون بأنها الأصعب في تاريخ مصر.

وعن حكم الإخوان، كان يعلم طنطاوي جيدًا حجم الكراهية في قلوب هذا التنظيم للمؤسسة العسكرية، ومحاولاتهم استعراض قوتهم والإساءة المباشرة لهم، وكان يدرك أن الإخوان لطالما سعوا للاستئثار بالسلطة على حساب الجميع، وعندما وصل محمد مرسي للسلطة، كان مدركًا أن هذه الجماعة لن تستمر طويلًا وكان يشعر أن أفعالهم ستجعل الشعب يثور عليهم، وكان يتألم من فكرة أن ينساه التاريخ ولا يتذكره سوى أنه من سلم البلاد لهؤلاء.

ولأن الإخوان كانوا يعلمون مدى خطورة المشير طنطاوي عليهم وعلى استمرارهم في الحكم، وإدراكه أنهم مجموعة لا يؤمن لها، تآمرت عليه الجماعة كثيرًا، فيظهر في مسلسل “الاختيار 3” مشهد للمؤامرة التي نتج عنها ” معركة رفح الأولى”، والتي راح ضحيتها 16 من أبناء الجيش وهم صائمون، والتي نتجت بعد تخطيط وتدبير بهدف إحراج المشير طنطاوي، ولتكون حجة لإقناع الشعب المصري أن يتم الإطاحة به من منصبه كوزير للدفاع، وأن يرى المصريون أن قيادة الجيش لا تستطيع أن تحمي أبنائها، وبالتالي، شحن الشعب تجاه المؤسسة العسكرية وتوفير غطاء شعبي لقرار الإطاحة، ليعينوا بدلًا منه الرئيس السيسي ظنًا منهم أنه يؤمن بهم وبأفكارهم، ولم يكن يعلموا أنهم يحفرون قبورهم بأيديهم.

مؤامرات خلف الأبواب المرصدة

استطاع المسلسل أن ينقل للشعب المصري حجم الغل والحقد المزروع بقلوب هذه الجماعة، وكيف أنهم لا يتمنون الخير لمصر ولا يريدون لها السلام، ويسعون بكل ما أوتوا من عداد وقوة أن يدمروا أمنها ويضربوا أسهمهم في قلب استقرارها، ومحاولاتهم المستميتة أن يشوهوا صورة المؤسسات التي تحمي البلد بدماء أبنائها وأرواحهم، بالإضافة إلى محاولات أخرى للاستيلاء على أموال القوات المسلحة المخصصة للتسليح والتدريب.

فيظهر في مشهد من المسلسل “مؤامرة” الإخوان بقيادة خيرت الشاطر نائب المرشد العام لجماعة الإخوان والمتحكم في أموال التنظيم وتمويلهم، وهو يخطط مع أعوانه لتغيير فوري وجذري للمؤسسة العسكرية مستهدفًا رأسها “المشير طنطاوي”، وسط تحذيرات من معاونيه أن الجيش لن يسمح بهذا، وأن هذا الأمر سيخلق نوعًا من أنواع الصدام مع الجيش، ما يشكل خطرًا وجوديًا على الجماعة بأكملها، ليخرج الشاطر من هذا المأزق بفكرة خلق “حدث جلل” يستهدف المؤسسة العسكرية ويهز البلد بأكملها.

وكانت فكرة اغتيال المشير طنطاوي أول فكرة عرضت في هذا الاجتماع، ليعترض الشاطر على هذا الأمر لأنه سيورط جماعته بلا شك، وينتقل إلى “التصفية المعنوية” وجاءت فكرة “استهداف جنود رفح” من أجل إحراج المؤسسة العسكرية ووقوعها في خطأ يسمح لمرسي بإقالة طنطاوي.

وعن بديل المشير طنطاوي، تجادل قيادات الإخوان بشأن تعيين اللواء عبد الفتاح السيسي مدير المخابرات الحربية آنذاك بدلًا منه، إذ يرى الشاطر أن هذا الأمر خطأ فادح وخطر كبير، مؤكدًا أن هذا الرجل ليس سهلًا على الإطلاق، ولكن تم التأكيد أن جهاز الاستخبارات الخاص بالإخوان تحرى عنه جيدًا، وأن السيسي هو أنسب شخص سيقف وراء الجماعة، ويحقق أهدافها، ظنًا منهم أنه بعد فترة قد يجعلوه يدخل في الجماعة ويصبح واحدًا منهم.

وبعد معركة رفح، عرض المسلسل مشهدًا يظهر فيه رد فعل المشير طنطاوي على هذا الحدث الجلل، إذ طلب من اللواء العصار ألا تتغافل القوات المسلحة أو تنام قبل أن تثأر لأولادها، وأن كل من له يد في هذا الحادث الإرهابي يجب محاسبته أشد الحساب، وإن كان هدفهم هو إثارة الرأي العام، وخفض الروح المعنوية للجنود وإفقادهم الثقة في قيادتهم، من أجل قرارات رئاسية تسعى إلى إقالة المشير، وكان المشير طنطاوي يأمل أن يكون بديله هو الرئيس عبد الفتاح السيسي.

ولم يكن السيسي منكبّا على هذا التكليف أو مهرولًا نحوه، فقد وقف أمام المشير طنطاوي يحدثه بلغة المتضامن، بأنه لا يرغب في هذا المنصب في حال لم يكن المشير راضيًا، حديث المشير طنطاوي للسيسي كان مطمئنًا للغاية ودافعًا نحو مزيد من الحماسة للتعامل مع الواقع الجديد لـ السيسي الذي انتقل من المخابرات الحربية لـ وزارة الدفاع، حيث قال له بعبارة الواثق: “هما عملوا اللي احنا عايزينه”.

“الاختيار”.. ينقل الحقيقة ويكرم الأبطال

من المؤكد أننا أمام عمل فني كبير يشير إلى أننا على المسار الصحيح لاستخدام سلاح القوة الناعمة المصرية، كما يقدم رسالة تؤكد أن الفن قوة عظيمة لا يمكن أن يستهان بها في توثيق التاريخ ونشر الحقائق وإثبات أن هناك الكثير من الأكاذيب والافتراءات التي من السهل على الناس أن يصدقوها، ونحن في عصر الحداثة و “السوشيال ميديا”، التي تستسهل نقل الأكاذيب دون التأكد من صحتها أو مصدرها، ما يجعل إساءة استخدامها سلاحًا قويًا في يد أعداء الوطن.

ليأتي هذا المسلسل ويوثق الحقيقة لحظة بلحظة، وبالأدلة التي تثبت أن هذا العمل ليس مجرد عملًا فنيًا مؤلفًا من وحي الخيال، بل هو ينقل للعالم عظمة الشعب المصري، وتلاحمه وإرادته القوية التي أبت أن تتعرض لهذا النوع من الابتزاز باسم الدين، بالإضافة إلى نقل تضحيات القوات المسلحة والشرطة، وصمودهم وهم يقدمون دمائهم وأرواحهم فداء للوطن، في سبيل الوحدة والبقاء، وتكريم أسمائهم وإبقائها خالدة، ليشاهدها الجيل الحالي والأجيال القادمة، وتنمي عندهم مفهوم الهوية الوطنية، ويعلموا جيدًا كم كانت ستعاني مصر في اجتياز هذه الفترة العصيبة لولا تضحيات الأبطال.

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى