مكافحة الإرهابمصر

عُقدة أجهزة الأمن في ذهنية تنظيم الإخوان.. قطاع الأمن الوطني نموذجًا

أظهر تنظيم الإخوان عبر التاريخ سلوكًا عدائيًا متطرفًا تجاه كافة مكونات ومؤسسات الدولة المصرية، وتجلى الانكشاف الأكبر في المرحلة اللاحقة لصعود التنظيم إلى سُدة الحكم، والذي اقترن بحرص الإخوان على طمس وتغييب تاريخهم الدموي الأسود عن سجلات وأرشيف الدولة المصرية. واصطدمت تلك المساعي بمؤسسات وأجهزة الأمن المصرية بشكل عام، وقطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية بشكل خاص، وهو ما جعل قيادات الإخوان تستهدف تفكيك القطاع الذي يحفظ ويوثق ويكافح جرائم الجماعة منذ عقود، لتتصدر عُقدة الأمن الوطني ذهنية الإخوان طوال فترة الرئيس المعزول وما أعقبها من مراحل لاحقة.

جذور العُقدة

تبلورت عُقدة تنظيم الإخوان من الأجهزة الأمنية المصرية، وخاصةً قطاع الامن الوطني، بعد حركات الاحتجاج الجماهيري في عام 2011؛ حيث استشعرت الجماعة فرصةً لتصدر المشهد العام المصري في ظل السيولة السياسية آنذاك وضُعف مؤسسات الدولة، ولكن العقبة الرئيسة كانت أرشيف القطاع الذي نتج عن إعادة هيكلة جهاز أمن الدولة، وأنه يضُم تاريخ التنظيم وقياداته منذ التأسيس، وهو الخطر المُهدد بتقويض سيطرة الجماعة وصورتها المزيفة التي جرى العمل على ترسيخها كفصيل سياسي لمحو حقيقة النشاط المتطرف والإرهابي للجماعة.

ومع وصول الإخوان إلى سُدة الحكم، تضاعفت ضرورة تحييد القطاع عن مجريات المشهد الأمني المصري؛ إذ كان الضلع الأكثر تهديدًا بتعطيل مخطط تمكين عناصر الجماعة وأخونة مؤسسات الدولة، ضمن ثلاثية جهاز المخابرات العامة وإدارة المخابرات الحربية وقطاع الأمن الوطني؛ إذ كانت متابعات إدارة النشاط الديني بالقطاع لتلك العناصر، وما يمتلكه من أرشيف يدينهم ويوثق جرائمهم، عاملًا مقوضًا لمخطط الإخوان للتمدد بوزارات وهيئات ومؤسسات الدولة، بل ومقيدًا لحركة العناصر المتورطة بأنشطة إرهابية ممن شملتهم قرارات العفو الرئاسي التي أصدرها الرئيس المعزول.

وعقب ثورة 30يونيو، أضحى قطاع الأمن الوطني في مُقدمة بنك أهداف المجموعات النوعية التي شكلها الإخوان، بعد الضربات التي قضت على قواعد التنظيم السري للجماعة، والتي كانت تقارير القطاع وبيانته وأرشيفه عنصرًا أساسيًا فيها. وأصبحت مقرات وضباط قطاع الأمن الوطني أهدافًا ثمينة لخلايا الإخوان الإرهابية؛ لمحو ما يمكن من معلومات لديهم، وتشتيت وإرباك عمل القطاع وجهود ضبط وإجهاض مخططات التنظيم.

تكتيكات الفوضى والإرهاب

انتهج تنظيم الإخوان خطًا متصاعدًا من التكتيكات الرامية إلى تفكيك وإضعاف قطاع الأمن الوطني، وكانت تلك المحاولات مُتدرجة من عمليات اقتحام مقرات القطاع والاستيلاء على أرشيفه، ثم اعتماد خطة لإضعاف مؤسسية وفاعلية عمله بعد وصول الجماعة للسلطة، واتجه الإخوان إلى توجيه نيران التصفية والاغتيالات لمسؤولي القطاع بعد سقوطهم في أعقاب ثورة 30 يونيو. وفيما يلي نستعرض أبرز تلك التكتيكات:

أولًا- اقتحام المقرات: مثلت المحاولات المتتالية لاقتحام مقرات جهاز مباحث أمن الدولة، إبان الشهور الأولى للعام 2011، أولى مساعي تنظيم الإخوان لتوظيف الاضطرابات التي شهدتها مصر لطمس جرائم الجماعة الموثقة بأرشيف الجهاز، والتي تضمنت بيانات عالية السرية حول دور الإخوان في الفوضى التي عايشتها البلاد خلال تلك المرحلة، بما في ذلك عمليات اقتحام السجون وأقسام الشرطة. وكانت الجماعة حريصةً على إثارة الشائعات حول تلك المقرات؛ لتحفيز المحتجين على اقتحامها، ومن ثم التسلل بينهم والوصول إلى الملفات التي تدين قيادات وعناصر الإخوان، أو غيرها من الوثائق والمواد التي تكشف حقيقة المشهد الذي عايشت مصر وقائعه بعد يناير 2011.

ثانيًا- إضعاف الأطر المؤسسية: حاولت جماعة الإخوان استثمار وصول أحد عناصرها لرئاسة الدولة للسيطرة على المؤسسات الأمنية بشكل عام، وقطاع الأمن الوطني بشكل خاص، وهو ما بدأته الجماعة باستصدار قرارات رئاسية بالعفو عن المدانين من عناصرها، وغيرهم من المنتمين للتيارات والتنظيمات الإرهابية الأخرى، لمُضاعفة العبء واستنزاف القطاع وضباطه. ثم اتجه الإخوان إلى استبعاد المخضرمين من قيادات وضباط القطاع عن ملفاتهم الرئيسة، لاسيما المسؤولين عن نشاط الجماعات الدينية والإرهابية، والتي شملت النقل إلى قطاعات أخرى، أو الإحالة للتقاعد أو غيرها من القطاعات الأمنية المناظرة التي لا تتصل بنشاط التنظيم. 

ثالثًا: التصفية والاغتيالات: أعقب نجاح ثورة 30يونيو، في الإطاحة بتنظيم الإخوان، استعادة سريعة لاتزان قطاع الأمن الوطني بإلحاق القيادات والضباط الأكفاء الذين تم استبعادهم مجددًا إليه، وجرى إنجاز تنسيق أمني نجح في إجهاض مخططات الفوضى والعنف التي وضعها التنظيم قيد التنفيذ، ضمن خطة “الإنهاك والإرباك” التي وجهها الإخوان للثأر من مؤسسات الدولة التي ساندت إطاحة الشعب بهم. وبينما ركزت أذرع تنظيم الإخوان في سيناء والمنطقة الغربية على استهداف المؤسسة العسكرية، نشطت المجموعات النوعية والخلايا الإرهابية الأخرى باستهداف الداخل المصري، وكانت تلك المجموعات حريصةً على استهداف واغتيال الضباط المسؤولين عن مكافحة إرهاب الجماعة، لاسيما المتولين للقضايا الكبرى مثل المُقدم “محمد مبروك” الشاهد بقضية التخابر المتهم بها الرئيس المعزول وقيادات الجماعة.

فشل مخططات التفكيك

تجدر الإشارة إلى أن جُملةً من المعطيات والعوامل كانت سببًا أساسيًا في فشل مخططات تنظيم الإخوان باستهداف وإضعاف قطاع الأمن الوطني، رغم جسامة الجرائم التي ارتكبتها الجماعة ضده، والتي ترقى مُعظمها إلى جرائم الخيانة العُظمى والإرهاب، ومن بين تلك العوامل:

أولًا- رسوخ القيم الوطنية بالمؤسسات الأمنية: يُحال نصيب وافر من صمود المؤسسات الأمنية المصرية بوجه المخططات الإرهابية التي استهدفت تقويض مُرتكزاتها إلى القيم الوطنية الراسخة والحاكمة لعمل تلك المؤسسات، ومن بينها قطاع الأمن الوطني. وتمثل تلك المُرتكزات في مُجملها أدبيات ناظمة للعمل الأمني الذي تؤديه تلك الأجهزة والقطاعات، وكان لرسوخها وتوطينها كعقيدة حاكمة لهذا الدور الأثر والعامل الأهم في إحباط مخططات وبرامج تفكيكها أو صبغها بأيديولوجيات غير وطنية، لتتجاوز المساعي الخبيثة لإخراجها عن منهجها ودورها الوطني، وأن تواصل التصدي بفعالية لمحاولات إضعافها أو إنهاكها.

ثانيًا: التعافي السريع للقطاع: نجح قطاع الأمن الوطني في استثمار كافة الفرص التي أتيحت له لإعادة هيكلة إداراته وأقسامه، وهو ما مكَنه من تجاوز المحاولات المتواصلة من تنظيم الإخوان للسيطرة عليه أو تحييده إبان فترة وصوله إلى السلطة. وحيث كان هذا التعافي يسير بشكل قوي، تضاعفت قدرات القطاع على أداء دوره في فترة بالغة الخطورة في تاريخ مصر، فخلال ثلاث سنوات (2011-2013) تمكن القطاع من العودة إلى المشهد الأمني المصري بقوة، واستطاع إحباط مخططات الجماعة بشكل فاعل ضمن مكونات المنظومة الأمنية المصرية التي تولت على عاتقها حماية مصر من الفوضى والإرهاب.

ثالثًا- مؤسسية المنظومة الأمنية: أجهض التنسيق الأمني بين المؤسسات الأمنية والمعلوماتية الرئيسة مخطط تحييد قطاع الأمن الوطني وفقًا لمخططات التنظيم، فقد كانت المؤسسة العسكرية حريصة على دعم قطاعات الشرطة المصرية واستعادة اتزانها في ظل الاستهداف الممنهج الذي كان يرمي إلى إسقاطها تمامًا وخروجها عن دورها. وعكس العديد من الحالات والنماذج وجود تعاون مُتبادل بين عناصر المنظومة الأمنية الثلاث، المخابرات العامة والحربية والأمن الوطني، ما عزز من النتائج الإيجابية بشأن إجهاض العديد من التهديدات، وفي فترات زمنية قياسية تزامنت مع أحداث وطنية عصيبة عايشتها مصر. الأمر الذي يؤكد أن مؤسسية عمل تلك المنظومة، والتنسيق البيني في أعمالها كان أحد الركائز التي قوضت مخططات الفوضى والإرهاب.وختامًا، يمكن القول إن عُقدة تنظيم الإخوان من أجهزة الأمن والمعلومات هي مُعضلةً مُزمنةً في ذهنيته، وطالما استشعرت الجماعة على مدار تاريخها أن عقد صفقة مع النظم الحاكمة أو التسلل إلى السلطة والانفراد بها لن يستقر لها طالما كانت هناك مؤسسات أمنية ومعلوماتية تمتلك من الأدلة والوثائق ما يمكن أن يطيح بكيانها ووجودها. ولذلك، ستظل جماعة الإخوان تناصب أجهزة ومؤسسات الدولة العداء، وستحظى تلك القطاعات والأجهزة بنصيب وافر من رغبة الإخوان في الثأر من الإطاحة بهم وكشف مخططاتهم، ما يستوجب استمرار تطوير منهجية التنسيق الأمني والمعلوماتي، وبلوغ مستويات مُتقدمة من التعاون الاستراتيجي داخل مجتمع الأمن والاستخبارات؛ تحقيقًا للكفاءة والفاعلية المنشودة لحفظ أمن مصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى