إسرائيل

«إسرائيل والعمليات الهجومية».. التقصير والنتيجة والخطة المستقبلية

تسببت الهجمات الأخيرة التي استهدفت الإسرائيليين في الداخل سواء أفراد جهاز الشرطة أو المدنيين في انتشار حالة من التوتر والقلق العام لدى الجمهور والسلطات التي اتخذت عددًا من الإجراءات استعدادًا لفترة ربما تشهد تصعيدًا أكبر؛ نظرًا لأنها تتضمن شهر رمضان وعيد الفصح اليهودي وعيد القيامة المسيحي في تقارب زمني نادر. وعلى الرغم من أن رفع حالة التأهب في مثل هذه المناسب يُعد عادة إسرائيلية، إلا أن القيادات الإسرائيلية أدركت أنها بحاجة إلى المزيد من الإجراءات الأمنية لردع الهجمات في وقت مُبكر.

موجة قاتلة

وصف الإعلام الإسرائيلي موجة الهجمات التي شهدها شهر مارس 2022 بالموجة القاتلة، وعدّها أسوأ الموجات التي عاشتها إسرائيل في السنوات الأخيرة؛ بسبب مقتل 11 شخصًا في عمليات طعن وإطلاق نار في مدن إسرائيلي ومدينة القدس، وكان من بين الضحايا العديد من أفرات القوات الأمنية والمدنيين. وأطلقوا على مارس «شهر الإرهاب». 

رأت وسائل الإعلام أن هجوم «بني براك» يعد حدثًا ومؤشرًا خطيرًا، فقد ذكرت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية في تقرير لها أنه يرمز إلى فترة دامية من الهجمات في جميع أنحاء البلاد، لافتة إلى أنه الأعنف حتى الآن بسبب مقتل 5 أشخاص أحدهم شرطي شارك في تحييد منفذ الهجوم الذي قضى في السابق عقوبة في سجن إسرائيل وينتمي إلى حركة «فتح».

وفي وقت سابق، شهدت إسرائيل حادثًا آخر وصفته «معاريف» بـ«المميت» وهو الهجوم الذي وقع في منطقة «الخضيرة» وقُتل خلاله مقاتلان حدوديان، وانتهى باعتقال مشتبهين منتميين إلى تنظيم «داعش» الإرهابي، وجاء ذلك بعد عدة هجمات في منطقة القدس والمنفذين كانوا من سكان القدس الشرقية وبعضهم من فلسطينيي الضفة الغربية، بالإضافة إلى حادث طعن على حاجز «حزما» في مطلع شهر مارس. وفي وقت لاحق تم تنفيذ عمليتين في القدس عند باب الأسباط وباب القطانين، وهجوم آخر في البلدة القديمة بالقدس.

جولة أمنية في الجدار وعقوبات جماعية

نفذ مراقب الدولة الإسرائيلي، متنياهو أنجلمان، جولة على عدة مناطق داخل الجدار العازل؛ بهدف فحصه أمنيًا ليكتشف عدة فتحات حفرها فلسطينيون بهدف التسلل إلى إسرائيل بهدف البحث عن عمل لعدم حصولهم على تصاريح لذلك. وأشار أنجلمان إلى أن وضعية الجدار من الناحية الأمنية تشكل «إخفاقًا خطيرًا»، مضيفًا أن «الجدار مشروع أمني استثمر فيه نحو 3 مليارات دولار لضمان أمن إسرائيل، ولكن ما نراه اليوم يتيح لآلاف الفلسطينيين اختراقه بكل سهولة سواء كانت لديهم تصاريح أو بدون تصاريح، وبدون أي رقابة مع إمكانية الدخول أيضًا بسيارات، ويمكننا أن نرى كيف وصل منفذ عملية بني براك من جنين في غضون ساعة بسهولة كبيرة.. هذا إخفاق خطير للغاية». 

بعد تلك الجولة، دعا مراقب الدولة رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالي «نفتالي بينيت» والمجلس الوزاري الأمني المصغر إلى إجراء دراسة دقيقة حول وضع هذا الجدار، لافتًا إلى أن هذا الجدار مُخترق، ووجوده لم يعد واقعيًا، مطالبًا إياهم بالاستيقاظ قليلًا. كذلك وجهت أوشرات جونين، رئيسة المجلس الإقليمي هشارون، في مركز إسرائيل، القريب من مختلف نقاط الجدار، انتقادات لاذعة للأجهزة الأمنية، قائلة: «سبق وحذرنا جهاز الأمن من الإخفاقات الموجودة في الجدار وقلنا إن دمنا مباح، لكن أحدًا لم يتعامل بجدية مع تحذيراتنا».

رئيسة المجلس الإقليمي ليست وحدها من قدمت انتقادًا لاذعًا، بل وجهت عدة جهات في الجيش الإسرائيلي انتقادات لرئيس الأركان «أفيف كوخافي»، بسبب الإخفاقات في الجدار، معتبرة أن نشاطه بعد تنفيذ العملية الهجومية أتى متأخرًا، ما دعاه إلى إجراء جولة ميدانية قرب المعبر الذي خرج منه منفذ عملية «بني براك»، أحمد حمارشة، ابن بلدة يعبد في جنين

وأصدر كوخافي أوامر بإغلاق المعبر، وفرض بذلك عقابًا جماعيًا على المزارعين الفلسطينيين الذين يستخدمونه للعبور للعمل في أراضيهم، بالإضافة إلى أنه وجه بتعزيز الجهود الدفاعية في منطقة خط التماس، ومواصلة الأعمال الاستخبارية وأعمال الإحباط الهجومي، وذلك ضمن خطة دفاعية ووقائية.

أما عن الإجراءات المُتخذة من قبل السلطات الإسرائيلية في المسجد الأقصى لمنع التصعيد خلال صلاة الجمعة، فنُشر 3 آلاف شرطي حول البلدة القديمة في نقاط الاحتكاك بين الفلسطينيين والمستوطنين، وفي المحاور التي سيمر منها المصلون للوصول إلى الأقصى من أجل الصلاة.

اجتماع لجنة الشؤون الخارجية والدفاع

اجتمعت لجنة الشؤون الخارجية والدفاع برئاسة عضو الكنيست «رام بن براك» الاثنين الموافق 4 أبريل لمناقشة مشتركة مع لجنة الأمن الداخلي برئاسة عضو الكنيست «ميراف بن آري» حول الهجمات الأخيرة واستعدادات الشرطة والجيش وقوات الأمن لشهر رمضان، وتم ذلك بمشاركة رئيس مركز الحكم المحلي «حاييم بيبس»، وفقًا لما ذكرته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية.

في بداية المناقشة، قال عضو الكنيست بن آري: «طلبنا إجراء المناقشة في ضوء موجة الهجمات الأخيرة وبداية رمضان، في البداية يجب أن نشكر الأبطال الذين منعوا وقوع هجمات إرهابية خطيرة للغاية. رأينا الخطة التي قدمتها الحكومة، تجولت أنا وصديقي رام بن باراك في خط التماس من الجنوب إلى الشمال، ورأينا الفجوات، ورأينا دخول المركبات، ورأينا كل شيء، جلسنا وحذرنا وتحدثنا وكنا مع الجيش والشرطة.. لم ننتبه لها.. سنوات من الإهمال.. نعتقد أن الشرطة صغيرة في دولة إسرائيل والحدود أصغر، لذلك أقول بالفعل إنه في الميزانية القادمة سيتم عمل كل شيء لزيادة حرس الحدود الإسرائيلي وقوات الشرطة». 

أضاف عضو الكنيست بن براك: «لسنا متفاجئين، هذا حدث مستمر ويكتسب زخمًا، احتمال وجود الإرهاب داخل إسرائيل يزداد من خلال استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، وتتسبب في قيام الناس بهجمات إرهابية، وفي بعض الحالات لم تكن هناك معلومات أولية عن الهجمات، كدولة أهملنا لسنوات ما حدث على خط التماس وما يحدث في المجتمع العربي من جرم وإجرام». 

وتابع: «في النهاية نحتاج أن نفهم أن المجرم سريع جدًا في التحول إلى قومي وإرهابي، وهناك علاقة وثيقة بين تلك الأشياء، لا مفر من التعزيز الهائل لشرطة إسرائيل وشرطة حرس الحدود، ولا مفر من التفكير بشكل مختلف، سنسمع هنا مقابلات حول كيفية بناء قوة من الحرس الوطني لتعزيز قوات الأمن في أوقات الأزمات.. لا شك أن لدينا خدمات أمنية جيدة، ولكن لدينا حدث معقد، والشرطة الإسرائيلية وجهاز الأمن العام الإسرائيلي يقومون بعمل جيد في هذا الشيء المعُقد». 

خطة لمعالجة نقاط الضعف

قال «عوفير بندر» المتحدث باسم الشرطة في جلسة الاستماع: «نحن فقط هذا الشهر لدينا 14 هجومًا إرهابيًا مع 11 قتيلًا، 3 من رجال الشرطة و8 مدنيين، وذلك بالإضافة إلى 7 جرحى، وكان لدينا 5 حوادث إطلاق نار في مارس، و8 حوادث طعن بالإضافة إلى حادث دهس في القدس على الرغم من التعزيزات العسكرية الكبيرة». وأضاف: «نعاني من نقص في القوة البشرية، وقد قدم مفوض الشرطة خطة عندما تولى المنصب للمطالبة بـ5 آلاف شرطي، تلقينا فقط ألف، ولدينا مهام كثيرة إلى جانب الهجمات التي نتعرض لها، بالإضافة إلى الجرائم والعنف الذي يشهده المجتمع العربي».

وتابع: «نحن منتشرون على نطاق واسع لتوفير استجابة فورية لأي حادث لإعطاء إحساس بالأمن وإحباط الهجمات ومنع وقوعها، ولهذه الغاية نبذل جهودًا كبيرًا لنكون في كل مكان، وهناك إجراءات على المدى القريب وعلى المدى الطويل، قمنا بنشر المئات من ضباط الشرطة في التدريب الميداني، بالإضافة إلى مئات الموظفين ذوي الخلفية المهنية إلى الميدان، نحن نوظف آلاف المتطوعين وقمنا بتشغيل سرايا احتياط في شرطة حرس الحدود بشكل جزئي حسب الخطة، وعددهم 5 سرايا، انتشرت على حدود الضفة الغربية، ولدينا 1300 جندي من الوحدات القتالية يعملون مع الشرطة في الأماكن المزدحمة». وأشار ممثل عن وزارة الأمن الداخلي إلى خطة الحكومة في هذا الشأن، وقال إن الخطة المطروحة من قبل الحكومة بتكلفة 181 مليون شيكل إسرائيلي.

وقد شهدت الفترة الأخيرة هجومًا على رئيس الحكومة الإسرائيلية «نفتالي بينيت» ووزير الخارجية «يائير لابيد» بسبب إهمال الوضع الأمني في الداخل الإسرائيلي والانشغال بالتهديد الإيراني، معتبرين أن هناك هدوءًا أمنيًا داخليًا على عكس الواقع، وما زاد الطين بلة دعوته إلى نشر السلاح بين الإسرائيليين وحمله إلى أي مكان يتوجهون إليه، وهو الأمر الذي يسهم في التوتر والتحريض على القتل.

ختامًا، من الواضح أن تدهور وضع الأجهزة الأمنية في الداخل الإسرائيلي في الفترة الماضية كان بسبب التركيز على القضايا الخارجية، وهذا ما جعل الحكومة الإسرائيلية تغض الطرف عن التهديدات الداخلية، ما أسفر عن فشل المنظومة الأمنية في العمليات الهجومية التي وقعت مؤخرًا.

وفي الفترة المُقبلة، ستشرع المنظومة الإسرائيلية في تدعيم الوضع الأمني على عدة مستويات لسد الثغرات التي ظهرت في الآونة الأخيرة، وستشمل الخطة تشديد تنفيذ القانون فيما يتعلق ببعض الأمور أبرزها: جمع السلاح غير القانوني، وتطبيق عقوبات اقتصادية قاسية، ومصادرة أملاك من يحمل سلاحًا. إلى جانب كل ذلك سيكون هناك تدعيم لصفوف الشرطة الإسرائيلية لإحكام القبضة الأمنية. ولكن لن تنفذ الحكومة الإسرائيلية الخطة المطروحة بسبب ارتفاع التكلفة التي تصل إلى 181 مليون شيكل إسرائيلي. وستكثف وحدات الاستخبارات الإسرائيلية عملها في الفترة المقبلة لإحباط أي مُخطط لعملية بشكل استباقي، وخصوصًا وحداث التنصت المتخصصة في الاختراقات مثل الواحدة «8200» الإسرائيلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى