الاقتصاد المصري

قرارات اقتصادية تساوي 17 مليار دولار

ما إن اتخذت الحكومة المصرية قراراتها الاقتصادية الخاصة بإعادة تسعير الجنيه المصري ورفع أسعار الفائدة، حتى تسارعت الاستثمارات على مصر من جانب الدول العربية الشقيقة التي تثق بقدرة الاقتصاد المصري على الصمود والعبور أمام أزمات كبيرة مثل الأزمة الحالية، كما فعل سابقًا بعد أن عبر بنجاح من أزمة كورونا. تأتي تلك الثقة كبرهان على الجهود التي قامت بها الدولة المصرية من إصلاحات اقتصادية خلال السنوات الماضية، والمساندة الشعبية للقيادة السياسية والتي نبعت من ثقة المواطنين بقيادتهم وقدرتها على إحداث نقلة نوعية بمصر.

ومع المتابعة المستمرة للأخبار التي ترد حول تلك الاستثمارات تدور في الأذهان تساؤلات عديدة عن مدى تأثير تلك الاستثمارات على الاقتصاد المصري. لكن وقبل الإجابة على تلك التساؤلات أو الحديث عن القرارات التي اتخذتها الدولة المصرية في الآونة الأخيرة والتي شملت جزءًا نقديا يتمثل في رفع سعر الفائدة بمقدار 1% وإعادة تسعير للعملة المصرية لخفضه، يمكننا استعراض ملامح الوضع الاقتصادي المصري قبل اتخاذ مثل هذه القرارات.

المشهد المصري قبل الإجراءات الأخيرة

عند النظر إلى الوضع الاقتصادي في مصر فإننا عادة ما ننظر إلى 4 أقسام رئيسة، القسم الأول هو الوضع المالي والنقدي، والذي يتعلق بحجم النقود المتداولة في السوق، والأصول المحلية والأجنبية المتاحة بالقطاع المصرفي، وسعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي، واحتياطي النقد الأجنبي. بالإضافة إلى العديد من البنود الأخرى التي يمكن النظر إليها أنها تفصيلية للمتخصصين. 

القسم الثاني يتمثل في القطاع الخارجي وهو الجزء الذي ينظر في معاملات مصر مع العالم الخارجي (الدول الأخرى). أما الجزء الثالث فهو قطاع المالية العامة والحكومة وهو ينظر في بيانات الموازنة العامة للدولة، وإجمالي الدين العام وما إلى ذلك، وأخيرًا. القطاع الحقيقي والذي يتمثل في الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد، وحجم الاستثمارات والتضخم، وبعض المؤشرات الأخرى.

الوضع المالي المصري كان مستقرًا إلى حد كبير؛ فنقود الاحتياطي والأصول المقابلة (M0) ارتفعت بنسبة 4.1% خلال الفترة من يوليو/ ديسمبر من العام المالي 2021-2022، حيث بلغت 1028.7 مليار جنيه في نهاية ديسمبر 2021. جاء ذلك الارتفاع نتيجة ارتفاع النقد المتداول خارج البنك المركزي بمقدار 3.6%، وارتفاع ودائع البنوك بالعملة المحلية لدى البنك المركزي بمقدار 14.8 مليار جنيه بمعدل 5.6%.

من جانب آخر، ارتفعت السيولة المحلية بمقدار 466 مليار جنيه بمعدل 8.7% خلال الفترة من يوليو/ ديسمبر من العام المالي 2021/2022، لتصل إلى 5822.6 مليار جنيه في نهاية ديسمبر 2021، يعود جزء كبير من ذلك الارتفاع إلى ارتفاع الودائع غير الجارية بالعملة المحلية بنحو 338.2 مليار جنيه بمعدل 9.8%.

أما عن القطاع الخارجي، فكانت الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2021 جيدة على مستوى معاملات مصر مع العالم الخارجي؛ فقد حققت فائضًا بمقدار 311.4 مليون دولار، وهو أفضل من أداء نفس الفترة من العام السابق له والذي حققت مصر فيه عجزًا بمقدار 69.2 مليون دولار. 

لكن حساب المعاملات الجارية المصري ارتفع عجزه بحوالي 4 مليارات دولار (مقابل عجز بمقدار 2.8 مليار دولار خلال نفس الفترة المناظرة). وبالنظر إلى الميزان التجاري فقد ارتفع عجزه ليصل إلى 11.1 مليار دولار (مقابل 8.6 مليارات دولار خلال نفس الفترة من العام الماضي). 

حساب المعاملات الرأسمالية والمالية حقق صافي تدفق للداخل بمقدار 6 مليارات دولار خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2021؛ إذ سجلت الاستثمارات بمحفظة الأوراق المالية في مصر صافي تدفق للداخل بنحو 3.6 مليارات دولار، وارتفع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر بمصر بمعجل 3.7% ليسجل نحو 1.66 مليار دولار. حيث شهدت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاعات غير البترولية ارتفاعًا بمقدار 473.7 مليون دولار لتسجل صافي تدفق للداخل بلغ نحو 2.2 مليار دولار. 

بلغ إجمالي إيرادات الحكومة العامة 1266 مليار جنيه، وبلغ إجمالي النفقات 1729.4 مليار جنيه، وهو ما يمثل عجزًا نقديًا بحوالي 463.4 مليار جنيه، أما عن العجز الكلي فقد بلغ 459.4 مليار جنيه أو ما يمثل 7.2% من الناتج المحلي الإجمالي. أما عن الموازنة العامة للدولة فقد بلغ إجمالي الإيرادات بقطاع الموازنة العامة للدولة 1108.6 مليارات جنيه، وبلغ إجمالي النفقات 1578.7 مليار جنيه (عجز نقدي بقيمة 470.1 مليار جنيه، وعجز كلي بمبلغ 472.3 مليار جنيه أو ما يمثل 7.4% من الناتج المحلي الإجمالي، أما عن إجمالي الدين العام المحلي فقد بلغ 4742.1 مليار جنيه بنهاية يونيو 2020.

أما عن القطاع الحقيقي، فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي بسعر السوق (وفقًا للأسعار الجارية) مبلغ 6341.0 مليار جنيه، مقابل مبلغ 5855.0 مليار جنيه، وبذلك يكون قد حقق الاقتصاد نموًا بمقدار 8.3%، وكان أبرز القطاعات مساهمة في الناتج المحلي الحقيقي قطاع تجارة الجملة والتجزئة، وقطاع الاتصالات، والتشييد والبناء، والزراعة، والحكومة العامة. 

أما عن الاستثمارات المنفذة، فقد انخفضت تلك الاستثمارات بمعدل 4.5% خلال العام المالي 2020-2021 مقارنة بالعام السابق له لتصل إلى 760.5 مليار جنيه، وقد بلغ نصيب القطاع الخاص منها 26.3% مقابل 73.7% استثمارات عامة. أما عن معدل التضخم بالبلاد فقد بلغ معدل التضخم 7.3% خلال شهر يناير 2022 مقابل 5.9% خلال شهر ديسمبر 2021 (وفقًا لما تم إعلانه من جانب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء).

قرارات اقتصادية إصلاحية

شهدت السياسات النقدية بالبلاد مجموعة من القرارات الإصلاحية التي هدفت إلى إضفاء المزيد من المرونة على السياسات الاقتصادية بالدولة والاقتصاد المصري لمساعدته على الصمود أمام الأزمات التي تلوح في الأفق، فبعد عامين من الصراع عالميًا مع جائحة كورونا التي انتشرت في مارس عام 2020 وتحولت إلى وباء، وقد تبع ذلك اتجاه دول العالم بالتتابع لوقف حركة الطيران وإغلاق المدن اقتصاديًا، وفرض حالات من حظر التجوال والتي أتت ضمن محاولات الدول لاحتواء فيروس كورونا. 

وما إن بدأ اللقاح في الانتشار حتى سارعت الدول لفتح اقتصاداتها، وقد ترتب على ذلك ارتفاع الطلب بشكل كبير والذي ترتب عليه ارتفاع أسعار المواد الأساسية التي تتمثل في الغذاء والبترول عالميًا، والتي ترتب عليها رفع معدلات التضخم عالميًا إلى مستويات غير مسبوقة ليصل إلى المستوى الأعلى منذ عقود.

تلك الضغوط التضخمية الكبيرة مع اتجاه البنك الفيدرالي الأمريكي إلى تخفيف سياسات التيسير الكمي التي تبناها ضمن إجراءات احتواء فيروس كورونا ودعم الاقتصاد، وإعلانه مرارًا وتكرارًا خلال العام الماضي عن اعتزامه رفع أسعار الفائدة تدريجيًا لعدد 5 أو 6 مرات (رفع بحوالي 1.5%)، وقد اتخذ قرارًا بالفعل في مارس برفع أسعار الفائدة بمقدار 0.25% نقطة أساس وذلك لاحتواء معدلات التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولأن نظام العولمة والنظام المالي العالمي أصبح قناة تربط بين الاقتصادات المختلفة، فإن ذلك القرار برفع أسعار الفائدة يترتب عليه هروب الاستثمارات الأجنبية في محفظة الديون من الدول الناشئة إلى الخارج للاستفادة من العوائد التي تدفعها أدوات الدين الأمريكية، ومن ثم تتجه الدول النامية أو الاقتصادات الناشئة إلى رفع أسعار فائدتها هي الأخرى وخفض سعر عملتها (اتخاذ إجراء واحد بشكل كبير أو التقسيم على الإجراءين) وهو ما قامت به الحكومة المصرية؛ إذ إنها خفضت قيمة الجنيه المصري بمقدار 15% تقريبًا، ورفعت أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس.

يمكن تفسير ما قامت به الحكومة المصرية بسببين: الأول هو جذب استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية (استثمارات المحفظة) من خلال إعادة تسعير الجنيه بالشكل الذي يعبر عن قيمته العادلة، ومن الناحية الأخرى رفع معدلات الفائدة لدفع معدل فائدة مغرٍ للمستثمرين، وفي نفس الوقت كبح جماح التضخم في مصر، مع إصدار شهادة للأفراد مدتها عام واحد بمعدل مترادفات فائدة مغرٍ للغاية 18%؛ بهدف جذب السيولة من السوق والحفاظ على معدلات التضخم.

استثمارات أجنبية

فور إصدار الحكومة المصرية لها، جذبت تلك القرارات الاقتصادية المستثمرين من الدول العربية للاستثمار في الاقتصاد المصري، فأعلن مجلس الوزراء المصري عن توقيع اتفاقية بين الحكومة المصرية والحكومة السعودية والتي بموجبها يستثمر صندوق الاستثمارات العامة السعودي مبلغ 10 مليارات دولار أمريكي في مصر. 

من جانب آخر، أعلنت قطر ضخ استثمارات بمبلغ 5 مليارات دولار في مصر خلال اجتماع عُقد في القاهرة، يأتي ذلك الاتفاق في إطار سعي الدولتين إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بينهما، هذا فضلًا عن أنه تم تشكيل لجنة عليا مشتركة برئاسة وزيري الخارجية في البلدين بهدف التشاور المستمر وتعزيز التعاون والتنسيق في كافة المجالات.

دولة الإمارات العربية المتحدة هي الأخرى انتهزت فرصة القرارات الاقتصادية المصرية لتعزز من وجودها في الاقتصاد المصري؛ فأعلن الصندوق السيادي الإماراتي عزمه ضخ مبلغ ملياري دولار في الاقتصاد المصري من خلال شراء حصص مملوكة للدولة في بعض الشركات، وتتضمن تلك الاستثمارات شراء حوالي 18% من البنك التجاري الدولي، وشراء حصص في شركة فوري للخدمات المصرفية وتكنولوجيا الدفع، وشركة أبو قير للأسمدة، وبعض الشركات الأخرى.

بالنظر إلى تلك الاستثمارات فإن الجزء الأكبر منها يتمثل في استثمارات مباشرة حقيقية في هيكل الاقتصاد المصري وليس ودائع دولارية يتم الاحتفاظ بها في البنك المركزي المصري دون أن يكون لها تأثير مباشر على الاقتصاد المصري؛ فعلى سبيل المثال فإن امتلاك الصندوق السيادي الإماراتي لبعض الحصص في الشركات المصرية يمنح بعض المساهمين القدامى القدرة على التخارج من تلك الشركات بعد تحقيق أرباح عليها، واستثمار تلك المبالغ في تأسيس شركات أخرى توظف عمالة في الاقتصاد المصري في نفس النشاط أو في نشاط آخر.

ومن ثم فقد أتاح ذلك الاستثمار فرصة توفير سيولة لبعض المساهمين الحاليين، ومن ثم خلق فرصة لديهم لاستكشاف فرص أخرى بالسوق، من خلال: شراء شركات قائمة ودعم قدرتها على النمو، أو شراء شركات صغيرة أو متوسطة والاستثمار فيها لتحويلها إلى شركات كبيرة ومن ثم بيعها أو نقلها إلى مستثمر آخر، أو تأسيس شركة جديدة من الصفر.

فعلى سبيل المثال، إحدى الشركات التي يعتزم الصندوق الاستثمار بها هي شركة فوري التي تم تأسيسها في عام 2007 بالشراكة بين البنوك الوطنية وبعض المستثمرين الآخرين، واستطاعت الشركة أن تنمو بحجم عملياتها حتى وصلت إلى الحجم الذي يسمح بطرحها بسوق الأوراق المالية في عام 2019، من خلال بيع بعض حصص المساهمين وطرحها للاكتتاب العام أو/ وزيادة رأس المال، ومن ثم فإن تلك الاستثمارات تساعد على تجديد دورة النمو الطبيعية للشركة.

ولتبسيط الأمر، فإن كل مستثمر بشركة يكون له هدف استثماري بتحقيقه ينتفي الغرض من الاستثمار، ومن ثم يبحث عن بيع حصته في الشركة إلى مستثمر جديد لديه خطة جديدة للنمو بحجم أعمال الشركة، ولذا يُنظر إلى تلك الاستثمارات الجديدة أنها دماء جديدة تصب في عروق الشركة وتساعدها على التطور والنمو.

تلك الاستثمارات وغيرها من الاستثمارات الأخرى تبرهن على ثقة المستثمرين بالاقتصاد المصري، وتلفت نظر المستثمرين الآخرين إلى جاذبية الوضع الاقتصادي في مصر، حيث أصبح سعر العملة الحالي (أكبر من 18 جنيهًا لكل دولار) سعرًا مغريًا لتحويل الدولار إلى جنيه مصري والاستثمار في مصر، خاصة وأن تسعير الشركات المصرية مغرٍ للغاية.

ولتلك الاستثمارات أيضًا فوائد أخرى تتمثل في توسيع نطاق عمل الشركة؛ إذ إن الملاك الجدد سيحصلون بالتبعية على تمثيل في مجلس إدارة الشركات، ومن ثم الاشتراك في وضع الخطط الاستراتيجية للشركة، وهو ما يسمح بدخول فكر جديد للشركة وربما توسيع نطاق أعمال الشركات المصرية وتحويلها من المحلية إلى العالمية.

وهنا لا يجب أن نقلق من أن يصبح لتلك الاستثمارات تدخل في إدارة الشركات، فالمصلحة واحدة؛ المستثمرين يرغبون في تعظيم قيمة شركتهم بغرض تحقيق أرباح من خلال فتح آفاق عمل أخرى وتقديم منتجات جديدة أو إبرام اتفاقيات تعاون جديدة. وتلك الشركات ما زالت تعمل في مصر وتقدم خدماتها للمصريين وتدفع الضرائب للحكومة المصرية، ولا يحصل المستثمر إلا على جزء من الأرباح عند الإعلان عن توزيعات أرباح من جانب الشركة، ووفقًا للمتطلبات القانونية التي يقرها القانون المصري.

أما عن معدل الفائدة المرتفع، فهو يوفر عائدًا جيدًا لتجار الفائدة الراغبين في تحويل دولاراتهم إلى جنيه مصري، والاستثمار في أدوات الدين المصرية، وتحقيق مكاسب عليها، ومن ثم يساعد الدولة على توفير موارد دولارية لتغطية العجز في الأجل القصير بما تتم تسميته الأموال الساخنة.

ونرى أن ذلك الوضع طبيعي خاصة في الآجال القصيرة؛ إذ إن الدولة المصرية تعول على توصل أطراف النزاع في الحرب في أوكرانيا إلى اتفاق هدنة في المدى القريب يسهم في دفع حركة السياحة المصرية وعودتها إلى معدلات ما قبل الحرب، وهو ما يعني توفير 13 مليار دولار أمريكي كل عام (وفقًا لبيانات العام الماضي)، هذا فضلًا عن احتمالية انخفاض أسعار النفط عالميا إلى أقل من 100 دولار مرة أخرى، ومن ثم تخفيف الضغط على ميزان المدفوعات، وانخفاض سعر القمح عالميًا إلى مستويات ما دون 300 دولار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى