مصر

“الاختيار 3” والعائدون.. لماذا من الضروري توثيق اللحظات الفارقة؟

يشهد موسم الدراما الرمضانية في العام الجاري، استكمالًا لسلسة من المسلسلات التليفزيونية التي تحمل إما طابعًا وثائقيًا للحظات تاريخية فاصلة من عمر الوطن مثل دراما “الاختيار” بأجزائها المختلفة، أو “هجمة مرتدة” الذي عُرض في رمضان 2021، و”العائدون” الذي يُعرض في رمضان الجاري. 

وعلى الرغم من الريادة العربية التي لطالما تمتعت بها الدراما المصرية إجمالًا، على مدار تاريخها الممتد، إلا أنه من اللافت للانتباه أن الأعوام الأخيرة قد شهدت كثافة في عرض هذا النوع تحديدًا من الأعمال الفنية. وهو ما يأخذنا إلى طرح عددًا من التساؤلات، عن ماهية مفهوم “القوى الناعمة” ومدى مشروعية استخدامه كأداة في يد الدولة من جهة، وعن السبب في هذا التكثيف من جهة أخرى؟ في محاولة لشرح السبب وراء استهجان الجماعات المتطرفة على هذه الأعمال.

استخدام القوى الناعمة: حق مشروع في يد الدول

تُعرف مادة العلوم السياسية كلمة “الدولة” باعتبارها شخص رئيسي من أشخاص القانون الدولي، وينبغي لأجل قيامها توافر عناصر مُحددة، وهي وجود شعب، وإقليم، وسلطة سياسية. ولكي تصبح “الدولة” شخص فاعل في النظام المحيط بها، سواء على النطاق الدولي أو الإقليمي أو حتى المحلي. يكون مُعلق على “الدولة”، مجموعة مختلفة من المسؤوليات والواجبات التي ترتبط جميعها بأهداف لأجل تحقيقها لابد أن تسلك الدولة طريقًا من اثنين، إما القوة الصلبة أو القوة الناعمة.  

ويُفرق، “جوزيف ناي”، أستاذ العلوم السياسية الأمريكية وصاحب الدور الريادي في وضع مفهوم “القوة الناعمة”، بين نوعين القوة كالتالي؛ حيث يقول إن القوة الصلبة هي القدرة على جعل الآخرين يتصرفون بطرق تتعارض مع تفضيلاتهم واستراتيجيتهم الأولية، من خلال استخدام التهديدات والإغراءات والإكراه. على العكس، فإن القوة الناعمة هي القدرة على جعل الآخرين يريدون النتائج نفسها لكن باستخدام الإغواء. بمعنى آخر، يقول “ناي”، إن القوة الناعمة هي وسيلة للنجاح في السياسات العالمية لأولئك اللذين يعرفون كيفية الاستفادة منها. 

ويشير “ناي”، في الوقت نفسه، إلى أن الولايات المتحدة والغرب لطالما كانوا سباقين في استخدام هذا النوع من القوة. ويُدلل على وجهات نظره بالإشارة إلى مقولة شهيرة منسوبة لـ “روبرت ماكنمارا” الذي شغل منصب ثامن وزير دفاع أمريكي في الفترة ما بين 1961-1986، والذي قال “إن لم نتمكن من إقناع الدول بقيم مماثلة لمزايا قضيتنا، فمن الأفضل أن نُعيد فحص أسبابنا“. من الجدير بالذكر هنا أن “ماكنمارا” قد لعب دورًا مشهودًا في تصعيد الولايات المتحدة الشهير ضد فييتنام. 

لذا وفي ضوء ما سبق، نجد أن المواقف الدولية المشهود فيها لدول ونظُم سياسية باستخدام مفهوم القوة الناعمة، بشكل رئيس كأداة لتحقيق أهداف بعينها، تُعد كثيرة ومتباينة إلى درجة يضيق معها الحديث عن ذكرها هنا. لكن جميعها تشير إلى أن “القوة الناعمة” هي أداة في يد كل الدول، ليس فقط تلك التي تمتلكها فحسب، بل أيضًا التي تملك القدرة والوعي على حسن استخدامها وتوجيهها. كما أن “القوة الناعمة” هي الأوفر حظًا، كذلك، من حيث التأثير، إذ أن تأثيرها واستخدامها لا تحتاج من الدولة تكبد ذات التكاليف –البشرية والمادية- التي يتحتم تكلفها في القوة الصلبة. 

تكثيف الدراما الوثائقية في مصر: السر في التوقيت

عاشت مصر فترة تاريخية حرجة بدأت تحديدًا منذ عام 2011، واستمرت على مدار سنوات متتالية بعد ذلك، شهدت فيها البلاد اضطرابات عديدة. وصولًا إلى الجرعة المريرة من التجربة الكاشفة التي تجرعتها مصر، عندما تولى الحكم، لأول ولآخر مرة في تاريخ البلاد في عام 2013، رئيس ينتمي إلى جماعة متطرفة ويتلقى أوامره من قيادات التنظيم الدولي بالخارج. وعند هذه النقطة، نجد أنه من الضروري طرح أسئلة هامة، من هُم المصريون الذين كانوا في عام 2013 غير مدركون لهوية وحقيقة جماعة الإخوان المسلمين؟ وكيف ولماذا نجحت الجماعة في التوسع واستقطاب الشباب؟ 

إن الجهل، والجهل وحده، لطالما كان هو العدو الأول والمذنب الكبير فيما أحرزته الجماعة الإرهابية من نجاحات في تلك الأوقات الحالكة. فقد كان هناك جيلًا كاملًا من المصريين، ولد وشَب، وهو لا يعرف شيء عن هذه الجماعة سوى أنهم حفنة من “المطاريد” من محبة النظام السياسي الحاكم، الذي ومن المثير للعجب، لم يكن يوجد شريحة واسعة من المصريين مدركين بشكل كامل للسر وراء غضب هذا النظام على هذه الجماعة. ترتب على ذلك، أن حقق التيار الإرهابي، الذي يعتمد على سمعة دينية في التوسع، نجاحًا واسعًا في حركة الانتشار والتجنيد السرية التي استمرت على مدار أعوام ما قبل احتجاجات 2011 والأعوام الوجيزة التالية لها كذلك. 

والحقيقة، أن ملف التجنيد لدى جماعة الإخوان وهو الملف الأكثر خطورة، لطالما كان ملفًا سريًا على مدار تلك السنوات. غير أنه من المتفق عليه، وفقًا لاعترافات قيادات سابقة ومنشقون عن الجماعة، أن الجماعة لطالما استهدفت الشباب بشكل رئيس، لاسيما طلاب المدارس والجامعات، وسعت لتجنيدهم وإقناعهم بالانضمام إليها وتبني أفكارها ومعتقداتها. ووفقًا لدراسة أعدها، ماهر فرغلي، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية وحركات الإسلام السياسي. ساردًا فيها السبل التي تستخدمها الجماعة لأجل تحقيق مُبتغاها، كالتالي؛ الاندماج في ممارسة الأنشطة في المساجد والمدارس الأهلية، وتحت مسمى مسابقات حفظ القرآن الكريم، والرحلات والمسابقات التي يتم تنظيمها كذلك بشكل ديني، ويجري فيها تكريم الطلاب المتفوقين والمتميزين. حيث يقول فرغلي أن الجماعة تتخذ من كل ما سبق ستارًا يُسهل عليها رصد واختيار العناصر المتميزة تعليميًا، حتى يبدأ بعدها أحد مشرفي الجماعة في التقرب إليهم وشرح مبادئ الأخونة تمهيدًا لإنضمامهم تحت حجة خدمة الدين وتعاليمه. 

ويشار كذلك إلى مشروعات ومبادرات إخوانية عدة، مورست بشكل أو بآخر على مدار السنوات الوجيزة التي سبقت احتجاجات 2011، مثل مشروع “لجنة المدارس” الذي أسسته الإخوان بغرض اختراق المنظومة التعليمية. وقد انحصر دور العاملين فيه على استخدام كافة الوسائل المتاحة لنشر الفكر الإخواني داخل المدارس، واستقطاب العناصر الجديدة. علاوة على ذلك، كان التجنيد داخل الجامعات يتم من خلال استقطاب الطلاب الجدد وحثهم على المشاركة في أنشطة الجماعة، مقابل تقديم التسهيلات والخدمات الطلابية لهم.

وليس ثمة شك في أن الجماعة أثناء تلك السنوات قد حققت، رُغم خضوع تحركات عناصرها لمتابعات أمنية مستمرة، نجاحات ملموسة على الأرض فيما يتعلق بأنشطة التجنيد. والسبب في ذلك، بالتأكيد لا يعود إلى أي شيء آخر سوى جهل شريحة ليست هينة من النشء والشباب المصريين بخطورة معتقدات الإخوان المتطرفة في حقيقتها والمتدينة في ظاهرها. ولأن الجهل يقود إلى الهلاك، فإنه من المؤكد أن الشخص الذي يعرف الحقيقة بالتأكيد سيظل بخير. وهنا نتوقف لنطرح سؤالًا، على من تقع مسؤولية توعية الشباب والناشئة بخطورة الجماعة؟ 

ردًا على ذلك، بالتأكيد ستكون الدولة في صورة أجهزتها الأمنية المختلفة، هي الطرف المنوط به محاربة التطرف. غير أن القوة الصلبة، بمعنى القوة الأمنية، تضطلع بمحاربة الإجرام الذي ينفذه المجرم بعد أن أصبح بالفعل مجرم. والقبضة الأمنية لا تستطيع أبدًا أن توجه ضربة وقائية تحمي شباب ونشء أبرياء باتوا بصدد التحول إلى إرهابيون.

نفهم من ذلك، أن القبضة الأمنية لا تسعى وراء الفكرة نفسها، لكنها تسعى وراء السلاح والمجرم. ولأن الإرهاب فكرة، فإنه من الضروري الاعتراف بأن الأفكار لا يمكن أن تواجه إلا بالأفكار. وعلى من يرغب في إنقاذ المزيد من –مغسولي الدماغ- أن يفكر في تغيير أدواته بغرض كشف اللثام عن حقيقة من يستخدمون الدين ستارًا لأعمالهم ويضللون الشباب أملًا في استخدامهم للوصول إلى رأٍس السلطة. 

وفي ضوء ما سبق، يُفسر ما تشهده حركة الإخوان المسلمين من تراجع في الداخل المصري بالوقت الراهن، كرد فعل، على التكثيف الدرامي للأعمال الفنية التي تعمد إلى نشر المعرفة بحقيقة الجماعة الإخوانية وأهدافها ومخططاتها ومساعيها، مما يقطع عليها الطريق في التوسع والتجنيد وإعادة الانتشار مرة أخرى. ونفهم كذلك، من كلمة “الجماعة تحتضر” أو بالأحرى “احتضرت بالفعل”، أنها لم تعد قادرة مثل الماضي على تجنيد واستقدام عناصر شبابية جديدة تستطيع من خلالهم أن تعيد الروح إلى جسد الجماعة المنهك المشلول الذي لا تزال رؤوسه موجودة خلف القضبان. 

ونخلص من كل ذلك، إلى أنه من المؤكد أن الدراما الفنية الوثائقية باعتبارها أحد أشكال القوى الناعمة تعد أداة مشروعة من الممكن استخدامها لمحاربة الفكر المسموم الذي سبق وأن أودى بحياة الآلاف وتسبب في مآسي دموية دفعت ثمنها عائلات مصرية برمتها، منهم من مات له ابنًا، ومنهم من مات له زوجًا أو أخًا أو أختًا من الأبرياء. لذلك نرى أن الاتجاه نحو تكثيف هذا النوع من الأعمال الفنية بات يمثل ضرورة مُلحة في ظل توقيت بات فيه من الضروري أن تتكاتف كل أطراف المجتمع لإنقاذ من يوشك الجهل على إغراقه. 

داليا يسري

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى