مصر

الاختيار 3 .. محاكاة وثائقية استثنائية

إذا كان أول عرض سينمائي في التاريخ قد خرج للنور في ديسمبر 1895 بالعاصمة الفرنسية باريس، فإن الإسكندرية المصرية قد شهدت العرض الثاني في يناير 1896، لتصبح مصر هي ثاني دولة في التاريخ ترى السينما بعد فرنسا.

ومع تطور فنون السينما، بدأت الدول الكبرى في توظيف صناعة الدراما في عملية التنوير وتهذيب الوعي الجمعي وتنقيته من شوائب المؤامرات والخطاب المعادي، خاصة أن الحرب العالمية الأولى قد شهدت تكثيفًا غير مسبوق في استخدام أساليب الصحافة والدعاية والعلاقات العامة والتسويق في هذا المضمار.

ومع بدء الحرب العالمية الثانية، وتمدد الطغيان النازي في القارة الأوروبية، بدأت الحكومات الغربية في إنتاج أعمال تحت بند دراما الوعي والتنوير من أجل شرح الأحداث السياسية الراهنة والجارية – وقتذاك للجمهور – بالإضافة إلى سرد بعضًا من الأحداث التاريخية المرتبطة بالموقف السياسي.

تاريخ دراما الوعي.. سينما التنوير ليست ابتكارًا مصريًا

هكذا انتجت الولايات المتحدة الأمريكية عام 1940 فيلم “الديكتاتور العظيم”The Great Dictator، من بطولة وإخراج وكتابة الأسطورة الإنجليزية تشارلي شابلن، وقد شارك شابلن في إنتاج الفيلم أيضًا لإيمانه بخطورة الإرهاب النازي على بريطانيا، وقد ظفر الفيلم بخمسة ترشيحات لجوائز الأوسكار منهم ثلاثة لشابلن، أفضل إنتاج وأفضل سيناريو وأفضل ممثل.

وسارع أسطورة الرسوم المتحركة والت ديزني بإنتاج فيلم “دونالد داك في ارض النازيين” Donald Duck in Nutziland عام 1942 وتم بثه بداية من يناير 1943، وما ميز هذا الفيلم أنه كان ضمن خطة ترويجية نظمتها وزارة الدفاع الأمريكية لبيع سندات الحرب نظرًا لضعف الميزانية الأمريكية وحاجة الجيش الأمريكي لتبرعات الشعب من أجل المجهود الحربي.

الفيلم فاز بجائزة أوسكار لأفضل فيلم رسوم متحركة عام 1942، ويتم تكريمه على الدوام باعتباره من أفضل الأفلام التي خدمت الجيش الأمريكي في حشد التبرعات للمجهود الحربي أثناء الحرب العالمية الثانية.

وبينما عمالقة بثقل والت ديزني وتشارلي شابلن يتسابقون لإنتاج دراما الوعي، كان عمالقة الأدب الأمريكي المصور يقدمون عبر الروايات المصورة حشدًا للوعي وشرحًا للإيديولوجيا الألمانية النازية الإرهابية، وهكذا واجهه كابتن أمريكا وسوبرمان كلًا على حده الجيوش النازية بل وأدولف هتلر شخصيًا من أجل تقديم وجبة أدبية ممتعة للقارئ.

وعلى ضوء ما صنعته ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي من بناء لدراما الوعي والتنوير في ثلاثينات القرن العشرين، أصبح هذا النمط الإبداعي، سواء في عالم السينما أو التلفزيون أو الأدب، هو نمط معترف به، له احترامه وتقديره في كافة ارجاء العالم، وبدأت الدول التي تمتلك تجارب سينمائية كبري مثل مصر والهند والصين واليابان تقدم النمط الإبداعي التنويري ذاته، مثلما جرى في مصر حينما قررت الدولة المصرية في بادئ العهد الجمهوري سرد حقائق العدوان الثلاثي على الشعب عبر فيلم بورسعيد (1957) من تأليف وإخراج عز الدين ذو الفقار (1919 – 1963)، وقد روى منتج وبطل الفيلم الفنان فريد شوقي (1920 – 1998) عن تفاصيل لقائه مع الرئيس جمال عبد الناصر ووزير الحربية عبد الحكيم عامر ورئيس مجلس الأمة محمد أنور السادات وتكليفه بإنتاج هذا الفيلم وحصوله على الدعم اللازم لطرح كافة اسرار تلك الحقبة على الشاشة.

ويتضح مما سبق أن دراما التنوير أو الأعمال الوطنية والحربية التي تخوض حروب الوعي ليست ابتكار مصري، بل هي من أهم أسباب ابتكار فن السينما واهتمام الدول الكبرى شرقًا وغربًا بهذا النمط الإبداعي، وقد دأبت الدول التي تحترم الفن على تقديم حقائق السياسة والتاريخ عبر الأعمال الأدبية (رواية، القصة، الرسوم) والدرامية (تلفزيون، سينما، أذاعه).

ولعل سبب لجوء الدول للدراما والأدب في حروب الوعي، هو قاعدة إعلامية مهمة يتم تدريسها في كافة كليات الإعلام حول العالم، أنه حينما تريد توجيه رسالة إلى القاعدة الجماهيرية، عليك بالبحث عن أكثر وسيلة اتصال قادرة على إيصال رسالتك، سواء كانت إعلامية أو تنويرية أو حتى سياسية، وعلى ضوء حقيقة أن التلفزيون اليوم أصبح قناة الاتصال الأولى وقناة الإعلام الأولى متفوقًا على السينما والحركة الأدبية بكل مفرداتها، فإن اختيار المسلسل التلفزيوني من أجل تقديم دراما الوعي أصبح هو الاختيار الأمثل لحروب الوعي.

دراما الوعي وحروب ما بعد الحداثة

تطورت أنماط الحرب في زمن الحرب الباردة وتخوف الدول الكبرى من الحرب النووية، وأصبحت حروب ما بعد الحداثة أو الحروب الحداثية اليوم هي حروب الوعي والإعلام، والحروب الثقافية والصحفية والدعائية، إضافة إلى ساحات البورصة والاقتصاد وتحريك المرتزقة والإرهاب والفوضى الخلاقة.

وفى هذا المضمار تصبح المعركة الإعلامية والثقافية وحروب الوعي هي الضربة الأولى في الحرب، هي المدفعية التي تمهد لانهيار الدول وإبادة الأمم والمجتمعات المستهدفة، فلا يمكن لأمة جردت من درعها المعنوي أن تحارب مهما امتلكت من أسلحة، وهذا ما حدث بالضبط مع دولة نووية عظمى بثقل الاتحاد السوفيتي السابق.

ولقد سارعت الدولة المصرية عقب ثورة 30 يونيو 2013 في العديد من الأنشطة والإجراءات بهدف رفع الحالة المعنوية للشعب المصري، وصيانة الروح المعنوية والفخر الوطني للأمة المصرية، إضافة إلى رفع مستوي الوعي الجمعي وتنقيته من السرديات التاريخية المزيفة التي تخدم خطاب المؤامرة على مصر.

وتأتي الدراما الوطنية أو دراما الوعي وعلى رأسها مسلسل الاختيار الذي تحول إلى ثلاثية تلفزيونية باعتبارها أهم خطوة في الحرب المعنوية ومعارك الوعي والتنوير، وقد ذهب صناع المسلسل إلى نمط “المحاكاة الوثائقية” بدلًا من الترميز، وذلك من أجل تقديم الحقيقة التاريخية كاملة وترك الحكم للجمهور.

وكانت الدولة المصرية صريحة في عدم إنتاج قصص خيالية كما جرى في دراما الوعي الأمريكية التي وظفت كابتن أمريكا وسوبرمان وباتمان ودونالد داك وتشارلي شابلن في هذه الحرب الحداثية، ولكن الدولة المصرية لجأت إلى مبدأ هام هو حق الشعب في المعرفة والإعلام والإخبار، وأن سرد الحقيقة دون فواصل دعائية أو إبداء الرأي هو أقصر الطرق للصدق وإقناع رجل الشارع بما غابه من تفاصيل تاريخية وسياسية.

إن إنتاج ثلاثية الاختيار (2020، 2021، 2022)، ومسلسل هجمة مرتدة (2021) يظهر مدى حرص الدولة المصرية على أن الحقيقة ملك للشعب، ومدى احترام مؤسسات الدولة المصرية لحرية تداول المعلومات وإخبار الشعب حتى بأدق التفاصيل ولكن في الموعد الذي لا يتعارض مع الأمن القومي، حيث يتم تقديم الحقيقة دون زيف أو رتوش أو تجميل.

وعلى العكس من ذلك، فإن التنظيمات الإرهابية والتيارات التي ادعت أنها تمارس المعارضة السياسية يومًا ما، قد ادمنت تغييب جمهورها بسرد وقائع مزيفة وكاذبة، وادعاء المظلومية، وإدمان سرديات تاريخية مزيفة وموازية، على أمل أن تصبح هي التاريخ الحقيقي، وللمفارقة فإن من يحاول دائمًا الاستثمار في جهل الناس بالحقائق، وسرد الأكاذيب التاريخية، هو الذي يدعي تمسكه بحرية الإعلام والصحافة وحقوق الإنسان في معرفة ما يجري!

وفى مسلسل “الاختيار – 3” على وجه التحديد، نرى “محاكاة وثائقية استثنائية” غير مسبوقة في تاريخ الفن سواء التلفزيون أو السينما، إذ من النادر أن تسمح الإدارة الحاكمة في أي دولة بالعالم ان يتم تجسيد “رأس السلطة” في عمل درامي، فهو خط أحمر أمام حرية الإبداع حول العالم أجمع، باستثناءات قليلة كانت أغلبها لصالح الدعاية السياسية وليس السرد التاريخي كما يجري في “الاختيار – 3”.

وإذا كانت الإدارة المصرية قد اختارت العمل التلفزيوني باعتباره الوعاء الدرامي الأكثر قدرة على الوصول للناس، فإن صناع مسلسل “الاختيار – 3” قد نجحوا في استغلال الإمكانيات المتوفرة من أجل صناعة عمل درامي ناجح بغض النظر عن موضوعه وهنا تكمن خطورة دراما الوعي، إذ يجب أن يكون العمل الدرامي قادرًا على جذب المشاهد، ويتوفر في آلياته عوامل النجاح الفني قبل أن ينظر إليه باعتباره عمل موجه أو وطني أو حربي أو تاريخي.

ومن هنا تأتي أهمية وجود أهم ممثلي الجيل المسيطر على الحركة الفنية المصرية اليوم، كريم عبد العزيز وأحمد السقا وأحمد عز، بالإضافة إلى ملوك التشخيص خالد الصاوي وصبري فواز، والجيل الذي وصل إلى العالمية ممثلًا في الفنان أمير المصري الحائز على جائزة البافتا الأسكتلندية BAFTA Scotland عام 2021 (النظير الأسكتلندي لجائزة الأوسكار الأمريكية).

ولكن المفاجأة الأكبر كانت في الفنان ياسر جلال، الذى حجز مقعدًا له في صفوف عظماء السينما المصرية بجانب الفنان الراحل أحمد زكي الذى جسد الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس محمد أنور السادات، ولكن التحدي الحقيقي الذى واجهه ياسر جلال هو أنه يجسد الرئيس الحالي للدولة المصرية، بكل حضوره القوي في الحياة اليومية للمواطن المصري، من تصريحات وصور ومواقف وطنية وإنسانية، ولقطات صوتية ومرئية تذاع على مدار الساعة ويسهل الوصول إليها عبر منصات رقمية مثل يوتيوب وتيك توك وفيس بوك، ما يجعل الوعي الجمعي للمصريين متشرب لتفاصيل الرئيس عبد الفتاح السيسي، سواء الأداء الحركي أو الحس الصوتي ونظرات الأعين وطريقة الحديث.

ومع هذا الأداء الاستثنائي للفنان لياسر جلال، وكافة فريق العمل، يتضح لنا أن الدولة المصرية التي اتهمت مرارًا بتهميش الفن، هي أكثر طرف حريص على القوة الناعمة المصرية، لأنه لا يوجد طرف ثان أو منتج آخر حرص على إخراج المواهب الكامنة لدي الفنان المصري كما فعلت الإدارة المصرية في سنوات ما بعد ثورة يونيو 2013 ولنا في الموسم الناجح لمسلسلات رمضان العام المنصرم إضافة إلى البداية المبشرة لمسلسلات العام الجاري خير دليل ان شركة “المتحدة” هي الحارس الأمين للقوة الناعمة وأن الدولة المصرية لديها حرص حقيقي على تحرير الفن المصري من محاولات مصادرته لصالح خطاب المؤامرة أو أن يلعب دور وظيفي هامشي في مشاريع إقليمية مضادة للدولة المصرية.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى