آسيا

أزمة محتدمة: ما الذي ينتظر باكستان بعد حل البرلمان والإطاحة بالحكومة؟

تشهد باكستان منذ نحو أسبوعين أزمة سياسية تحتد وتيرتها يومًا بعد يوم، وذلك عقب توحد أحزاب المعارضة الباكستانية وتقديمها مقترحًا للبرلمان يُطالب بحجب الثقة عن رئيس الوزراء “عمران خان”، وفي المقابل اتهم “خان” زعماء المعارضة في البلاد بتقاضي رشاوي من الاستخبارات الأمريكية بهدف الإطاحة به من رئاسة الحكومة، وفي نهاية المطاف تمكن رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، من البقاء في منصبه عقب إلغاء جلسة التصويت على سحب الثقة منه، وهي تطورات تعكس وجود أزمة سياسية كبيرة تشهدها باكستان، قد تدفع باتجاه سيادة حالة من عدم الاستقرار في الآونة المقبلة، فضلًا عن أنها قد تنعكس على علاقات إسلام آباد الخارجية، في ضوء حضور البعد الخارجي بقوة في هذه الأزمة.

رفض مذكرة حجب الثقة عن عمران خان

رفض البرلمان الباكستاني في جلسته التي عُقدت في 3 أبريل، مذكرة حجب الثقة التي تقدمت بها أحزاب المعارضة، لسحب الثقة من رئيس الوزراء “عمران خان”، حيث قال نائب رئيس البرلمان أسد قيصر إن “سحب الثقة من رئيس الوزراء عمران خان غير دستوري”، بينما طلب عمران خان من الرئيس الباكستاني، حلّ البرلمان، ودعا لإجراء انتخابات مبكرة. ومن جانبه وافق رئيس باكستان عارف علوي، على طلب رئيس الوزراء عمران خان، بحل المجلس الوطني الباكستاني “البرلمان” تمهيدًا لإجراء انتخابات مبكرة، فيما  أعلن عمران خان، حل الحكومة.

جدير بالذكر أن هذه هي المرة الثانية التي يتعرض فيها عمران خان لمحاولة عزل من منصبه، حيث تعرض “خان” في أول عامين من عهده لمحاولة عزل، لكن في المرة الأولى فشلت المعارضة في تأمين الأصوات اللازمة لحجب الثقة، والملاحظ في تحرك المعارضة في هذه المرة أنها سعت إلى استقطاب بعض عناصر حزب الإنصاف الحاكم، وبالفعل نجحت المعارضة في استقطاب 20 عضوًا من الحزب الحاكم في إقليم السند، وهم العناصر الذين قال الحزب الحاكم عنهم إنهم “تلقوا أموال ورشاوي طائلة”، وهي معطيات جعلت تحرك المعارضة الباكستانية في هذه المرة، أكثر قوة وفاعلية من المرة الأولى، ولكن يبدو أن “خان” حاول من خلال التحرك لحل البرلمان، الرد على تحركات المعارضة، وأعضاء حركة الإنصاف الذين تخلوا عنه.

حضور العامل الخارجي في الأزمة

جاء قرار إلغاء جلسة التصويت على حجب الثقة عن رئيس الوزراء الباكستاني، استنادًا إلى  المادة ٥/أ من الدستور الباكستاني، فقد تم رفض مشروع التصويت على سحب الثقة من رئيس الوزراء عمران خان باعتبار وجود تدخل خارجي ودعم خارجي، وهو ما يتنافى مع مبدأ أن “المواطن الباكستاني ولاؤه لباكستان”، وكان “خان” قد اتهم الولايات المتحدة بأنها تتدخل بشكل سافر في الشأن الداخلي الباكستاني، مشيرًا إلى أن محاولة عزله هي محاولة لتغيير النظام في باكستان بدعم أمريكي، لكن البيت الأبيض وعلى لسان مديرة الاتصالات في الرئاسة الأمريكية، كيت بيدينجفيلد، نفى هذه المزاعم.

وفي سياق متصل تشير تقارير إلى أن “عمران خان” تلقى تقريرًا من سفير باكستان في واشنطن سجل لقاء مع موظف أمريكي رفيع المستوى قال له إن علاقات البلدين ستكون أفضل في حال مغادرة رئيس الوزراء منصبه. ونفت واشنطن أن تكون قالت ذلك، وتتعزز فرضية سعي الولايات المتحدة إلى عزل “خان” في ضوء رفض رئيس الوزراء الباكستاني الاصطفاف مع واشنطن لمواجهة روسيا والصين، حتى أن البلدين أعلنا أن باكستان سوف تشهد انقلابًا، وأكدا على أنهما سيدعمان حكومة “عمران خان” ضد أي تدخل أمريكي.

تداعيات إلغاء التصويت على عزل “عمران خان”

سوف يحمل قرار إلغاء التصويت على عزل رئيس الوزراء الباكستاني، وما تبعه من قرارات على مستوى حل البرلمان، وإقالة الحكومة، العديد من التداعيات على المشهد الباكستاني، وهو ما يمكن إجماله على النحو التالي: 

1- أعلنت المعارضة الباكستانية عن رفضها لقرار البرلمان الباكستاني، واعتبرته “قرار غير دستوري”، ولجأ حزب الشعب الجمهوري – أحد الأحزاب الثمانية في تحالف الديمقراطية الباكستانية المعارض – إلى المحكمة العليا في باكستان للطعن ضد القرار، مُطالبًا  إياها بسرعة إصدار أمر مؤقت لوقف قرار حل الجمعية الوطنية، وهو مؤشر يعكس توجه المعارضة الباكستانية نحو “التصعيد” على المستوى القضائي، وكذلك سياسيًا وجماهيريًا، ويبدو أن السلطات الباكستانية أدركت أن البلاد تتجه نحو هذا السيناريو، ولذلك اتخذت إجراءات أمنية مشددة في العاصمة إسلام آباد، خصوصًا في المنطقة الحمراء التي تضم مباني حكومية وعسكرية ومقر إقامة رئيسي الدولة والوزراء.

2- تذهب بعض التقديرات إلى أن عدم قدرة المعارضة على عزل “عمران خان”، سوف يجعله أقوى من السابق، خصوصًا مع حل البرلمان، وسوف يحاول “خان” استغلال ورقة الدعم الخارجي والأجنبي، من أجل تهميش المعارضين وإقصاؤهم من المشهد السياسي الباكستاني، وسوف يعتمد “خان” في هذه المقاربة على مكتب المسائلة الوطني، لكن أحد المحددات الرئيسية الحاكمة لمدى قدرة “خان” على تبني أي توجهات تتعلق بالمعارضة، سيكون الحكم الذي ستصدره المحكمة العليا بالبلاد، بخصوص قرار حل البرلمان، خصوصًا مع السلطة القوية لهذه المحكمة.

3- تدفع خطوة حل البرلمان وإقالة الحكومة، باتجاه إجراء انتخابات مبكرة وتشكيل حكومة جديدة خلال ثلاثة أشهر، وهي فترة قد تشهد العديد من المتغيرات السياسية، خصوصًا مع سعي “عمران خان” المتوقع لتحجيم تحركات المعارضة الباكستانية، وسعي المعارضة في المقابل لحشد الجهود والتوحد من أجل الدفع باتجاه إزاحة الحزب الحاكم من السلطة.

4- ربما تكون هذه التطورات الأخيرة ليست في صالح “عمران خان” والحزب الباكستاني الحاكم، خصوصًا مع التوجه نحو إجراء انتخابات مبكرة، وذلك في ضوء التحركات الكبيرة التي ستتبناها المعارضة ضد “خان”، للدفع باتجاه عدم التصويت له والحزب الحاكم في الانتخابات المقبلة، وسوف توظف المعارضة في هذا الصدد الأزمات التي تعاني منها البلاد، خصوصًا الارتفاع الكبير في معدلات التضخم، وارتفاع أسعار الخدمات الأساسية والمواد الغذائية، وزيادة معدلات البطالة، وانخفاض قيمة الروبية الباكستانية.

5- أعلن الجيش الباكستاني أنه “ليس له علاقة بالأحداث السياسية الراهنة” بعد ساعات قليلة من حل الحكومة والبرلمان، وسوف يكون موقف الجيش من “عمران خان” والمعارضة محددًا رئيسيًا حاكمًا لمآلات المشهد في باكستان في المرحلة المقبلة، ويبدو أن بعض المؤشرات تدفع باتجاه سيناريو دعم الجيش الباكستاني للمعارضة، ومن هذه المؤشرات، وجود علاقة جيدة بين كل من حزب الشعب الباكستاني، حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية-جناح نواز شريف (أهم حزبين معارضين في باكستان) والمؤسسة العسكرية، فضلًا عن احتمالية وصول الجيش لقناعة مفادها عدم قدرة “عمران خان” على قيادة البلاد في المرحلة المقبلة، خصوصًا مع تفاقم الأزمات التي تعيشها البلاد.

لكن بطبيعة الحال يوجد عدد من التحديات التي تواجه هذا السيناريو، خصوصًا مع وجود بعض الخلافات بين حزب الرابطة الإسلامي والمؤسسة العسكرية، إذ يطالب الحزب بإلغاء الحكم الصادر بحق “نواز شريف” بعدم أهليته للترشح للانتخابات، وعدم تدخل الجيش في الانتخابات المقبلة، وعدم التدخل في السياسة الخارجية للدولة، لكن قد يتم تجاوز هذه الخلافات ويحدث التحالف بين الجيش و”شهباز شريف” شقيق “نواز شريف”، والذي تربطه علاقات طيبة بالمؤسسة العسكرية.

ختامًا يمكن القول، أن الأوضاع في باكستان تتجه نحو “عدم الاستقرار”، وأيًا كان شكل التحالفات التي ستتشكل في المرحلة المقبلة، إلا أن كافة المعطيات تعكس تراجع فرص حزب الإنصاف الحاكم، خصوصًا في ضوء الأزمات الداخلية الكبيرة التي تعيشها البلاد، وتأزم العلاقات الخارجية لباكستان، فضلًا عن عدم ثقة المؤسسة العسكرية في قدرة الحزب الحاكم على معالجة هذه الأزمات والتعاطي معها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى