الأزمة الأوكرانية

ما بين التشكيك والنفي.. مجزرة “بوتشا” تتصدر مشهد الصراع الروسي-الأوكراني

أمر كبير المحققين الروس بفتح تحقيق رسمي في الاتهامات الأوكرانية الموجهة إلى القوات الروسية بقتل مئات المدنيين في مدينة بوتشا بالقرب من العاصمة الأوكرانية كييف، وقالت لجنة التحقيق الروسية في بيان لها اليوم إنها تدرس الادعاءات الأوكرانية، وكذلك الصور ومقاطع الفيديو التي تم نشرها من جانب أوكرانيا، حيث ترفض روسيا الادعاء بأن قواتها قتلت مدنيين في بوتشا، ووصفت مزاعم أوكرانيا بأنها “استفزاز”.

العثور على 410 جثة في بوتشا

اتهمت أوكرانيا الجيش الروسي بارتكاب مذبحة جماعية في مدينة بوتشا، والتي تبعد بحوالي 37 كيلومترا شمال غرب العاصمة كييف، حيث عثرت السلطات الأوكرانية على 410 جثث في مدينة بوتشا، وكانت الجثث مقيدة اليدين، وبها آثار طلقات نارية وكذلك علامات تعذيب. وصرح “تاراس شابرافسكي”، نائب عمدة مدينة بوتشا، أن هناك حوالي 50 جثة من التي تم العثور عليها كانت ضحايا عمليات قتل خارج نطاق القانون نفذتها القوات الروسية.

وتم اكتشاف تلك الإبادات بعد الانسحاب الروسي من المنطقة المحيطة بالعاصمة كييف، وهي المنطقة التي شهدت قتالًا شرسًا منذ بدء العملية العسكرية في 24 فبراير. وظلت القوات الروسية موجودة في مدينة بوتشا حتى 30 مارس، لكن مع مغادرة آخر جندي روسي، بدأت أوكرانيا بالتنديد بوجود ما يقرب من 410 جثث تم قتلهم بشكل وحشي دون أي سبب.

على ذات السياق، صرح الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” في مقطع فيديو، بأن أوكرانيا ستجري تحقيقًا في جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي ارتكبتها القوات الروسية بحق المدنيين، بالإضافة إلى استفزاز الشعب الروسي وتوجيه الحديث بشكل مباشر إلى أمهات الجنود الروس، كورقة ضغط، وأضاف إنه جارٍ العمل على إنشاء آلية قضائية خاصة للتحقيق في عمليات القتل بمشاركة مدعين عامين وقضاة دوليين، بالإضافة إلى طلب فرض عقوبات جديدة على روسيا.

على الجانب الآخر، نفت روسيا مزاعم قتل أي جنود مدنيين في مدينة بوتشا، وأن ما تم نشره سواء من صور أو مقاطع فيديو تمثل استفزازًا إعلاميًا للغرب والولايات المتحدة الأمريكية، وقد بادرت بالدعوة إلى عقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي للتحقيق في هذه القضية. وعلى هذا الأساس وجه السفير الروسي لدى واشنطن “أناتولي أنطونوف” علم الولايات المتحدة الامريكية بأن القوات الأوكرانية قد قامت بقصف مدينة بوتشا بعد انسحاب الجيش الروسي منها. وأشارت وزارة الدفاع الروسية إلى أن جميع الوحدات العسكرية الروسية غادرت مدينة بوتشا في 30 مارس، ولم يتعرض أي مواطن محلي لأية أعمال عنف.

الغرب يتهم روسيا بجرائم الإبادة الجماعية

وتعقيبًا على الوضع في مدينة بوتشا وتبادل الاتهامات بين الجانبين الروسي والأوكراني، صرح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بأن هجوم روسيا على المدنيين الأوكرانيين في بلدات ضواحي كييف دليل آخر على أن الرئيس الروسي بوتين وجيشه يرتكبون جرائم حرب في أوكرانيا، ووصف الهجمات التي وقعت في بلدة بوتشا بأنها “حقيرة”، مؤكدًا أنه سيبذل قصارى جهده لتجويع آلة بوتين الحربية، وأن بريطانيا ستكثف عقوباتها ودعمها العسكري لأوكرانيا.

لم يقف الأمر عند تعقيب رئيس الوزراء البريطاني، بل بدأت الإدانة من أغلبية الزعماء الأوروبيين، منهم إيطاليا واليونان وبولندا ردًا على صور الجثث التي قامت أوكرانيا بنشرها، وتوجيه الغضب والاتهامات لروسيا بأنها تقوم بعمل جرائم حرب وإبادة جماعية للمدنيين في أوكرانيا. وبالنسبة لموقف ألمانيا نجد أن المستشار الألماني أولاف شولتس صرح بأنه يجب السماح للمنظمات الدولية بالوصول إلى المناطق لتوثيق الفظائع بشكل مستقل. وكذلك قال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إن بلاده ستعمل مع السلطات الأوكرانية والمحكمة الجنائية الدولية لضمان ألا تمر الأعمال التي تقوم بها روسيا دون عقاب.

وانضم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، منددًا بما حدث في مدينة بوتشا، مشيرًا إلى أن مئات المديين قُتلوا في الشوارع بطريقة جبانة، قائلًا: “تعاطفي مع الضحايا، تضامني مع الأوكرانيين، على السلطات الروسية أن تحاسب على هذه الجرائم”.

وبالنسبة لحلف الناتو، فقد قال الأمين العام لحلف الناتو، إن الصور ومقاطع الفيديو الواردة من مدينة بوتشا بأوكرانيا تظهر وحشية التعامل مع المدينين والتي لم يرها الأوروبيون منذ عقود، وأنه من غير المقبول استهداف وقتل المدنيين، وأن مسؤولية وقف الحرب تقع على عاتق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأنه لابد من أن تفتح المحكمة الجنائية الدولية تحقيقًا في جرائم الحرب ومحاسبة المسؤولين.

وكذلك انضم الأمين العام للأمم المتحدة إلى فريق الإدانات بشأن صور القتلى في بوتشا، قائلًا إنه أصيب بصدمة شديدة، ودعا إلى إجراء تحقيق مستقل، قائلًا: “من الضروري أن يؤدي تحقيق مستقل إلى مساءلة فعالة”.

وقد حدد مجلس الأمن الدولي أنه سيناقش قضية بوتشا غدًا، على الرغم من مطالبة روسيا بأن يعقد المجلس جلسته اليوم. وطالبت وزيرة الدفاع الألمانية الاتحاد الأوروبي بأن يناقش حظر استيراد الغاز الروسي، وهو ما أكد عليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مشددًا على أن هناك أدلة واضحة تشير إلى جرائم حرب من قبل القوات الروسية، وأنه يجب فرض عقوبات جديدة، ويجب أن تشمل النفط والفحم.

تبادل الاتهامات

بناء على ما تقدم، وبالنظر إلى تبادل الاتهامات بين الطرفين، والتنديد الغربي الكبير، فقد تصدرت هذه الأزمة مشهد الصراع الروسي الأوكراني خلال الساعات الأخيرة، فالجانب الأوكراني يتهم روسيا بارتكاب جرائم قتل مدينين في مدينة بوتشا، مع العلم أن روسيا قد خرجت من تلك المدينة يوم 30 مارس، ومن الوارد جدًا أن يتم اكتشاف تلك الإبادة بعد مرور أربعة أيام من خروج روسيا. أما الجانب الروسي، والذي ينفى ارتكابه هذه الجرائم، فيتهم السلطات الاوكرانية بارتكاب تلك المذبحة مع علم الولايات المتحدة الأمريكية. 

ومن الوارد جدًا طبقا للمشهد الحالي أن تتخذ الدول الغربية قرارًا بفرض عقوبات جديدة على روسيا تتعلق بالنفط والفحم، بالإضافة إلى دور المحكمة الجنائية الدولية التي تطالبها كييف بأن تقوم بعمل معاينة ميدانية لمدينة بوتشا. وتبرز هذه الحادثة سعي كل طرف من أطراف النزاع إلى تشويه الطرف الآخر لكسب الرأي العام العالمي، وكذلك تبرير أي خطوات تصعيدية مستقبلية سواءً سياسيًا أو عسكريًا أو اقتصاديًا، مع العلم أن هذه القضايا التي على شاكلة بمجزرة بوتشا قد تأخذ شهورًا وربما سنوات حتى يتم الفصل فيها، وبصفة خاصة حتى يتم التفريق بين هل تم قتل المدنيين أثناء المواجهة أو بسبب القصف أو تم قتلهم عمدًا دون وجود أي مواجهات، وهذا ليس من اليسير إثباته.

منى لطفي

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى