أفريقيا

الحضور الصيني في الصومال.. الدوافع والمآلات

تحاول الصين زيادة نفوذها في منطقة القرن الأفريقي باستخدام أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية؛ في محاولة منها لملء الفراغ الذي نشأ بفعل تضاؤل النفوذ الأمريكي في المنطقة. فهناك اهتمام صيني بمنطقة القرن الأفريقي، وقد برهنت على ذلك من خلال تعيين مبعوث خاص مطلع عام 2022 لتعزيز الاستقرار الدائم والسلام والازدهار في القرن الأفريقي، وهو ما يُشكل فرصة سانحة للصين لتوطيد علاقاتها بدول المنطقة، وبلا شك سينعكس ذلك على زيادة الاستثمارات الصينية في المنطقة. 

وتحاول هذه الورقة تناول الحضور الصيني في واحدة من أهم دول منطقة القرن الأفريقي، وهي دولة الصومال، ويأتي ذلك في ضوء زيارة المبعوث الخاص لشؤون القرن الأفريقي بوزارة الخارجية الصينية شيويه بينغ إلى الصومال في السابع عشر من مارس 2022، وقيامه بعقد مُباحثات مع الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو ورئيس الوزراء محمد حسين روبلي. ولا يُمكننا أن نغفل الموقع الاستراتيجي المُتميز الذي يتمتع به الصومال، فهو يطل على ممرات مائية تلعب دورًا مهمًا في حركة التجارة العالمية، وهو ما يُحفز الصين لتعزيز علاقاتها بالصومال، وذلك لعدد من الاعتبارات. ويحاول التقرير معرفة أبعاد التقارب الصيني- الصومالي، وتناول دوافع هذا التقارب، واستشراف مستقبل الحضور الصيني في منطقة القرن الأفريقي.

أبعاد الاهتمام الصيني بالصومال

يبرز الاهتمام الصيني بالصومال من خلال عدَّة محاور تتمثل في أبعاد مختلفة، ويمكن استعراضها على النحو التالي:

– البُعد الدبلوماسي: نظرًا للموقع الجغرافي المُتميز الذي يتمتع به الصومال، اهتمت الصين بتعزيز العلاقات مع الصومال من خلال عقد لقاءات رفيعة مع المسؤولين الصوماليين، ويتضح ذلك من خلال زيارة المبعوث الصيني الخاص لشؤون القرن الأفريقي شيويه بينغ إلى العاصمة مقديشو في 17 مارس 2022، لبحث العلاقات الصومالية الصينية وسبل تعزيزها وتطويرها في كافة المجالات.

وكذا تمّت مُناقشات بين وزير الخارجية والتعاون الدولي الصومالي عبد السعيد موسى علي ونظيره الصيني وانغ يي في 23 مارس2022، لتعزيز العلاقات التاريخية والتعاون بين البلدين على كافة الأصعدة الأمنية والاقتصادية والتنموية. والتأكيد على أن العلاقة بين البلدين ترتكز على مبادئ احترام السيادة الإقليمية والسياسية وعدم التدخل في الشأن الداخلي. ونجد أن الصين تعمل على تعزيز حضورها من خلال آلية المساعدات الإنسانية، وهو ما يمكنها من التغلغل الناعم، وهو ما يبرهن على أن الصين عازمة على لعب دور يتسم بالديناميكية في الصومال. 

البعد الأمني والعسكري: تسهم الصين في دعم قوات حفظ السلام الأفريقية الموجودة في الصومال وتزويدها بمعدات عسكرية متطورة للحفاظ على الأمن والاستقرار، وتحرص الصين كذلك على مكافحة القرصنة في منطقة شرق أفريقيا، والتي قد تعرض المصالح الصينية التجارية المارَّة في خليج عدن ومضيق باب المندب للخطر.

ونجد كذلك أن الصين تعمل على رفع قدرات المؤسسات الأمنية الصومالية، وقد اتضح ذلك جليًا في قيام الصين بتزويد الحكومة الصومالية بمعدات عسكرية في مارس 2022، وهو ما يساعدها في حربها ضد الجماعات الإرهابية وعلى رأسها حركة الشباب الإرهابية. وبلا شك أن استقرار الأوضاع الأمنية في الصومال، سينعكس بشكل إيجابي على المصالح الصينية هناك. 

– البُعد الاقتصادي: تحرص الصين على تعزيز العلاقات الثنائية مع الصومال لحماية مصالحها الاقتصادية في منطقة القرن الأفريقي، ويتجلى ذلك في الحرص على أمن الملاحة في الممرات المائية، توفير الحماية لسفنها التي تمر من خلال مضيق باب المندب، وهو ما يساعد على تأمين احتياجات الصين من المواد الخام والطاقة، والتي تعد الركيزة الأساسية للاقتصاد الصيني؛ إذ إن منطقة القرن الأفريقي مليئة بالنفط والغاز الطبيعي، وهو ما يدفع الصين إلى توطيد علاقاتها بدول المنطقة.

دوافع التقارب الصيني – الصومالي

1 – مُزاحمة الولايات المتحدة: عملت الصين على استغلال تضاؤل الاهتمام الأمريكي بالصومال على كافة الأصعدة؛ العسكرية والسياسية والاقتصادية، ويمكن توضيح مؤشرات تراجع الاهتمام الأمريكي بالصومال على النحو التالي: 

  • الصعيد العسكري: يتضح من خلال انسحاب القوات الأمريكية من الصومال مطلع يناير 2021، وذلك في ضوء القرار الذي أصدره الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بسحب حوالي 700 من أفراد القوات الخاصة الأمريكية من القواعد العسكرية في الصومال، وهذا القرار انعكس بشكل سلبي على الأوضاع الأمنية في البلاد؛ إذ ارتفعت وتيرة الهجمات الإرهابية التي تشنها حركة الشباب.
  •  الصعيد السياسي: نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية تقتصر في مُعالجة الأزمات في الداخل الصومالي على انتهاج آلية فرض العقوبات كوسيلة للضغط على الأطراف الصومالية، فقد قامت الولايات المتحدة في فبراير 2022 بفرض عقوبات على شخصيات صومالية على خلفية تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية، وهو ما يُقوض العملية الديمقراطية في الصومال. 
  •  الصعيد الاقتصادي: وذلك يتضح في المؤسسات المالية الدولية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة كصندوق النقد الدولي، فقد أعلن في فبراير 2022 أنه قد يقوم بوقف برنامجه التمويلي في الصومال في خلال ثلاثة أشهر إذا تعثر المسار الديمقراطي في الصومال، وتأجلت الانتخابات الصومالية مرة أخرى.

ويمكن القول إن إخفاق الولايات المتحدة الأمريكية في التعامل مع أزمات الصومال قد مثّل فرصة أمام الصين للاضطلاع بدور نشط في الصومال، فالصين لا تعتمد في علاقاتها مع الصومال على مبدأ المشروطية السياسية، وهي حريصة كذلك على دعم الأجهزة الأمنية الصومالية، وهو ما يُمثل فرصة سانحة لتنامي الدور الصيني الذي يحظى بقبول الأطراف السياسية الصومالية، وهو ما يعنى أن نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية سيشهد تراجعًا نسبيًا في مقديشو.

2 – إجهاض محاولات “أرض الصومال” لتوثيق علاقاتها بتايوان: تسعى الصين إلى كسب ود الحكومة الصومالية الفيدرالية لإجهاض محاولات “أرض الصومال” لتوثيق علاقاتها بتايوان؛ فالعلاقات المتنامية بين جمهورية أرض الصومال، التي أعلنت استقلالها عن جمهورية الصومال بشكل مُنفرد، وتايوان التي تعدها الصين جزءًا من أراضيها، قد أثارت تحفظ كلٍ من الصين والصومال. 

والجدير بالذكر أن سياق المباحثات المُشتركة التي تمت في الآونة الأخيرة بين الجانب الصيني والجانب الصومالي تزامن مع الزيارة التي قام بها رئيس أرض الصومال إلى الولايات المتحدة الأمريكية، في محاولة منه لكسب ود الإدارة الأمريكية؛ بهدف الحصول على الاعتراف الدبلوماسي بأرض الصومال في مقابل تقديم تسهيلات لوجستية للولايات المتحدة لاستخدام الموانئ. 

وبلا شك أن الزيارة التي قام بها رئيس أرض الصومال قد أثارت انزعاج الحكومة المركزية الصومالية، التي عدّت الزيارة بمثابة استقواء بالخارج للتدخل في الشأن الداخل الصومالي، وهو ما حفز الحكومة الصومالية للتعاون مع الحكومة الصينية، وإرسال رسالة إلى الجانب الأمريكي مفادها أن الحكومة الصومالية لديها مساحة للحركة والمناورة وتنويع شركائها، وأن الزيارة التي قام بها رئيس أرض الصومال لن تنال من وحدة وسيادة الدولة الصومالية.

مستقبل الحضور الصيني في منطقة القرن الأفريقي

في هذا الجزء من التقرير، نحاول أن نستشرف مستقبل الحضور الصيني في منطقة القرن الأفريقي في ضوء المعطيات المتعلقة بتعيين مبعوث صيني للقرن الأفريقي، وهو ما يعد مؤشرًا في غاية الأهمية ويبرهن على مدى أهمية هذه المنطقة لدى صانع القرار الصيني، وأن هناك رغبة صينية في الانخراط بشكل نشط في قضايا القرن الأفريقي، ولكن علينا أن نوضح أن هذا الانخراط في أزمات المنطقة سيكون بشكل براجماتي، أي بما سينعكس على تعظيم المصالح الاقتصادية الصينية في هذه المنطقة.

وعلينا توضيح نقطة في غاية الأهمية هي أنه في عام 2007، قامت الصين بتعيين مبعوث خاص للشؤون الأفريقية، وعمل هذا المبعوث على التوسط لحل أزمة دارفور التي تقع في الإقليم الغربي للسودان؛ ونذكر هذا المثال لسببين: السبب الأول هو معرفة كيف عالجت الصين هذه الأزمة، أما السبب الثاني وهو أن هذا المثال سيساعدنا على التنبؤ بالموقف الصيني حيال الأزمات الجارية في منطقة القرن الأفريقي. 

فقد اتسم الموقف الصيني العام تجاه أزمة دارفور بالعمل على انتهاج سياسة التوازن بين المصالح الصينية الواسعة في السودان، خاصة الاقتصادية منها، وبين مصالح السودان الاستراتيجية مع القوى الغربية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي تبنت موقفًا متمايزًا عن النهج الصيني المُتبع لحل هذه الأزمة. 

ونجد أن وجهة نظر الصين وموقفها تجاه قضية دارفور تتمحور حول أن الحل السياسي هو الحل الوحيد الممكن للقضية، ويرتكز على جمع الأطراف السياسية السودانية التي تتمثل في الحكومة السودانية ومختلف الفصائل المسلحة المعادية للحكومة والمنظمات الشعبية المعنية حول طاولة المفاوضات للتفاهم بشأن التسوية السلمية للأزمة، وهو ما سيضع حدًا لمعاناة سكان دارفور. بينما نجد أن النهج الذي اتبعته الولايات المتحدة الأمريكية حيال أزمة دارفور ارتكز على ممارسة الضغوط السياسية وفرض العقوبات الاقتصادية. 

وفي الختام، يُمكن القول إن الصين تحاول انتهاج سياسة خارجية نشطة تجاه دول القرن الأفريقي بشكل عام، وفي الصومال بشكل خاص، وهذه السياسة ترتكز على ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتأمين هذه الاستثمارات من خلال تعزيز التعاون مع المؤسسات الأمنية وتقديم كافة الخدمات الأمنية والانخراط بشكل دبلوماسي لحل الأزمات السياسية، وهو ما يسهم في الحفاظ على استقرار الأوضاع الأمنية في هذه الدول، وبلا شك سينعكس بشكل إيجابي على المصالح الصينية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى