مصر

البريد المصري.. طفرة نوعية من حيث الشكل والمضمون

تشهد واحدة من أقدم مؤسسات مصر وأعرقها طفرة غير مسبوقة، لمواكبة التطور الرقمي الذي تشهده البلاد، والنابع من التوجه إلى رقمنة كافة الخدمات التي تقدمها مؤسسات الدولة، للتسهيل على المواطنين، وركزت الدولة المصرية على “البريد المصري” كونه يمتلك مميزات تمكنه من تحقيق الشمول المالي والتحول الرقمي.

تاريخ البريد المصري وأهميته

سفراء من الماضي(بوستة..بوستة) رقم 1 - الصفحة 3 - منتدى العملات والطوابع  العربي

تأسس البريد المصري عام 1865، ويعد هيئة اقتصادية اجتماعية تسهم بشكل مباشر في تحقيق خطط الدولة من أجل تعزيز التنمية. ويرجع تأسيس هذه المؤسسة العريقة إلى عصر الخديوي إسماعيل، عندما قام رجل إيطالي في الإسكندرية يدعى “كارلو ميراتى” بإنشاء إدارة بريدية لتصدير واستلام الخطابات المتبادلة مع البلدان الأجنبية، وكان يتولى تصدير وتوزيع الرسائل نظير أجر، فقام بنقل الرسائل بين القاهرة والإسكندرية تحت اسم “البوسطة الأوروبية”، وقد احتلت هذه البوسطة مكانه مهمة وظلت تباشر نقل وتوزيع مراسلات الحكومة والأفراد.

وعند افتتاح أول خط حديدي بين الإسكندرية وكفر العيس سنة 1854، أنشأت الشركة مكاتب بريد لها في القاهرة والعطف ورشيد، ثم أنشأت في سنة 1855 مكتبين في دمنهور وكفر الزيات. وعندما امتد الخط الحديدي إلى كفر الزيات – القاهرة عن طريق طنطا وبنها وبركة السبع، انتهزت شركة البوسطة الأوروبية هذه الفرصة واستخدمت خطوط السكة الحديد في نقل إرساليات البريد بين القاهرة والإسكندرية.

وأدت ثقة الجمهور المتزايدة في البوسطة الأوروبية إلى زيادة استشعار الخديوي إسماعيل بأهميتها، وقام بشرائها من صديق وريث “كارلو ميراتي” ويدعى “موتسي”، كان ذلك في 29 أكتوبر 1864، وأنعم الخديوي إسماعيل على موتسي برتبة البكوية وأبقاه مديرًا لمصلحة البريد.

وسوف نستعرض أهم التواريخ في مسيرة البريد المصري:

  • في 2 يناير 1865، نقلت ملكية البوسطة الأوروبية إلى الحكومة المصرية، ويعد هذا اليوم يومًا تاريخيًا للبريد المصري وعيدًا له.
  • في 10 ديسمبر 1878 ألحقت بوزارة المالية. وقد صدرت اللائحة الخاصة بتنظيم أعمال البريد بموافقة وزارة المالية في 21 ديسمبر 1865 بأن يكون نقل الرسائل وإصدار طوابع البريد احتكارًا للحكومة المصرية.
  • في عام 1919 صدر القانون رقم 7 بإنشاء وزارة المواصلات التي تشمل السكك الحديدية والتلغرافات والتليفونات ومصلحة البريد ومصلحة الموانئ والطرق والنقل الجوي.
  • في عام 1931 صدر قانون شامل تناول جميع رسوم نقل البريد، وقد تم في هذا العام نقل مقر إدارة البريد من الإسكندرية إلى القاهرة، واستقرت بمبناها الحالي بميدان العتبة.
  • عام 1934 تم عقد المؤتمر العاشر لاتحاد البريد العالمي بالقاهرة، وهو يوافق الذكرى رقم 70 لإنشاء مصلحة البريد المصرية، وعلى إثر قيام ثورة يوليو 1952 تم تخصيص ميزانية مستقلة لمصلحة البريد وصار لها الحق في توجيه فائض إيراداتها في أعمال تحسين الخدمة البريدية والنهوض بها.
  • عام 1957 صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 710 بإنشاء هيئة البريد المصرية لكي تحل محل مصلحة البريد.
  • وفي عام 1961 تم إنشاء أول مدرسة ثانوية للبريد بقرار من رئيس الجمهورية، وفي عام 1965 تم إنشاء المعهد العالي للشؤون البريدية الذي انضم فيما بعد إلى كلية التجارة بجامعة حلوان عام 1975.
  • وفي عام 1966 صدر قرار رئيس الجمهورية بإنشاء الهيئة العامة للبريد لكي تحل محل هيئة البريد؛ وفي عام 1970 صدر القانون رقم 16 بنظام البريد المصري، وفي عام 1982 صدر القانون رقم 19 بإنشاء الهيئة القومية للبريد لكي تحل محل الهيئة العامة للبريد وتتبع وزارة المواصلات.

صنعت طوابع البريد المصرية أول مرة في «جنوة» بإيطاليا عام 1866 وكانت فئاتها 10 و20 بارة و1،2، 5 قروش وتم تمصير طوابع البريد بعد ذلك بطبعها في البلاد. ففي عام 1867 طبعت الطبعة الثانية في مطبعة «برناسون» المجرية بمدينة الإسكندرية، ثم صدرت الطبعة الثالثة في سنة 1872 بالمطبعة الأميرية ببولاق.

وهكذا، كانت مصر من البلاد السباقة في الانخراط في الحركة البريدية العالمية التي بدأت بأوروبا منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهي تعد الدولة الوحيدة عربيًا وإفريقيًا التي اضطلعت بتنظيم المؤتمر البريدي العالمي في دورته العاشرة عام 1934.

وتعد مصر من بين 22 دولة أسهمت في تأسيس الاتحاد البريدي العالمي عقب مؤتمر 1874، واختيرت عضوًا في هذا الاتحاد، وأسهمت كذلك بدور فاعل في تأسيس كل من الاتحاد البريدي العربي والاتحاد البريدي الأفريقي. 

إعادة صياغة دور البريد المصري

استطاع البريد المصري في الآونة الأخيرة أن يعيد هيكلة خدماته، بما يتناسب مع احتياجات المواطنين من جهة، وبما يواكب التقدم السريع في تكنولوجيا المعلومات من جهة أخرى؛ وذلك طبقًا للخطة القومية التي وضعتها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وتنفذها الهيئة القومية للبريد، والتي تهدف إلى تطوير وميكنة نظم العمل بجميع مكاتب البريد على مستوى الجمهورية، وقد وصل عددها إلى أكثر من 4 آلاف مكتب بريد، بنسبة نمو سنوي 4.39%.

فالمنظومة التي تعمل منذ أكثر من 150 عامًا أصبحت تشهد عملية تطوير ضخمة في مستوى الخدمات التي تقدم للمواطنين، وأصبحت تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا وتطوير أداء العاملين، فهناك أكثر من 40 ألف موظف مصري يعملون بالمنظومة، ويقدمون خدمات البريد لقرابة مليون مواطن يوميًا.

والجدير بالذكر أن هيئة البريد حققت 3 مليار و183 مليون جنيه صافي أرباح في العام الماضي، بمعدل نمو صافي الربح وصل الي ٥١٪ بإجمالي إيرادات للخدمات يصل الي ٣ مليار و394 مليون جنيه بمعدل نمو 5٪ في إيرادات الخدمات، وبلغت إيداعات صندوق التوفير ٢٦٤ مليار جنيه.

 ومن أهم مظاهر الطفرة التي شهدها البريد المصري ما يلي: 

  • تم تحقيق عدد من الإنجازات على المستوى الإداري، فتم إعادة هيكلة وظائف الإدارة العليا بالهيئة مع استحداث محاور جديدة من شأنها الارتقاء بالمستوى التنظيمي للهيئة، وتم تطوير منظومة الأجور للعاملين بالهيئة القومية للبريد، مع استحداث حافز تخصص لتمييز الوظائف ذات الطابع التخصصي وربط الدخل بالإنتاج.
  • تمت ميكنة عمليات صرف المعاشات آليا من خلال الكارت الذكي، وتوفير خدمة توصيل المعاشات إلى المنازل لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة الراغبين في ذلك دون تحمل تكاليف إضافية.
  • أصبح البريد منفذًا لتقديم خدمات مصر الرقمية وخدمات الشمول المالي، ووسيطًا بين العميل والشركات المقدمة لهذه الخدمات، والتي تشمل التمويل الاستهلاكي متناهي الصغر، والتمويل متناهي الصغر، والتأمين متناهي الصغر، فيتم من خلاله تلقي الطلبات وتسجيل بيانات المتقدمين وصرف التمويل وتحصيل الأقساط.
  • إطلاق المنظومة الجديدة لإدارة العمليات اللوجستية وتوصيل الشحنات والطرود بمختلف أنواعها، بهدف تنمية خدمات التجارة الإلكترونية، والعمل على تعزيز مبدأ الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي للتكنولوجيا الحديثة.
  • تم التوسع في فروع البريد المصري وتزويده بأجهزة تقدم الخدمات بتقنيات حديثة من خلال نشر الأكشاك البريدية وتوفير مكاتب بريد متنقلة مزودة بموظفي البريد، وماكينة صراف آلي بهدف تحريكها في أوقات الذروة في العمل بمكاتب البريد لاسيما في أوقات صرف المعاشات، وبالفعل تم تزويد المكاتب بعدد 1700 ماكينات صراف آلي، وجارٍ زيادة عدد المكاتب تباعًا، وذلك بالتنسيق بين الهيئة القومية للبريد ومصلحة الشهر العقاري.
  • تم تأسيس المركز اللوجيستي للبريد في مطار القاهرة الدولي وفقًا لأحدث المعايير الدولية، ويسهم المركز في تسهيل عمليات تقديم خدمات التجارة الإلكترونية الخاصة بالدول الأفريقية الشقيقة.
  • في إطار الحفاظ على أصول الدولة ومبانيها التراثية، تم تنفيذ خطة تطوير لمتحف البريد المصري بالعتبة؛ بهدف إعادة فتحه للزائرين بعد عشرات السنين من إغلاقه؛ وتم الاعتماد في عمليات التطوير على التقنيات الحديثة في عرض المقتنيات وذلك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز.
  • يقدم البريد المصري الكثير من الخدمات لأصحاب الهمم، زتم تطوير الفروع وتأهيلها وتجهيزها لهم، بالإضافة إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة، واستحداث أماكن مخصصة لهم وتسجيل بياناتهم من خلال الموظفين في جميع الفروع.

خدمات وتطبيقات هيئة البريد المصري

قبل إطلاق أي خدمات أو تطبيقات من البريد المصري، يتم وضع استراتيجية تضم كل تفاصيل العمل على الخدمات، ويتم مناقشتها من قبل مجلس الإدارة، ثم اعتمادها من قبل وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بعدها يتم البدء في عملية التنفيذ، ويكون كل مشروع له خطة وآلية للتنفيذ منفصلة عن غيره من المشروعات. 

  • برنامج النقاط والمكافآت “Win”:

إطلاق البريد المصري لبرنامج النقاط والمكافآت يأتي في إطار دعم خطط الدولة الهادفة إلى تطبيق الشمول المالي والتحول الرقمي، وسعي البريد المصري نحو تحفيز وتشجيع جميع العملاء على استخدام وسائل الدفع غير النقدي، وبعد كل معاملة يقوم بها العميل باستخدام بطاقات البريد المصري في عمليات الشراء المباشر أو التسوق عبر الإنترنت، تضاف النقاط في حساب المستخدم، ويستطيع استخدامها فيما بعد كوسيلة سداد كلية أو جزئية عند شراء أي من المنتجات والخدمات المقدمة من خلال شبكة من التجار ومقدمي الخدمات المشتركين في البرنامج والذين يزيد عددهم عن ١٥٠ تاجرًا منتشرين في جميع أنحاء الجمهورية.

  • خدمة “إيزي بوكس”:

عبارة عن سيارات متنقلة لتوصيل الشحنات إلى أي مكان داخل الجمهورية، حيث تعتبر تلك الخدمة تسهيلًا على أصحاب الأنشطة التجارية، والذين يواجهون صعوبة في التعامل مع بعض شركات الشحن المتوفرة في مصر.

البريد لديه أكثر من 80 سيارة متنقلة تجوب المناطق المختلفة، وتستخدم هذه السيارات بهدف تخفيف الازدحام عندما يحدث في مكتب معين أو منطقة معينة، ويوجه سيارات البريد في المناطق السكنية الجديدة، من خلال التنسيق مع الأجهزة المعنية، في إطار السعي إلى تسهيل تقديم الخدمات على المواطن المصري.

  • تطبيق “YALLA” 

هذا التطبيق يحتوي على العديد من الخدمات، من بينها تمكين العملاء من تحويل الأموال المطلوبة من أي فرد، واستقبال الأموال من الأفراد والتجار، بالإضافة إلى خدمة “يلا فواتير”، والتي تمكن المواطن من دفع الفواتير المطلوبة، بالإضافة إلى “يلا صيدليات”، وتمكن العملاء من طلب الأدوية وتوصيلها عن طريق البريد المصري، وأيضًا خدمة “يلا عروض”، وتقدم للمواطن عروضًا كبيرة على العديد من المنتجات وخدمات الشراء. 

  • خدمة “وصلها”:

هي خدمة شحن متطورة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي AI والجغرافية المكانية GIS، وهي إحدى الخدمات اللوجيستية البريدية التي يقدمها البريد المصري لخدمة عملاء التجارة الإلكترونية سواء التجار او العملاء، وذلك من خلال نقل طرود المنتجات المباعة عبر الإنترنت من البائع إلى المستهلك، بالإضافة إلى خدمة كافة المواطنين الراغبين في شحن طرود من الباب إلى الباب، والاستفادة من الخدمات البريدية التي يقدمها البريد المصري.

وكذا، تمكن خدمة وصلها التجار والصناع من إنشاء طرودهم إلكترونيًا، وطباعة بوليصة الشحن وطلب مندوبو البريد لاستلام الطرود من موقع الإنتاج أو شحنها من خلال أقرب مكتب بريد بسهولة ويسر، ويمكنهم طلب تحصيل مبلغ معين عند التسليم، ليقوم البريد المصري بتحصيل المبلغ وإيداعه في حساب العميل لدى البريد المصري، سواء في حساب التوفير أو حساب جارٍ أو بطاقة دفع مسبق.

  • “UGotBox”:

وهي خدمة التسوق العالمية عبر الإنترنت، خدمة شاملة للتسوق والشحن أونلاين من المواقع الدولية، يتم توصيل الطلبات من خارج مصر إلى المستخدم في صندوق واحد، لتوفير جزء كبير من مصاريف الشحن، وحل جميع مشاكل التخليص الجمركي، وتهدف هذه الخدمة إلى أن تتوسع في المستقبل لتشمل جميع الدول، ليتمتع العملاء بالتسوق عبر العالم وهم جالسين في منازلهم.

جائزة التميز من الاتحاد العالمي

بعد تطبيق أعلى معايير الجودة، وضبط فترات الاستعلام والتسليم، فازت الهيئة القومية للبريد المصري بجائزة “اتحاد البريد العالمي، تعاونيات البريد السريع”، لتميزها في خدمة عملاء البريد السريع على المستوى الدولي.

ومما لا شك فيه أن فوز البريد المصري بهذه الجائزة ما هو إلا تجسيد واضح للدور الدولي الذي قام به البريد خلال الفترة الماضية، وتأكيد على ريادة مصر على المستويين الإقليمي والدولي في تقديم الخدمات البريدية المختلفة، وذلك باستيفائه كافة معايير الجدارة التي تأهل بموجبها للحصول على الجائزة.

حضور قوي بالعاصمة الإدارية الجديدة

سيكون للبريد المصري حضور كبير بالعاصمة الإدارية الجديدة، وسيكون المقر الجديد للهيئة إضافة قوية لمنظومة العمل في البريد، إذ إن تصميم المبنى سيجمع بين التصميم الذكي والأداء المميز بالاعتماد على أحدث نظم العمارة المستدامة التي تسعى إلى تقليل الآثار البيئية السلبية في المباني، فتم اختيار أنظمة البناء والخدمات بشكل يجمع بين العراقة والتطور.

ووفقًا لما سبق، نرى الهيئة القومية للبريد قد حققت عددًا من الإنجازات، ولعل أهمها الاستثمارات الكبيرة في تطوير مكاتب البريد وتحويلها إلى مراكز خدمات متكاملة مميكنة بالكامل وتزويدها بأحدث الأنظمة، والذي كان له الأثر البالغ في توفير البيئة المناسبة للعملاء وتقليل التكاليف التشغيلية، وهو ما أدى في النهاية إلى تعظيم الإيرادات وتحقيق أعلى فائض مالي في تاريخ الهيئة على الإطلاق.

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى