مكافحة الإرهاب

تهديد مستمر: العائدون من “داعش”

تعد ظاهرة العائدين من “داعش” إحدى أهم الظواهر المرتبطة بالظاهرة الإرهابية على وجه العموم وتنظيم “داعش” على وجه الخصوص، لا سيما مع نجاحه في اجتذاب أعداد كبيرة من المتطرفين حول العالم، وانتقال هؤلاء من موطنهم الأصلي إلى المناطق التي سيطر عليها التنظيم. غير أنه مع الهزيمة العسكرية والجغرافية التي تعرض لها، تصاعد الحديث عن التحديات التي تمثلها عودة هؤلاء إلى بلدانهم الأصلية. وبالتالي تسعى هذه الورقة إلى تسليط الضوء على خصائص ظاهرة العائدين من “داعش”، والإشكاليات المرتبطة بها، والتهديدات المنطوية عليها.

خصائص مختلفة

ثمة خصائص متنوعة تتميز بها ظاهرة العائدين من “داعش”، ويمكن إجمالها على النحو التالي:

  1. ضخامة الأعداد: إذ أشار تقرير صادر عن لجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (فبراير 2019)، إلى أن عدد المقاتلين الأجانب الذين انضموا لتنظيم “داعش” في سوريا والعراق بلغ حوالي41490 شخصًا، وعلى الرغم من مقتل أعداد منهم خلال عمليات مكافحة الإرهاب إلا أن التقديرات ترجح أن ثلث هؤلاء الأشخاص سيصبحون عائدين، الأمر الذي يعكس ضخامة أعداد الظاهرة والتهديدات الأمنية المرتبطة بها.
  2. تباين الدوافع: ثمة دوافع متباينة خلف انضمام المقاتلين الأجانب إلى تنظيم “داعش”، حيث تنوعت تلك الدوافع بين دوافع إيدلوجية واقتصادية وذاتية؛ إذ كان هناك من يقتنع بفكر التنظيم المتطرف القائم على الفهم المغلوط لتعاليم الشريعة الإسلامية، كذا هناك من كان يهدف الحصول على المال، ناهيك عمن يسعى إلى البحث عن المغامرة، ويرغب في اكتشاف تجربة فريدة من نوعها من أجل اختبار نمط مختلف من الحياة.
  3. تعدد الجنسيات: تميزت ظاهرة العائدين من “داعش” باتساع نطاقها الجغرافي؛ إذ انتمى المقاتلون الأجانب الذين انخرطوا في التنظيم إلى جنسيات متعددة، فتُشير التقديرات إلى انتمائهم إلى حوالي 80 دولة من مختلف دول العالم، فمنهم من وفد من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومنهم من جاء من شرق أوروبا، ومنهم من انتقل من آسيا الوسطى، ومنهم من انتمى إلى دول أوروبا الغربية، ناهيك عن وفود بعضهم من جنوب الصحراء الكبرى، ما يسهم في تعقد الظاهرة، وتعدد جوانبها، وتداخل أبعادها.
  4. التنوع الديمغرافي: لم تقتصر ظاهرة العائدين من “داعش” على الرجال فقط، بل اشتملت على النساء أيضًا؛ إذ أدرك التنظيم الأهمية الرمزية والاستراتيجية للنساء، فعمل على تجنيدهن، وتنوعت مهامهن داخل التنظيم، بدايةً من تربية جيل جديد من المتطرفين، مرورًا بالترويج لأيديولوجية التنظيم وأفكاره المتطرفة عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى المشاركة في العمليات الانتحارية. 

وتكمن خطورة ظاهرة العائدات من “داعش” في كونهن ما زلن مقتنعات بأفكار التنظيم، ويحرصن على نشرها وتطبيقها، وخير مثال على هذا الطرح واقع الداعشيات في مخيم الهول (يقع مخيم الهول في مدينة الهول بالقرب من الحدود السورية العراقية، ويضم العائلات المرتبطة بتنظيم “داعش”)، في ضوء قيامهن بدور كبير في استمرار أيديولوجية التنظيم عبر غرس أفكاره ومعتقداته في عقول أطفالهن.

  1. تكوين عائلات: تبرز أهم سمات الظاهرة في تشكيل هؤلاء لعائلات، بمعنى أنهم تزوجوا، وأنجبوا أثناء فترة وجودهم في الأراضي التي كان يسيطر عليها التنظيم، ما يعنى أنهم حال عودتهم إلى بلدانهم الأصلية فلن يعودوا بمفردهم كما غادروا، بل سيعودون كعائلات. وفي هذا السياق أشارت تقديرات أممية إلى أن هناك نحو 40 ألف طفل من عناصر تنتمي إلى التنظيم يعيشون في مخيمي الهول وروج ومعظمهم تحت سن الـ 12 عامًا، ناهيك عن وجود حوالي 12 ألف طفل من عائلات “داعش” في سجون العراق.

إشكاليات متعددة

في ضوء ما تقدم، هناك جُملة من الإشكاليات المتعددة، والتي يمكن استعراضها على النحو التالي:

 الإشكالية الأولى: تتعلق بتحديات العودة، فبجانب الإشكاليات القانونية المرتبطة بالقوانين والآليات التي ستتم محاسبتهم بها، هناك جملة من التهديدات الأمنية المحتملة حال عودتهم لبلدانهم الأصلية أو انتقالهم إلى بلد آخر، سواء عبر تنفيذ عمليات إرهابية، أو نشر إيديولوجية التنظيم. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى ما خلصت إليه إحدى الدراسات الصادرة عام 2014 عن مؤسسة راند حول المقاتلين الغربيين الذين شاركوا كمقاتلين بالتنظيمات الإرهابية بين عامي 1990 و2010، حيث وجدت أن واحدًا من بين كل تسعة مقاتلين أجانب عاد لشن هجوم في الغرب.

الإشكالية الثانية: تنصرف إلى فاعلية برامج الدمج الاجتماعي؛ إذ تعددت الحالات والنماذج المختلفة التي فشلت فيها تلك البرامج في تحقيق أهدافها، وذلك نتيجة لصعوبة نزع عقيدة التطرف والعنف التي تم غرسها في نفوس هؤلاء من جهة، ومن جهة أخرى عجز برامج الدمج الاجتماعي عن تقديم رؤية بديلة وجديدة للعالم تستند على القيم الإيجابية والتفاعلات الصحيحة مع الآخرين. 

الإشكالية الثالثة: تشير إلى التهديدات المستقبلية المتعلقة بأطفال الدواعش، فبعد سقوط دولة الخلافة المزعومة، تصاعد الحديث عن مستقبل هؤلاء الأطفال. وعلى الرغم من التعاطف الدولي معهم، إذ يُنظر إليهم باعتبارهم ضحايا وليسوا جناة؛ إلا أن ذلك لا يحول دون حجم التهديدات المحتملة حال عودتهم إلى موطنهم الأصلي، وذلك في ضوء تعرضهم للفكر المتطرف من قبل أمهاتهم، مع العمل على ترسيخ فكرة الثأر لهزيمة التنظيم في عقولهم.

الإشكالية الرابعة: تدور حول إعادة تدوير ظاهرة المقاتلين الأجانب في الصراعات المختلفة، حيث تم توظيفها في كل من الصراع السوري، والليبى، كذا الصراع بين أذربيجان وأرمينا، وموخرًا برز توظيفها في الحرب الروسية الأوكرانية، فبالتالي فلم تعد الظاهرة مقتصرة على صراعات الشرق الأوسط وأفريقيا فقط، بل امتدت أيضًا إلى الصراعات في آسيا وأوروبا، ومن ثم يمكن القول إن تصاعد الصراعات المختلفة بالتزامن مع تعدد الفواعل الإقليمية والدولية ذات المصالح المتباينة، فاقم الاحتياج إلى المقاتلين الأجانب، ما أسهم في اتساع النطاق الجغرافي للظاهرة ومن ثم تعاظم تهديدها.

مسارات محتملة

وفي ضوء تلك المعطيات، هناك عدد من المسارات المحتملة للعائدين من “داعش”، والتي يمكن تناولها على النحو التالي:

  1. المسار الأول: يشير إلى استمرار بعضهم في البقاء في المعاقل الرئيسة للتنظيم، سواء في إطار الوجود كخلايا نائمة لتقديم الدعم للتنظيم في الساحتين العراقية والسورية، أو في إطار الوجود في السجون العراقية والسورية في ضوء عمليات مكافحة الإرهاب المستمرة التي تسعى إلى القضاء على فلول “داعش”.
  2. المسار الثاني: يشير إلى انتقالهم إلى فرع آخر من فروع التنظيم سواء في إفريقيا أو آسيا، وتكمن خطورة انتقال هؤلاء في ثلاثة عوامل رئيسة؛ يتعلق أولها بتعزيز قدرة التنظيمات الإرهابية على الصمود أمام الضغط العسكري. وينصرف ثانيها إلى تطوير استراتيجيات قتال تلك التنظيمات على المستويين العملياتي والتكتيكي، وذلك في ضوء الخبرات التي اكتسبها هؤلاء من مناطق الصراع المختلفة. ويتصل ثالثها إلى تحول هؤلاء إلى حلقات وصل بين التنظيمات الإرهابية الداخلية والخارجية.
  3. المسار الثالث: يشير إلى انتقالهم إلى بلدانهم الأصلية، وهنا تظهر جملة الإشكاليات المتعلقة بعودتهم سواء كانت إشكاليات قانونية، أو تهديدات أمنية، أو تحديات مجتمعية مرتبطة بدمجهم في المجتمعات محل استقبالهم؛ إذ إن هناك جملة من التهديدات المحتملة المرتبطة بهؤلاء حال عودتهم، تنصرف إلى تهديد السلم والأمن الإقليمي والدولي. 

مجمل القول، تمثل ظاهرة العائدين من “داعش” تحديًا كبيرًا أربك صانعي السياسات إقليمًيا ودوليًا، لا سيما في ضوء تعدد أبعادها، وتداخل دوافعها، وتعقد تهديداتها؛ فعلى الرغم من الهزيمة الجغرافية لتنظيم “داعش” إلا أن هناك الآلاف من مقاتليه وعائلاتهم رهن الاحتجاز في كل من العراق وسوريا، ومن المحتمل أنهم سيكونون عائدين على المديين القريب والمتوسط، ما يستدعى ضروه تفعيل التعاون الإقليمي والدولي على الصعيدين الأمني والاستخباراتي؛ بهدف إيجاد سياسات فاعلة وحلول مناسبة للتعامل مع الظاهرة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى