الأزمة الأوكرانيةمصر

الأزمة الروسية الأوكرانية تدفع الأمن الغذائي العالمي إلى الهاوية.. ماذا عن مصير تجارة الأسمدة؟

منذ اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية بات العالم يتأذى بأزمة تلو الأخرى، فالجميع الآن يدفع ثمن الحرب الجارية. وعلى الرغم من أن التوقعات في بداية الأزمة ذهبت نحو تأثر سوق القمح ومنتجات الطاقة كالغاز والبترول، ناهيك عن الآثار الاقتصادية المختلفة، إلا أنه بعد مرور شهر على اندلاع الأزمة هناك عدة أزمات بدأت تلوح في الأفق على خلاف التوقعات الدارجة. 

فعلى إثر الأزمة الحالية أصبح الأمن الغذائي العالمي –وليس تجارة القمح والحبوب على أسوأ تقدير ممكن في بداية الأزمة- بأكمله مهددًا؛ وذلك إثر أزمة نقص الأسمدة التي باتت تهدد قطاع الزراعة في الآونة الأخيرة. فروسيا لا تمسك فقط بمقاليد الغاز وزراعة القمح، فهي مورد أساسي لعدد من السلع الأساسية كالحبوب والنيكل والنحاس والبلاديوم والبوتاس–المكون الرئيس في عدد من الأسمدة- وأيضًا الفحم، ومن ثم فأي عداء معها يرفع التكاليف ويهدد الصادرات وسلاسل الإمداد العالمية.

ترتبط الإنتاجية الزراعية وإنتاج الغذاء حول العالم ارتباطًا وثيقًا بإنتاج الأسمدة. وتعد روسيا وبيلاروسيا من أكبر منتجي الأسمدة؛ فروسيا مُصدر رئيس للبوتاس والأمونيا واليوريا ومغذيات أخرى للتربة، وأدت العقوبات الغربية المفروضة عليها إلى تعطيل شحنات تلك المدخلات الرئيسة حول العالم. مما ينذر بإنخفاض إنتاجية الأراضي الزراعية حول العالم، ناهيك عن ارتفاع أسعار الغذاء، وخاصة المحاصيل الأساسية كالذرة وفول الصويا والأرز والقمح، نتيجة انخفاض المعروض من السلع الغذائية، أو ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج وأهمها سعر السماد. 

وبخلاف تعليق 14% من صادرات الأسمدة العالمية حاليًا، أعلنت منذ أيام كل من روسيا وأوكرانيا عن قرار بوقف تصدير الأسمدة مؤقتًا؛ للحفاظ على التوازن في السوق المحلية، لتكون بمثابة ضربة قاسمة للأمن الغذائي العالمي، فارتفعت أسعار المواد الخام التي تشكل سوق الأسمدة، الأمونيا والنيتروجين والنترات والفوسفات والبوتاس والكبريتات، بنسبة 30% منذ مطلع العام، وتتجاوز الآن تلك التي شهدتها أزمة الغذاء والطاقة في عام 2008. ففي عام 2021، كانت روسيا أكبر مصدر للأسمدة النيتروجينية في العالم وثاني أكبر مورد لكل من الأسمدة البوتاسية والفوسفورية، وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة.

ضغط جديد

وفقًا للكتاب الإحصائي السنوي 2021 للأغذية والزراعة العالمية الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، فإن إجمالي الاستخدام الزراعي للأسمدة غير العضوية عام 2019، معبرًا عنه بمجموع العناصر الغذائية الثلاثة النيتروجين، والفوسفور، والبوتاسيوم، كان 189 مليون طن في عام 2019. مقسمة إلى 108 مليون طن من النيتروجين (57 % من الإجمالي)، و43 مليون طن من الفوسفور (23 % من الإجمالي) و37 مليون طن من البوتاسيوم (20 % من الإجمالي). وارتفع إجمالي استخدام الأسمدة في عام 2019 بحوالي 54 مليون طن، (40 %)، أعلى مما كانت عليه في عام 2000 (33% للنيتروجين، و34% للفوسفور، و73% للبوتاسيوم).

مثلت آسيا 56% من إجمالي الاستخدام الزراعي العالمي للأسمدة غير العضوية في عام 2019، تليها الأمريكتان (26%)، وأوروبا (12%)، وأفريقيا (4%). هذا الترتيب للمناطق هو نفسه بالنسبة لجميع العناصر الغذائية. وتعد الصين المستخدم الأول للأسمدة غير العضوية، تليها الهند والولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل.

يبلغ إنتاج الأسمدة عالميًا حوالي 230 مليون طن عام 2020، تبلغ الأسمدة النيتروجينية (الازوتية) منها نسبة 51%، فيما تبلغ الأسمدة البوتاسية 29% منها، وأخيرًا الأسمدة الفوسفاتية بنسبة 20%. وتعد روسيا وبيلاروسيا من أكبر مصدري الأسمدة بالعالم في المرتبتين الثانية والثالثة على التوالي وفقًا لبيانات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة عن عام 2019، وتستحوذ روسيا على نحو 22% من الصادرات العالمية من الأمونيا، و14% من صادرات العالم من اليوريا وقرابة 14% من فوسفات الأمونيوم الأحادي (MAP). وقد فرضت روسيا، أكبر مصدر للأسمدة في العالم، حظرًا لمدة شهرين على صادرات نترات الأمونيوم، الخطوة التي تهدد بتقليل إمدادات الأسمدة، خاصة لأمريكا الجنوبية.

وحظرت بيلاروسيا إمداداتها من الأسمدة إلى البرازيل بسبب الحصار الذي فرضته ليتوانيا على بيلاروسيا بسبب الأزمة الأخيرة، فقد أعلن الجانب الليتواني عن أن عبور أسمدة البوتاس من بيلاروسيا إلى البرازيل عبر ليتوانيا يهدد الأمن القومي لليتوانيا. وسبق أن حظرت الصين –أحد أكبر الدول المنتجة والمستهلكة للأسمدة في العالم- منذ سبتمبر 2021 تصدير الأسمدة الفوسفاتية لضمان دعم العرض المحلي لضبط أسعار الأسمدة. 

وشهدت أسعار الأسمدة العالمية قفزة قوية مؤخرًا لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات في الأشهر القليلة الماضية، وذلك على إثر ارتفاع أسعار المواد الأولية للإنتاج وأهمها الغاز الطبيعي –يشكل 60: 80% من تكلفة الإنتاج- لإنتاج الأسمدة النيتروجينية والفحم الذي يتم من خلاله إنتاج غاز الأمونيا لتصنيع الأسمدة، هذا بجانب تباطؤ التعافي من جائحة كوفيد-19، واستمرار توقف سلاسل الإمداد العالمية، وقيود التصدير التي وضعها عدد من البلدان الموردة. 

وفاقمت العقوبات الاقتصادية الأخيرة من أزمة سلاسل الامداد، وتعطل مبيعات الأسمدة والمحاصيل من روسيا. هذا إلى جانب تجنب العديد من البنوك والتجار الغربيين الإمدادات الروسية خوفًا من التعارض مع القواعد المتغيرة بسرعة، وتتجنب شركات الشحن منطقة البحر الأسود بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة. كل هذه العوامل بمثابة ضربة متعددة الأوجه للأمن الغذائي العالمي، وما يثير القلق فعليًا ارتفاع الأسعار إلى حد يقترب وقد يزيد على ما كانت عليه وقت أزمة الغذاء العالمي 2008. 

وقد بدأت ملامح الأزمة تنقشع بعدد من البلدان، فقد اشتكى المزارعون بعدد هائل من الدول من ارتفاع أسعار السماد، ومنتجات الطاقة (الغاز، البترول، السولار …) بوصفها أحد أهم عناصر الإنتاج الزراعي. وهو ما يهدد بأزمة غذاء جديدة إذا استمرت تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية على ما هي عليه، أو تفاقمت في أسوأ الأحوال. فاستمرار ارتفاع التكلفة على المزارعين حول العالم سيقود إلى المزيد من التضخم في أسعار الغذاء.

ووصل سعر سماد اليوريا إلى 1200 دولار للطن، مقارنة بـ 600 دولار قبل الأزمة الأوكرانية، أي زاد بمقدار الضعف. وقد أوضح شريف الجبلي، رئيس شركة أبو زعبل للأسمدة والكيماويات المصرية، في تصريحات صحفية، أن البدائل محدودة جدًا، لافتًا إلى أن أي طاقة إنتاجية جديدة تحتاج ما لا يقل عن 3 سنوات حتى تبدأ الإنتاج. وهو أمر بالغ الصعوبة في الوقت الراهن، خاصة وأن الغاز الطبيعي سواء كان من أمريكا أو من قطر أغلى من الروسي بعدة مرات. فالمخرج النهائي سيكون مرتفع السعر وذا تكلفة مرتفعة على المزارعين.

ويتوقع كذلك أن يغلق عدد من مصانع الأسمدة خاصة الأوروبية أبوابها في ظل ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي والمركبات الرئيسية للأسمدة. ويتوقع أن يُحجم بعض المزارعين عن استعمال الأسمدة أو استخدام قدر أقل من الأسمدة، أو تقليل المساحة المزروعة، أو في أحسن الأحوال اللجوء إلى استخدام الأسمدة العضوية –الطبيعية الناتجة عن روث الحيوانات- الأمر الذي ينذر باحتمالية انخفاض إنتاجية المحاصيل الزراعية العام القادم. ناهيك عن احتمالية تعرض سوق الأسمدة إلى آفة الاحتكار أو شراهة التخزين من قبل المزارعين وهو ما يهدد بزيادة أخرى في الأسعار. 

السوق المصرية

افتتاح مصنع كيما "٢" لإنتاج الأسمدة بمحافظة أسوان

الأزمة التي ألقت بظلالها على سوق القمح المصرية وعلى الاقتصاد المصري ككل تدفعنا الآن إلى القلق بشأن سوق السماد المصرية، بعد قرار روسيا وأوكرانيا منع تصدير الأسمدة مؤقتًا. لذا فالتساؤل الآن هل هناك أزمة محتملة في توافر الأسمدة وتحرك أسعارها في مصر؟ وما يترتب على هذا الأمر من تهديد للأمن الغذائي المصري، وارتفاع أسعار السلع الغذائية فيما بعد. 

D:\هبة\مرصد\نوعي\الأسمدة\Untitled.png

ترجع صناعة الأسمدة بمصر إلى أكثر من 75 عامًا، فأول مصانع الأسمدة التي تم إنشاؤها في مصر كان في السويس عام 1946، والذي تم تأميمه فيما بعد ليعرف باسم النصر. ثم إضافة مصنع كيما والذي أنشئ عام 1956، وكلا المصنعين كانا ينتجان نترات أمونيا باستخدام التحليل الكهربائي. وفي السبعينات تم إنشاء مصنعين هما: الدلتا بطلخا، وأبو قير في الإسكندرية، ويتم فيهما استخدام الغاز الطبيعي لإنتاج الأمونيا ومنها اليوريا. أعقب ذلك موجة من مصانع الأسمدة. 

إلا أنه نتيجة تقادم مصنع كيما، أُعيد تأهيل شركة كيما للأسمدة (الأمونيا-اليوريا) بمحافظة أسوان نهاية ديسمبر الماضي، لذا أُقيم مشروع كيما (2) والذي تبلغ تكلفته الاستثمارية نحو 12 مليار جنيه، وتحولت شركة كيما من شركة صدر لها قرار بالإغلاق في عام 2003 بسبب الخسائر المتراكمة وعدم جدوى تشغيلها، إلى شركة تستهدف تحقيق أرباح من بعد الخسائر المتراكمة بالاستمرارية في الإنتاج والتشغيل. وتقدر الطاقة الإنتاجية للمشروع 1200 طن من الأمونيا و1575 طن يوريا يوميًا. 

على المستوى الكلي، وفر المشروع الجديد 150 ميجاوات/ ساعة من الكهرباء المستخدمة في عملية الإنتاج، وتطرح الشركة 55% من إنتاجها لوزارة الزراعة، فيما يتم توجيه أغلب صادرات المصنع الجديد إلى أفريقيا والهند.

وعلاوة على ذك، هناك مشروعات أخرى تحت التطوير والإنشاء بقطاع صناعة الأسمدة، فمن المقرر إنشاء وحدة جديدة بمصنع كيما لتصنيع حمض النيتريك ونترات الأمونيا بتكلفة تقديرية 250 مليون جنيه، وإنشاء وحدة جديدة لإنتاج الأمونيا باستخدام التحليل الكهربي بتكنولوجيا Green Amonia بطاقة إنتاجية تبلغ 600 طن/يوم. كذلك إنشاء وحدة جديدة بمصنع الدلتا لإنتاج الأمونيا باستخدام الغاز الطبيعي بطاقة إنتاجية 1200 طن/يوم.  وكذلك إنشاء وحدة جديدة بمصنع النصر لإنتاج الأمونيا باستخدام التحليل الكهربي بتكنولوجيا جديدة موفرة لـ60% من استهلاك الكهرباء، وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمصنع حوالي 1200 طن/يوم بالتعاون مع القطاع الخاص. 

وتم افتتاح مجمع الأسمدة الفوسفاتية بالعين السخنة، في أغسطس 2019، لإنتاج سماد الفوسفات؛ لزيادة الإنتاجية التي تمكن الدولة من تصديرها للخارج على هيئة منتج نهائي؛ بعد توافر المادة الخام. وتبلغ مساحة المجمع 400 فدان، وضم المجمع 9 مصانع لانتاج أنواع مختلفة من الأسمدة، ويتيح 21500 فرصة عمل.

وتشمل الاستثمارات الرئيسة بقطاع صناعة الأسمدة النيتروجينية، مجمع الأسمدة الجديد الذي تقوم شركة تيسنكروب الألمانية ببنائه لصالح شركة النصر للكيماويات الوسيطة. ومن المتوقع أن يبدأ المجمع في الإنتاج خلال عام 2022. ووقعت شركة ستامي كاربون الهولندية المطورة لمصانع الأسمدة عقدًا مع شركة أبو قير للأسمدة في أبريل لتجديد أحد مصانع صهر اليوريا، والمتوقع أن يبدأ تشغيله في عام 2025. ورغم توسع صناعة الأسمدة النيتروجينية خلال الفترة الأخيرة، إلا أن الأسمدة الفوسفاتية (من الفوسفات والبوتاس) كانت على نفس المنوال.

وبالنظر إلى حجم الإنتاجية المصرية من الأسمدة، نجد أن مصر تنتج الأنواع الثلاثة من الأسمدة، ويبلغ إنتاج مصر من الأسمدة النيتروجينية (اليوريا، ونترات الأمونيا) 7.8 مليون طن، فيما يبلغ إنتاج الأسمدة الفوسفاتية حوالي 3.4 مليون طن، ليبلغ إجمالي الإنتاج 11.2 مليون طن. ويتم الإنتاج بالاعتماد على الغاز الطبيعي، والتحليل الكهربائي، وفقًا لتصريحات وزير قطاع الأعمال العام هشام توفيق ديسمبر الماضي. 

وتعد مصر هي سادس منتج لسماد اليوريا على مستوى العالم في عام 2020؛ بإجمالي إنتاجية يقدر بـ 6.7 مليون طن. وكذا تعد خامس مصدر لليوريا عالميًا بإجمالي 3.8 مليون طن. إذ يبلغ الاستهلاك المحلي من اليوريا 2.9 مليون طن. وبلغ الإنتاج المحلي من نترات الأمونيا 1.1 مليون طن، وتم استهلاك 1 مليون طن منها محليًا. ويبلغ الإنتاج المحلي التقديري من السماد البلدي عام 2019 حوالي 152.1 مليون متر مكعب.

وتصنف صناعة الأسمدة في مصر كواحدة من أكبر 10 أسواق في العالم لتصدير الأسمدة، حسب قول وزيرة التجارة والصناعة نيفين جامع. فتمثل صادرات مصر من الأسمدة ما يقارب 9% من إجمالي الصادرات. وتشارك 9 مصانع رئيسة في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، 2 منها تابعة للقطاع الخاص بإجمالي إنتاجية 28%. وبلغت قيمة الصادرات من الأسمدة عام 2020 حوالي 1.44 مليار دولار مقابل 1.36 مليار دولار خلال 2019. 

وخلال 2020، قفزت صادرات مصر من الأسمدة العضوية بنسبة 358% لتسجل 1.5 مليون دولار، مقابل 0.3 مليون دولار في 2019، فيما قدرت الواردات المصرية من الأسمدة 208.5 مليون دولار عام 2020 لتنخفض مقارنة بواردات عام 2019 والتي بلغت 210.16 مليون دولار.

وتعد الأسمدة النيتروجينية أكثر الأنواع تصديرًا من الجانب المصري، وبلغ حجم الصادرات منها عام 2020 حوالي 5.03 مليون طن بقيمة تبلغ 1.157 مليار دولار. وكانت أكثر الواردات المصرية من الأسمدة من نوع الأسمدة المهيأة بإجمالي كمية يبلغ حوالي 200.3 ألف طن، تليها الأسمدة البوتاسية بإجمالي كمية يبلغ 152.9 ألف طن. 

وتحظى الصادرات المصرية من الأسمدة إجمالًا بميزة تنافسية تقدر بحوالي 58.8%، وتعد الأسمدة المعدنية الفوسفاتية أكثر الأنواع التي تحظى بميزة تنافسية بين أنواع الأسمدة المصرية المتاحة للتصدير، يليها نوع اليوريا، وذلك وفقًا لدراسة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة في أغسطس 2021 حول قياس تنافسية الصادرات والواردات المصرية عام 2018.

ورغم توافر غالبية الاحتياجات من الأسمدة محليًا ويتم تصدير الفائض إلى الخارج، إلا أنه في بعض الأحيان تتصدر على المشهد أزمة بدعوى عدم وجود أسمدة، أو ارتفاع أسعارها. وهو ما يدفعنا إلى التدقيق في حجم الاستهلاك الداخلي وكيفية تأمين المخزون الداخلي. 

يعمل في قطاع الأسمدة، نحو 13 شركة أغلبها شركات حكومية. وتسمح الحكومة لمصانع الأسمدة بالتصدير بعد الوفاء بالتزاماتها تجاه السوق المحلي، من خلال توريد نحو 55% من الإنتاج لصالح الجهات المسوقة للأسمدة التابعة لوزارة الزراعة، وتعادل تلك النسبة حوالي 3.7 مليون طن سنويًا، تغطي احتياجات السوق المحلي وتلبي احتياجات المزارعين بسعر يصل إلى 4500 جنيه للطن، وكان سعر طن الأسمدة المدعمة –لأصحاب الأحوزة أقل من 25 فدانًا- يتراوح بين 3190 و3290 جنيهًا، بنسبة زيادة حوالي 37%.

D:\هبة\مرصد\نوعي\الأسمدة\Capture3 متوسط السعر.PNG

ولم تشهد أسعار الأسمدة الكيماوية محليًا تغيرات كبيرة بين العامين 2019 و2020، فكانت أقصى نسبة تغير بزيادة الأسعار تبلغ حوالي 21.68% لصنف اليوريا، فيما تناقصت أسعار نترات الامونيوم النقية بحوالي 22% خلال عام 2020. 

وتلزم الحكومة الشركات بضخ نسبة الـ 10% من انتاجها للبيع بالسعر الحر في السوق المحلية؛ لتلبية احتياجات الشركات والمزارع الكبرى ذات المساحات الكبيرة، ولضمان توافر الأسمدة بالسوق المحلية. إلا أنه في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار العالمية للسماد، فالأمر قد يتطلب مزيدًا من الدعم لأصحاب الأحوزة الأكثر من 25 فدانًا والتي قد تعاني حاليًا من أزمة في الحصول على الأسمدة، لاسيما في ظل الأزمة العالمية الأخيرة. 

ذلك خاصة وأن أزمة عدم توافر السماد أحد أسبابها كان يتمحور في عدم إعلان الإنتاجية الحقيقية للشركات، ومن ثم عدم توريد الكمية كاملة؛ فوفقًا لتحقيق لجريدة الأهرام، في نوفمبر الماضي، أرجع السبب إلى ارتفاع نسبة ما يتم تصديره من أسمدة سنويًا من 45% إلى 70 % من إجمالى ما يتم إنتاجه والذى يصل حجمه إلى 21 مليون طن، فيما يتم توجيه 30 % فقط إلى السوق المحلية؛ مع قيام الشركات بدفع غرامة رسم الصادر الذى أقرته وزارة التجارة والصناعة، والبالغ 2500 جنيه لكل طن يصدر فوق نسبة الـ 55% التى أقرها مجلس الوزراء للأسواق المحلية. 

وذلك نتيجة ارتفاع السعر العالمى لطن الأسمدة الأزوتية إلى حوالي 14 ألف جنيه، وبينما يقدر السعر المحلى 2900 جنيه، بزيادة تقدر بـ 300 % والفارق الكبير بين السعرين، مما أدى إلى زيادة نسبة شحنات التصدير من 45% إلى 75%. الأمر الذي يدفع الأسعار إلى الارتفاع في بعض الأحيان بزيادة تعدت حاجز الـ 400 جنيه للطن الواحد، بعد زيادة الطلب عليها نتيجة لنقص المعروض بالأسواق والجمعيات التعاونية.

لذا لضمان توريد الحصة المقررة، ووصول الدعم لمستحقيه، تقرر التزام وزارة البترول والثروة المعدنية بموافاة وزارة الزراعة وإستصلاح الأراضى ببيان شهري حول كمية الغاز الطبيعي التي تم استخدامها في عملية انتاج الأسمدة؛ لمعرفة حجم الإنتاج الفعلي للشركات شهريًا، والذي على أساسه يتم تحديد الحصة الواجب ضخها فى السوق المحلية.

ولمزيد من ضبط سوق الأسمدة وتنظيم عمليات التصدير، رفعت وزارة التجارة الرسوم المفروضة على صادرات الأسمدة النيتروجينية مرتين العام الماضي؛ في محاولة لإبطاء وتيرة تصدير الإنتاج إلى الخارج وسط ارتفاع الأسعار العالمية بهدف تأمين الإمدادات المحلية. فيتعين على الشركات حاليا دفع 2500 جنيه لتصدير طن من الأسمدة النيتروجينية حتى منتصف عام 2022، ارتفاعا من 550  جنيها في بداية العام الماضي. 

وهو ما يطمئنا حول وجود إنتاج كافٍ محليًا، ووجود الإجراءات المنظمة الكافية للحفاظ على توفير احتياجات السوق المحلي، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار العالمي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان هناك فرص مصرية لزيادة معدلات التصدير، وهل هناك سبل لتوفير حجم المستهلك داخليًا، وزيادة المعروض للتصدير الخارجي والاستفادة من ارتفاعات الأسعار العالمية في توفير العملات الأجنبية. 

فعن ترشيد استهلاك الأسمدة، أكدت الدراسات أن الأسمدة الحيوية أثبتت قدرتها على رفع إنتاجية المحاصيل الزراعية فى أكثر من 18 محافظة على مستوى الجمهورية. وأكدت دراسات وزارة الزراعة أن نظم الرى الحديث توفر نحو ٢٠ % من استهلاك السماد، وأن نتائج الأبحاث أكدت أن استخدام الأسمدة الحيوية يوفر نحو 50% من الأسمدة الكيماوية، وهو ما يعد بمثابة ميزة مزدوجة للزراعة المصرية، لما يمثله استخدام نظم الري الحديث من موفر للمياه والأسمدة على حد سواء.

ويمتلك القطاع ميزة تنافسية تتمثل في البنية التحتية المتطورة، ووفرة من المواد الخام، واحتياطي من الغاز الطبيعي بعد أن حققت مصر الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي في 2018 بفضل التوسع في الاكتشافات خلال الأعوام الأخيرة. والأوضاع الحالية قد تتطلب بعضًا من الإجراءات الاستثنائية فيما يخص تسعير الغاز للمصانع لدعم زيادة الإنتاجية، وتشجيع التصدير للخارج. ما يعكس مؤشرات بمعدل نمو واعد في الاستثمار وعدد الشركات ومساهمته في التوظيف ومعدل نمو الصادرات والناتج المحلي الإجمالي؛ خاصة في ظل ارتفاع الأسعار العالمي هذه الآونة، مع الاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة الموقعة بين مصر وعدد كبير من الدول والتكتلات الاقتصادية. 

ويرى خبراء أن السوق المصرية تشكل فرصة لاستقبال مزيد من الاستثمارات في صناعة الأسمدة، آخذين في الحسبان التعافي المحتمل والمتدرج محليًا وعالميًا جراء أزمة كورونا والتي تسببت في تأثر القطاع بإلغاء عدد من الطلبيات التصديرية.

وتعد السوق الافريقية من الأسواق الواعدة للمنتجات المصرية، وسبق أن أعلن خالد أبو المكارم رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة، في يونيو الماضي، عن خطة التحرك للسوق الأفريقية خلال السنوات الثلاثة من 2021- 2023، وتتضمن أهم المعوقات والتحديات للنفاذ للسوق الافريقي وكيفية التغلب على هذه التحديات على مستوى كل دولة من الدول المستهدفة (تنزانيا- جيبوتي- كوت ديفوار)، من خلال تفعيل وتطبيق اتفاقية afcftal وإنشاء مقار تجارية دائمة للبضاعة، وتسيير خطوط ملاحية منتظمة مع الدول المستهدفة.

ويرجح هذه الرؤية تقرير وكالة فيتش صادر في 14 يونيو 2021، يتوقع أن الإنتاج والصادرات في قطاع الأسمدة المصري سيستمران في الزيادة حتى عام 2025، على الرغم من الزيادات الأخيرة في رسوم التصدير؛ إذ ستتمكن الشركات من زيادة صادراتها بفضل استقرار الاستهلاك المحلي وزيادة الإنتاج، لا سيما إلى مناطق أفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. 

خاصة وأن الاتحاد الأوروبى رصد أزمات إنتاج الأسمدة الأزوتية وارتفاع تكاليفها وتأثيراتها الضارة على التربة الزراعية والمحاصيل، فتم منع استخدامها، وأصدرت الدول الأوروبية أول قانون يجرم إستخدام الأسمدة الأزوتية وينظم استخدام الأٍسمدة العضوية، حيث نصت المادة 194 منه على حظر استخدام «اليوريا وسلفات النشادر والنترات والبوتاسيوم» فى تسميد المحاصيل. إلا أنه مع هذه الأزمة الأخيرة فالسوق أصبحت أرحب للأسمدة المصرية. 

ختامًا، فإن تداعيات الوباء على الاقتصاد العالمي قد أبرزت أهمية تطبيق سياسات الأمن الغذائي والتنمية الزراعية للمساعدة في التغلب على الآثار السلبية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. وقد تداركت مصر هذا الأمر خلال السنوات الأخيرة واتخذت بعض الخطى في سبيل تحقيق هذا، والآن هي لديها فرصة جيدة لتتبوأ مكانة أعلى بين مصدري الأسمدة حول العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى