دول المغرب العربي

هل يقود حل البرلمان إلى تعقيد المشهد التونسي؟

أعلن الرئيس قيس سعيد حل البرلمان التونسي في تونس في 30 مارس 2022، وفقًا للفصل 72 من الدستور التونسي ومضمونه” رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام الدستور”، وذلك ردًا على محاولة انقلابية من راشد الغنوشي رئيس البرلمان المنحل لعقد جلسة افتراضية للبرلمان الذي كانت مجمدة أعماله، حضرها 121 نائب من أصل 217؛ في محاولة لإلغاء الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو 2021، من حيث تجميد اختصاصات المجلس النيابي، ورفع الحصانة عن أعضائه، وإعفاء رئيس الحكومة من منصبه، واستكمالًا لهذا المسار أعلن الرئيس قيس سعيد في 13 ديسمبر 2021 عن مجموعة من الإجراءات بمثابة خارطة طريق لهذه المرحلة، والتي تضمنت: استمرار تعليق المجلس النيابي إلى تاريخ تنظيم انتخابات جديدة، بالإضافة إلى تنظيم استشارات إلكترونية وبعدها استفتاء على التعديلات الدستورية في 25 يوليو2022 في ذكرى إعلان الجمهورية، وإجراء انتخابات تشريعية وفقًا لقانون انتخابي جديد في 17 ديسمبر 2022.

السياق العام

بالنظر إلى السياق العام في تونس نجد نتائج الاستشارات الإلكترونية التي أغلقت في 20 مارس، ومشاركة المواطنين بها لاقتراح أفكار وتطوير رؤى جديدة فيما يتعلق بالنظام السياسي والانتخابي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي في تونس، تمخض عن نتائج هذه الاستشارات في 30 مارس وعي واهتمام المواطنين بالشأن العام في تونس، ومثلت نسبة من أيدوا أن تكون تونس دولة القانون 70.4%.

وفيما يتعلق بالشأن السياسي والانتخابي؛ فإن 86.4% يفضلون النظام الرئاسي في تونس، وأيد 70.7% نظام الاقتراع على الأفراد، بينما فضل نظام الاقتراع على القائمة 21.8% من المواطنين. وفى إجابة عن تساؤل خاص بسحب الوكالة من النائب الذي لم يعد يتمتع بثقة الأغلبية قبل انتهاء الفترة النيابية وافق حوالي 92.2% من المواطنين، بينما رفض حوالي 4.7%. تزامنت نتائج هذه الاستشارات الإلكترونية مع قرار الرئيس بحل البرلمان، وهو ما يعكس حالة فقدان ثقة المواطنين في البرلمان المنحل، وتأييدهم لقرارات قيس سعيد من حيث سحب الثقة من النواب.

واستكمالًا لنتائج الاستشارات فيما يتعلق بأهم الإصلاحات التي يجب القيام بها لتطوير الحياة السياسية في تونس، نجد أن المواطنين الذين يرغبون في تعديل القانون الانتخابي مثلّوا حوالي 60.8%، ومن رغبوا في تعديل قانون الأحزاب مثلوا نحو 44.4%، وحوالي 38% رغبوا في تعديل الدستور، و26.5% مؤيدون لتعديل قانون الجمعيات. 

أما فيما يخص الشأن القضائي، حول الإجابة عن سؤال هل القضاء في تنظيمه الحالي يحقق العدالة المنشودة، فإن حوالي 75.7% رفضوا ذلك، بينما وافق حوالي 18.1%. ووافق حوالي 80.7% على أن تتولى الدولة في تونس وحدها تنظيم الشؤون الدينية، بينما رفض حوالي 13.8%. 

وفيما يتعلق بالشأن الاقتصادي، فإن هناك 75.1% أيدوا حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية على المستوى المحلى، بينما رفض حوالي 21.0% ذلك. وحول أسباب الركود الاقتصادي حوالي 54.1% رأوا أن ذلك بسبب الرشوة والمحسوبية، و53.1% رأوا أن السبب غياب مشروع تنموي شامل وعادل.

وحول القطاعات الأكثر قدرة على النهوض بالتنمية، فإن حوالي 67.9% أيدوا الفلاحة، بينما 38.5% أيدوا الصناعات المعملية. وفيما يتعلق بالعراقيل التي تعيق المشروعات في تونس رأى 57.4% أن ذلك بسبب صعوبة الحصول على التراخيص وتعقيد الإجراءات الإدارية، بينما مثل من يرى صعوبة الحصول على التمويلات حوالي 56.5%، ومثل من رأوا أن الفساد أحد العراقيل نحو 35.8%.

وفيما يتعلق بالشأن الاجتماعي، رأى نحو 63.2% من المواطنين أن المؤسسات والمنشآت العمومية لا تقوم بدورها في تحقيق حاجات المواطنين، بينما أيد حوالي 33.4% دور هذه المؤسسات في تحقيق احتياجات المواطنين، وحوالي 63.7% رأوا أن المشاكل التي تواجه الأسرة في تونس هي مشاكل مالية، وآخرون رأوا أن المشاكل التي تواجهها الدولة هي المشاكل الصحية ومثّل هؤلاء نحو 18.2%.

فيما يتعلق بقطاع التنمية المستدامة والأولويات في مجال الطاقة، يرغب 61.9% في إدراج الطاقات المتجددة، وأيد حوالي 65.4% تحسين جودة المياه وأنها الأولوية الأولى بالنسبة لهم، وحوالي 56.90% أيدوا تثمين المنتجات الفلاحية المحلية. وفيما يتعلق بالإجراءات التي يجب اتخاذها لتحسين الخدمات الصحية هناك 80.5% أيدوا تجهيز المؤسسات الصحية بالمعدات اللازمة. وحول جودة خدمات النقل العمومي هناك 58.3% رأوا نقص في وسائل النقل.

 أما ما يخص جودة الخدمات الإدارية الإلكترونية نحو 42.9% رأوا انقطاع متكرر للخدمات و40.6% رأوا قلة الخدمات المتوفرة على الخط، وحول الشأن التعليمي والثقافي هناك حوالي 62.6% رأوا أن المحتوى والمناهج التعليمية غير الملائمة، هي من أهم المشاكل التي تواجه المنظومة التعليمية في تونس.

ردود الفعل 

هناك ردود فعل غاضبة من قرار حل البرلمان، وعلى رأسها بيان حركة النهضة الرافض لقرار الحل واعتباره غير دستوري، بالإضافة إلى توالى التصريحات من قبل راشد الغنوشي الذي أكد مواصلة نشاط إنقاذ تونس، حيث يبعث برسالة مفادها أنه عازم على تنازع الشرعية، والتصعيد وعدم الاستسلام عن السلطة. وكذا، رفض أحد القيادات في النهضة محسن السوداني للقرار، وقال إنه سيسهم في تعقيد المشهد السياسي، ووصفه بقرار سياسي وغير دستوري. 

وأبدت الولايات المتحدة قلقًا من حل البرلمان بشكل أحادي، واتخاذ إجراءات قانونية ضد أعضاء البرلمان، مؤكدة على ضرورة إتمام عملية الإصلاح السياسي بالتنسيق مع الأحزاب السياسية والنقابات العمالية وذلك وفقا لتصريحات المتحدث باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس. وهو أمر طبيعي بعد الزيارة الأخيرة التي قامت بها مساعدة وزير الخارجية الأمريكي لتونس في 23 مارس، حيث ترغب الإدارة الأمريكية برئاسة جو بايدن في إيصال رسالة مهمة إلى الرئيس قيس سعيد بأنه ليس الطرف الوحيد في هذه الأزمة، وأن هناك أطرافًا وفاعلين آخرين يجب الحوار معهم، وفي الوقت نفسه وجود دور لهم في حل الأزمة، حيث عقد عزرا زيا لقاءات مع عدد من المسؤولين الحكوميين، والنشطاء العاملين في مجال حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني.

من ناحية أخرى، أيد بعض النواب والأحزاب قرار الرئيس بحل البرلمان لحل الأزمة السياسية في تونس، وعدّوا قرار الحل انه كان واجبًا اتخاذه، وقد طالبوا بتنفيذه منذ فترة وعلى رأسهم عبير موسى رئيسة الحزب الدستوري الحر. وكذلك أيد الاتحاد العام التونسي للشغل، قرار الرئيس بحل البرلمان، ولم يعد هناك ضرورة لاستمرار المجلس النيابي المجمدة أعماله لأنه أعطى صورة سيئة تعكس فساد الحياة السياسية، ورفض البيان اللجوء إلى الاستقواء بالدول الأجنبية والتخطيط لمغامرة تفتيت الدولة والدفع بها إلى المجهول، مؤكدًا على أن قرار الحل فرصة لاستعادة الثقة وطمأنة الشعب واسترجاع الأمل لتصحيح المسار، من خلال حوار شامل بين القوى الوطنية والديمقراطية، وذلك وفقا لبيان المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل في 31 مارس.

ملاحظات أساسية:

  • لن يكون حل البرلمان إشكالية في ظل التوافق الشعبي الذي أسهم في الاستشارات الإلكترونية واصطفافه مع الرئيس قيس سعيد، بالرغم من التصعيد الحادث بين الرئيس من ناحية، والبرلمان المنحل من ناحية أخرى، إلا أن هناك تفاعلًا من جانب عدد كبير من المواطنين في تونس مع خارطة الطريق التي وضعها قيس سعيد من حيث بدء الاستشارات الإلكترونية، ثم اختيار لجنة لصياغة والاستفتاء على التعديلات الدستورية، ثم عقد انتخابات برلمانية. وقد أشارت لذلك تصريحات قيس سعيد خلال اجتماعه مع رئيسة الحكومة نجلاء بودن، وخلال اجتماعه في مجلس الأمن القومي في 30 مارس، بالإضافة إلى استناد الرئيس إلى النص الدستوري من حيث أن رئيس الدولة هو الضامن لاستقلاليتها وأمنها القومي، ويرغب في إنقاذها من النخب السياسية الفاسدة.
  • قد يمثل حل البرلمان إشكالية في حالة المناورات التي ستتبعها النهضة داخل تونس، لعرقلة الخطوات التي يتخذها الرئيس قيس سعيد، خاصة في حالة دعمها من الخارج والضغط من قبل الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة في ملفي القروض والمساعدات وحقوق الإنسان، وأن تحاول النهضة اتباع السلوك المعتاد للعنف، أو سعيها لتشكيل تحالفات تمكنها من الانخراط في المشهد مرة أخرى خلال الانتخابات القادمة، أو عرقلة مسار الإصلاح الذي تنتهجه تونس من خلال تأجيج المظاهرات في الشارع في ظل الأزمة الاقتصادية.
  • من المحتمل احتواء ردود الفعل الغاضبة من قبل الرئيس قيس سعيد، إذ ألقى خطابًا في ذكرى عيد الاستقلال السادس والستين للدولة، وأشار فيه إلى أنه سيتم إجراء حوار وطني عبر إشراك الجميع فيه، وتأكيده بعد قرار حل البرلمان أن من يسلك العنف سوف يواجه بالرد. لكن يبقى من الشروط الأساسية لنجاح استحقاقات المرحلة القادمة من حيث الانتخابات والاستفتاء على التعديلات الدستورية، العمل على تنفيذ تعديل في قانون الانتخابات كما أيده البعض في الاستشارات الإلكترونية، بحيث تفرز الانتخابات أغلبية قادرة على تشكيل الحكومة دون وجود تحالفات مضادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى