أفريقيا

التقارب الجيبوتي-الإثيوبي… الأبعاد والدلالات

تحمل زيارة الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلة إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في 27 مارس 2022، والتي استغرقت يومين، دلالات مُهمة في ضوء التوقيت الحرج الذي تشهد فيه منطقة القرن الإفريقي توترات تهدّد استقرار المنطقة. ويتناول هذا التقرير أبرز ما جاء في هذه المُباحثات، ودلالات هذه الزيارة.

أجندة المُباحثات

بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن الجانبين الإثيوبي والجيبوتي خلال الزيارة، نجد أن المُباحثات قد تناولت العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المُشترك، وكذلك بحث سبل تعزيز الاستثمارات والاتفاقيات الُمشتركة بين الجانبين في البنية التحتية، بما في ذلك السكك الحديدية والطرق والمياه والاتصالات والكهرباء. ونجد أن هذه البيانات الرسمية مُقتضبة لم تعط تفاصيل بشأن ماذا جرى في اللقاء الثنائي الذي جمع الرئيس الجيبوتي ورئيس الوزراء الإثيوبي، وهو ما يدفعنا إلى تناول أبعاد العلاقات الجيبوتية- الإثيوبية والقضايا ذات الاهتمام المُشترك بين البلدين، ويُمكن توضيح ذلك على النحو التالي:  

  •  البعد الجغرافي: بلا شك أن جيبوتي دولة تتمتع بأهمية استراتيجية بحكم الموقع التي تنفرد به، فهي تقع على الشاطئ الغربي لمضيق باب المندب، وتطل شرقًا على البحر الأحمر وخليج عدن. وبحكم موقعها ترتبط بعدد من الممرات المائية الحيوية التي تعد حلقة الوصل بالنسبة للتجارة الدولية بين قارات العالم، مثل البحر الأحمر الذي تتزايد أهميته كونه يمر عبره 13%-15% من حجم التجارة العالمية، فهو ممر تجاري مهم للعديد من السلع الاستراتيجية مثل النفط والغاز.  بينما نجد أن إثيوبيا دولة حبيسة ليس لها شواطئ على البحار، وهو ما يعطى ميزة نسيبة لدولة جيبوتي، ويعطيها ثُقلًا استراتيجيًا، وحسابات للموقع الجغرافي يدركها صانع القرار الإثيوبي للحفاظ على علاقات ودية مع جيبوتي.
  • التعاون الاقتصادي: تُعدّ جيبوتي المنفذ البحري الرئيس لإثيوبيا الحبيسة، وتعتمد إثيوبيا على موانئها بنسبة 95% في تجارتها البحرية، بما يمثّل 70% من النشاط الاقتصادي لميناء جيبوتي. وبالإضافة إلى خدمات الموانئ، هناك تكامل اقتصادي بين البلدين؛ إذ تحصل إثيوبيا على خدمات الإنترنت من جيبوتي، فيما تحصل جيبوتي من إثيوبيا على الكهرباء والمياه والخضروات والفواكه. وهو ما يعنى أن جيبوتي تعتمد على إثيوبيا في الخدمات الأساسية. ومن الجدير بالذكر أن، هناك خطّ سكك حديدية يربط بين البلدين افتُتح عام 2017، وبتمويل صيني بنسبة 70٪. وتأتى أهمية السكك الحديدية في كونها تلعب دورًا مهمًا في تسهيل حركة نقل البضائع والخدمات، وتقوية العلاقات بين شعبي البلدين.

بالإضافة إلى ما سبق، كان هناك حرص من الجانب الجيبوتي خلال هذه الزيارة على إجراء مُباحثات بين رئيس هيئة الموانئ والمناطق الحرة في جيبوتي والرئيس التنفيذي لشركة إثيوبيا للاستثمار القابضة؛ وذلك بهدف تعزيز التكامل الإقليمي بين البلدين من خلال الاستثمار في مجال البنية التحتية. 

ومن خلال الاستعراض السابق، يتضح لنا أن من مصلحة جيبوتي أن تكون هناك علاقات قوية مع إثيوبيا؛ إذ يرتكز الاقتصاد الجيبوتي على قطاع الخدمات، بجانب أن 85٪ من الناتج المحلي الإجمالي يأتي من هذ القطاع. ويمكن أن نفهم من هذا المؤشر الاقتصادي أن أي توتر في العلاقات الثنائية بين البلدين، سيؤثر بالسلب على الاقتصاد الجيبوتي، ويأتي ذلك في ضوء الاستراتيجية التي قامت بها إثيوبيا لتنويع منافذها البحرية التي تعتمد عليها في استيراد وتصدير المنتجات مثل موانئ بربرة بأرض الصومال، فقد اشترت إثيوبيا حصة 19٪ في ميناء بربرة في أرض الصومال وميناء عصب بإريتريا.  

  • التعاون العسكري: نجد أن أبرز تعاون عسكري تم بين البلدين قد حدث مطلع شهر مارس 2022، فقد التقى رؤساء أركان الدفاع الإثيوبي والجيبوتي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وقد تمخَّض عن هذا اللقاء الاتفاق على تعزيز العلاقات بين البلدين فيما يتعلق بالنواحي الأمنية، وشهد الاجتماع توقيع اتفاقات حول المراقبة المشتركة للحدود وتبادل المعلومات ومكافحة الإرهاب وحفظ السلام والتبادل الثقافي والتدريب. ويمكن تفسير هذا التعاون العسكري بين البلدين بأن منطقة القرن الإفريقي تعاني من تردّى الأوضاع الأمنية، ومن ثم سيسهم التقارب الجيبوتي-الإثيوبي في وضع روية مُشتركة لمواجهة التهديدات على المستوى الإقليمي.

دلالات التقارب 

في هذا الجزء من التقرير، يُمكن تقديم مُحاولة لتفهم التحركات الجيبوتية تجاه محيطها الإقليمي، والدوافع الإثيوبية للتقارب مع جيبوتي، لاسيما في ضوء هذا التوقيت بالغ الحساسية.

نجد أن مطلع شهر فبراير الماضي، كانت هناك زيارة للرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلة إلى مصر، عقد خلالها مباحثات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتم تبادل الرؤى بشأن أبرز الملفات المطروحة على الساحة الإقليمية، والاتفاق على تعزيز العلاقات الثنائية في كافة المجالات.

وفى أواخر شهر مارس 2022، جاءت زيارة رئيس جيبوتي إلى إثيوبيا لتعزيز العلاقات بين البلدين. وهنا يمكن تفسير التحركات الجيبوتية بأنها تريد إرسال رسالة مفادها أنها لا تنحاز لطرف على حساب الآخر، فكما نعلم أن هناك توتر في العلاقات الثنائية بين إثيوبيا ومصر بخصوص ملف سد النهضة، فضلًا عن أن جيبوتي تنتهج سياسة التوزان في علاقاتها بمحطيها الإقليمي، لتعظيم مكاسبها. ومن هنا يمكن تفسير رفض مندوب جيبوتي لدى جامعة الدول العربية التوقيع على قرار الجامعة بشأن سد النهضة الذي كان ينص على اعتبار أمن مصر والسودان المائي جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.

ويمكن قراءة دوافع سلوك جيبوتي فيما يتعلق بتوثيق علاقاتها بمصر كرد فعل لتنامي العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، وهو ما يخصم من نفوذ جيبوتي في المنطقة، وكذلك تدشين منظمة تعاون القرن الأفريقي في يناير 2020 بين كل من إثيوبيا وإريتريا والصومال. وفيما يتعلق بالجانب الإثيوبي، نجد أن إثيوبيا تستهدف من التقارب مع جيبوتي عددًا من الأهداف من أبرزها: إرسال رسالة لمصر بأنها لن تستطيع استمالة دولة مُجاورة لها، وعدم قبول النفوذ المصري في جيبوتي، وضمان إثيوبيا عدم وجود أي تهديد للنفاذ للموانئ الجيبوتية.

وليس من المُستغرب أن هناك طموح إثيوبيًا لإنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي؛ إذ ترغب إثيوبيا الحبيسة امتلاك منافذ على البحر، وهذا الطموح قد أعرب عنه رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في يونيو 2018؛ إذ تعهَّد ببناء قوات بحرية لبلده الحبيس، وهو ما يدفع إثيوبيا إلى تعزيز العلاقات مع جيبوتي.  

وفى الختام، يُمكن القول إن شرعية أي نظام سياسي تستند إلى تلبية احتياجات المواطنين وتعزيز القدرات الاقتصادية، ولذلك يُمكن تفسير دوافع التقارب الجيبوتي مع إثيوبيا لتحفيز نمو الاقتصاد الجيبوتي، الذي يرتكز بالأساس على قطاع الخدمات. ولا شك أن تدهور الأوضاع الأمنية في إثيوبيا على إثر اندلاع حرب تيجراي، قد انعكست على العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وهو ما اتضح من خلال تراجع معدل التجارة بين البلدين؛ بسبب تفاقم الاضطرابات في سلاسل التوريد بين البلدين. ويُسهم التقارب بين البلدين في ضوء الاستقرار النسبي الذي تشهده إثيوبيا واللقاءات على المستوى الرئاسي تنشيط التعاون الاقتصادي، والتفاهم بشأن قضايا منطقة القرن الإفريقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى