الأزمة الأوكرانية

دراسة في عقوبات روسيا والغرب.. “نِدية” تقود العالم إلى حافة الانهيار

بدأ مصطلح “العقوبات” يتخذ شكلًا أكثر شيوعًا على صفحات الإعلام الدولي منذ بدايات 2014 بتاريخ ضم شبه جزيرة القرم، عندما عكف الغرب بقيادة الولايات المتحدة على تنفيذ ما يندرج تحت بند المجموعة الأولى من العقوبات. وقد جاءت هذه العقوبات على هيئة موجات متتالية، تضمنت إجراءات متعددة تشتمل على: تجميد الأصول، وفرض قيود على التأشيرات الخاصة بالأفراد المُدرجين على قوائم العقوبات، ومنع أي تعاون يربط ما بين شركات غربية محددة وعدد من الأفراد أو الكيانات المملوكة لأفراد أسمائهم مدرجة على قائمة العقوبات. 

وشهدت الفترة ما بين “إبريل- مايو 2014” موجة توسعية لاحقة من العقوبات، على خلفية تفاقم الأوضاع في شرق أوكرانيا، بعد أن اتهم الغرب روسيا بارتكاب أفعال تهدف إلى تقويض وحدة الأراضي الأوكرانية، لاسيما من خلال تزويدها للمتمردين المناهضين للسلطة في كييف بالأسلحة. تلى ذلك، موجة العقوبات التي نتجت عن تحطم طائرة من طراز “بوينج 777″، في منطقة دونيتسك، بتاريخ 17 يوليو 2014، والتي -ووفقًا لما أوردته قيادات غربية وقتها- كانت ناجمة عن تحركات المتمردين المدعومين من روسيا. وفي عالم اليوم، يقود المشهد المتسارع إلى ضرورة استعراض العقوبات التي صدرت إما في صورة فعل أو رد فعل؛ بغرض طرح عدة تساؤلات قد تُفضي في نهاية المطاف إلى تقديم قراءة فيما وراء هذه العقوبات وما يرتبط بها من ردود فعل. 

العقوبات المشددة والحصار الغربي لموسكو

فيما بعد وخلال السنوات اللاحقة، تم تمديد العقوبات الغربية على روسيا عدة مرات، إما بسبب تسميم الجاسوس الروسي، “سيرجي سكريبال” وابنته خلال وجودهما في المملكة المتحدة بسم نوفيتشوك، أو بسبب تسميم السياسي المعارض “أليكسي نافالني”، في روسيا باستخدام نفس السم. غير أن إجمالي هذه العقوبات الاقتصادية المذكورة آنفًا، لم يكن –وفقًا لما أورده خبراء اقتصاديون- يرقى إلى أن يتم وصفه بأنها عقوبات قاتلة. لذلك من الأفضل الاكتفاء بوصفها بأنها عقوبات مؤلمة فقط؛ فقد أثبتت روسيا فيما بعد قدرتها على التأقلم معها والمضي قدمًا في تنفيذ وتطبيق الأهداف السياسية التي وضعتها القيادة الاستراتيجية.

بتاريخ 21 فبراير، خرج الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين”، ليُعلن على العالم قراره باستقلال جمهوريتي “لوهانسك”، و”دونيتسك” اللتين شهدتا حربًا مستعرة استمرت قرابة الستة أعوام. وبناءً على ذلك، خرج الرئيس الأمريكي، “جو بايدن”، 22 فبراير، مُعلنًا عن حزمة جديدة من العقوبات على روسيا، مؤكدًا أن الحزمة الأولى من العقوبات سوف تستهدف هذه المرة النخبة الروسية وعائلاتهم بعقوبات قاسية، بالإضافة إلى معاقبة أي كيانات تتعاون مع الجمهوريتين الجديدتين. 

وحذر “بايدن” موسكو، قائلًا “روسيا ستدف ثمنًا باهظًا إذا ما واصلت سلوكها”. مشيرًا إلى أن العقوبات ستعزل روسيا عن المنظومة المالية الغربية. وقال بايدن: “سنفرض عقوبات واسعة النطاق على الديون السيادية الروسية. وهذا يعني أنّنا نقطع الحكومة الروسية عن التمويل الغربي”. وقد اشتملت العقوبات، التي أعلن عنها “بايدن”، في تلك اللحظة، على إلغاء العمل مع خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2” القادم من روسيا، بالإضافة إلى عقوبات حظر شاملة على بنك “VEB ” الروسي، وأخرى على البنك العسكري الروسي، والديون السيادية الروسية. 

سُرعان ما تغير مسرح الأحداث الدولية بشكل بارز في أعقاب تنفيذ روسيا تحرك عسكري أطلق عليه الروس “عملية خاصة”، وأطلق عليه الغرب، “غزوًا روسيًا شامل لأوكرانيا”، في أواخر فبراير. ونتيجة لذلك، فرضت الولايات المتحدة بمساعدة الغرب موجة من العقوبات المشددة على روسيا، لم يسبق لها مثيل. امتدت العقوبات المشددة لتبلغ من فرط قوتها إلى مستوى حياة ورفاهية المواطن الروسي المعتاد على شراء المنتجات الغربية والتفاعل بكفاءة مع كل مستجدات واقع المجتمعات الأوروبية المتحضرة، ويرجع ذلك إلى تأثير العقوبات المباشر على قطاعات الاقتصاد المحلي الروسي. 

وطالت تلك العقوبات كذلك المجالات الرياضية والثقافية؛ مثال على ذلك، نجد أن شركة “والت ديزني” الأمريكية أوقفت بالفعل عروض أفلامها في روسيا. وحظر الاتحادات الدولية لعدد من الرياضات منها كرة القدم وهوكي الجليد مشاركة المنتخب الروسي في جميع المسابقات والفاعليات المقامة تحت رعايتها. وأغلق الاتحاد الأوروبي أجواءه أمام شركات النقل الروسية، وتعرضت بنوك روسية للفصل عن نظام الدفع الإلكتروني “سويفت”. 

وبتاريخ 26 فبراير، أعلن مجلس الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي فرض قيود تمس الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” شخصيًا، بالإضافة إلى عدد كبير من الشخصيات البارزة في دائرته المقربة، بدءًا من كبار رجال الدولة العاملين في الحكومة، وصولًا إلى أباطرة عالم المال والأعمال والصناعة، من المقربين لبوتين كذلك. وترافق ذلك، مع القيود التي أعلنتها بروكسل على صحفيين وإعلاميين روس، من ضمنهم “أركادي مامنتوف”، و”أنطون كراسوفسكي”، و”رومان بابيان”. وإجمالًا، من الأجدر القول إن الموجة الغربية الجديدة من العقوبات الروسية قد أثرت على قرابة 670 شخصية روسية. 

واستهدفت الولايات المتحدة في عقوباتها تجريد قطاعات الصناعة الروسية من العناصر التكنولوجية المهمة، ويفترض أن تتأثر بذلك بشكل مباشر قطاعات صناعية روسية استراتيجية مثل “المجمع الصناعي العسكري”، و”تصنيع الطائرات وبناء السفن”. وفي الوقت نفسه، أثرت القيود المالية والتكنولوجية القطاعية للاتحاد الأوروبي على 64 هيكلًا رئيسًا لروسيا، بما في ذلك الإدارة الرئاسية، ووزارة الدفاع، وجهاز المخابرات الخارجية والشركات العاملة في الصناعات العسكرية والطاقة وبناء الطائرات والقطاعات المالية.

بالإضافة إلى ذلك، طالت العقوبات نحو 113 كيانًا قانونيًا روسيًا؛ من ضمنها شركتي “أوبورنبروم” و”روسبورنوايكسبرت” الدفاعيتين، والشركات الصناعية الكُبرى مثل “سوخوي وتوبوليف”، وصواريخ “بروجرس”، ومركز الفضاء، ومنظمات “كلاشينكوف”، و”روستيك”، و”ألماظ-انتي”، و”اورالفجونزافود”، وغيرها. وحظر الاتحاد الأوروبي توريد منتجات عالية التقنية إلى روسيا، لا سيما أنظمة الاتصالات والإلكترونيات وأشباه الموصلات ومكونات الطيران والفضاء. بالإضافة إلى ذلك، تم فرض حظر على التأمين وصيانة البضائع المتعلقة بهذه الصناعات.

وامتدت العقوبات إلى عالم السيارات وما يتصل بها كذلك، فقد أوقفت شركة “دايملير تراك” الألمانية تعاونها مع “كاماز” الروسية، ولن يقوم مشروعهم المشترك بإنتاج شاحنات بعد الآن، وتوقف توريد المكونات الألمانية إلى “كاماز”. وأعلنت شركة “فورد” تعليق أنشطتها وعملياتها المشتركة مع “سوليرز” الروسية. وتناقلت تقارير إعلامية كذلك، تفاصيل إيقاف كُل من “بي.إم.دبليو” و”ميرسيدز.بنز”، ومجموعة “فولكس واجن”، و”أودي”، و”بورش” وغيرها من السيارات الرائدة غربية الصنع، بشكل مؤقت شحناتهم إلى روسيا. 

وكذلك أوقفت شركة “هاري ديفيدسون” الأمريكية توريد دراجاتها النارية. وأغلقت المتاجر السويسرية الشهيرة “أيكيا” أفرعها في روسيا. وتوقف منتجو البيرة التشيكيون عن التصدير إلى روسيا. وفرضت كوريا الجنوبية، في 28 فبراير، حظرًا على صادرات المواد الاستراتيجية إلى روسيا. وأعلن متاجر “أبل” و”سامسونج”، عبر الإنترنت، إيقاف بيع أجهزتها وإرسالها إلى روسيا بسبب استحالة توصيلها إلى العملاء. 

من ناحية أخرى، نرى أن هناك دورًا جادًا لعبته دول غير محسوبة جغرافيًا على الغرب، مثل اليابان التي حظرت –اعتبارًا من تاريخ 18 مارس- تصدير 275 سلعة إلى روسيا، تشتمل على قطع غيار مواصلات ورادارات، وأجهزة استشعار عن بعد، وماكينات ليزر، ومعدات اتصالات، وأجهزة تسجيل، وبرمجيات، ومكونات جرارات، ومحركات طائرات توربينية ومكوناتها، ومعدات تكرير نفط. 

إجراءات موسكو المُضادة للعقوبات

اتخذت موسكو عددًا من الإجراءات والقوانين الخاصة لمجابهة العقوبات الغربية على الصعيدين الداخلي والخارجي. وبوجه عام، جاءت الإجراءات الروسية بشكل تدريجي متتابع منذ بدء سيل العقوبات القاسية. فبتاريخ 28 فبراير، وقع بوتين مرسومًا بشأن إجراءات اقتصادية خاصة ردًا على ما وصفتها روسيا بأنها إجراءات غير ودية من الولايات المتحدة والدول الأجنبية والمنظمات المنضمة إليهم.

وبموجب ذلك المرسوم، يتم فرض قيود على إمكانية سحب العملة في الخارج. ويُفرض على المُصدرين الروس المنخرطين في شراكات مع اقتصادات أجنبية، بيع 80% من العملات الأجنبية المُقيدة في حساباتهم بدءًا من يناير 2022. واعتبارًا من 1 مارس، سيكون غير مسموح لأي جهة روسية تقديم قروض بالعملة الأجنبية لأي غير مقيم. واعتبارًا من التاريخ نفسه، لن يتمكن المقيمون من إيداع حساباتهم وودائعهم في البنوك الأجنبية والمؤسسات المالية الأخرى بالعملة الأجنبية، وكذلك تحويل الأموال من خلال وسائل الدفع الإلكترونية الأجنبية دون فتح حساب مصرفي. وبتاريخ 1 مارس، تم إصدار مرسوم خاص بشأن تطبيق تدابير اقتصادية مؤقتة، واشتمل هذا المرسوم على توفير المعاملات والقروض الائتمانية للأشخاص الحاملين لجنسية هذه الدول العدائية بالروبل الروسي. 

وبتاريخ 4 مارس، تم إجراء تعديلات على التشريعات التي توسع إمكانية تطبيق العقوبات على انتهاكات حقوق المواطنين الروس. ويستهدف هذا التشريع “منتهكي حقوق الروس” سواء من الولايات المتحدة او غيرها من الدول العدائية، بعقوبات مشددة، يندرج ضمنها مصادرة أصولهم المالية وحظر أي تعاملات مع ممتلكاتهم واستثماراتهم على الأراضي الروسية، وتعليق أنشطة كياناتهم على أراضي روسيا.

وبتاريخ 5 مارس، تم توقيع مرسوم بشأن الإجراءات المؤقتة لوفاء روسيا بالتزاماتها تجاه الدائنين الأجانب. ووفقًا لهذا المرسوم، يقوم الاتحاد الروسي بكل ما يندرج عنه من كيانات أو أشخاص، بالالتزام بسداد قروضهم وواجباتهم المالية لأي طرف غربي، كيان أو شخص، بسداد ما يعادل نفس القيمة لكن بالروبل. 

وبتاريخ 9 مارس، وقع الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين”، مرسومًا بشأن تطبيق تدابير اقتصادية خاصة في مجال النشاط الاقتصادي الأجنبي لضمان أمن روسيا وحسن سير الصناعة. وهو المرسوم الذي تم بموجبه فرض حظر وقيود على التصدير أو الاستيراد من وإلى روسيا بالنسبة لبعض المنتجات والمواد الخام المعتمدة في القوائم الحكومية، يستمر إلى 31 ديسمبر، ويشتمل هذا المرسوم على فرض حظر على واردات روسيا من القمح. 

فيما شهد اليوم نفسه، توقيع عدد من المراسيم اللاحقة، كان من ضمنها مرسوم بشأن إعفاء المواطنين الراغبين في استثمار أموالهم من خلال شراء سبائك معادن نفسية من ضريبة القيمة المضافة، بالإضافة إلى مراسيم قانونية تمس تعديلات ضريبية إضافية. وتقرر في التاريخ ذاته، إجراء تعديلات على تشريعات توزيع مخصصات الميزانية الفيدرالية والميزانيات الإقليمية، يتم بموجبه استخدم عائدات النفط والغاز الإضافية في الميزانية الاتحادية، في 2022، كبديل عن القروض الحكومية، بحيث يتم استخدامها في دعم التدابير الأخرى ذات الأولوية. 

وبتاريخ 11 مارس، تم توقيع مرسوم قانوني يُحظر بموجبه على شركات التأمين الروسية الدخول في معاملات مع شركات التأمين ووسطاء التأمين من الدول الغير صديقة. وبتاريخ 14 مارس، تم إجراء تعديلات على قانون الميزانية بهدف الوفاء بالتزامات الأجور وتسوية عواقب ارتفاع الأسعار لفئات السلع الأساسية. ويهدف هذا القانون إلى تزويد الكيانات المكونة للاتحاد الروسي والبلديات في تكوين احتياطات من أجل التسوية السريعة لعواقب ارتفاع أسعار السلع الأساسية، ومواد البناء، ولرأب الفجوات النقدية، والوفاء بالتزامات الإنفاق ذات الأولوية لكشوف المرتبات، وغيرها من الالتزامات الاجتماعية. وينص القانون الاتحادي على سحب ما يصل إلى 1 يناير 2023، مما يحد من مبلغ الأموال الاحتياطية للهيئات التنفيذية لسلطة الدولة (الإدارات المحلية)، والمحددة بنسبة 3% من إجمالي مبلغ النفقات المعتمدة بموجب القانون على الميزانية.

وشهد التاريخ ذاته، إدراج تعديلات على التشريعات الهادفة إلى ضمان التشغيل المستدام لمجتمع النقل الروسي. وهو المرسوم الذي يهدف إلى الحفاظ على الطائرات الأجنبية الموجودة بحوزة المشغلين الروس، وهو القانون الذي يمنح حكومة الاتحاد الروسي سلطة فرض قيود انتقامية على مركبات الدول الأجنبية التي تقيد دخول وسائل النقل الروسية إلى موانئها. علاوة على ذلك، فإن الحكومة الروسية تكون محولة بتنفيذ تفاصيل اتفاقيات عقود تأجير الطائرات الأجنبية، وتفاصيل حقوق هذه الطائرات والمعاملات الخاصة بها. 

وبتاريخ 16 مارس، تم إصدار مرسوم بشأن تدابير ضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وحماية سكان روسيا. وهو المرسوم الذي اشتمل على الكثير من البنود التي تحمي الشعب الروسي، ونختص منها بالذكر؛ اتخاذ تدابير إضافية لدعم فئات مختلفة من المواطنين الذين يجدون أنفسهم في وضع معيشي صعب مع وجود إمكانية لدفع مبالغ نقدية خاصة لهؤلاء، وضمان توافر الخدمات الاجتماعية للمواطنين، وإجراء مراقبة تشغيلية لأسعار التجزئة للسلع الأساسية والأدوية والأجهزة الطبية ومدى توافرها في المنظمات التجارية، وتنفيذ تدابير إضافية تهدف إلى القضاء على الطلب المتزايد على أنواع محددة من السلع والخدمات، وإجراء مراقبة تشغيلية للأوضاع في سوق العمل وتنفيذ تدابير لدعم توظيف السكان بشكل استباقي، وتزويد المنظمات وأصحاب المشاريع الفردية والمواطنين بتدابير دعم خاصة. 

فيما أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بتاريخ 23 مارس، عن قراره بشأن عدم قبول روسيا الحصول على قيمة إمداداتها من الغاز الذي يتم تصديره إلى دول غير صديقة إلا بالعملة الوطنية، وهي الروبل. وبتاريخ 26 مارس، تم إجراء تعديلات على بعض القوانين التشريعية فيما يتعلق بالعقوبات. ويتم بموجب هذا القانون، السماح باستيراد المنتجات الطبية إلى الأراضي الروسية، بالإضافة إلى إجراءات أخرى تتعلق باستيراد الأجهزة الطبية وبيع الأدوية داخل الاتحاد الروسي. 

نظرة تحليلية

لعبت الدبلوماسية الأمريكية دورًا رائدًا في تأجيج حدة العقوبات الغربية على موسكو. وتباعًا لذلك، من الممكن فهم العقوبات الغربية، إجمالًا، بأنها لا تهدف فقط إلى معاقبة الاقتصاد الروسي أو النظام الروسي بحد ذاته، لكنها في الأساس تسعى إلى معاقبة الشعب الروسي برمُته في صورته كأفراد، وهو ما نفهم منه، وجود رغبة قوية لدى الغرب في تأجيج ظاهرة “الروسوفوبيا” حول العالم من ناحية، وجعل المواطن الروسي يشعر وكأنه محاصر ومنبوذ من المجتمع الدولي، ومحروم من المنتجات الغربية الشهيرة، وكذا الحال بالنسبة للخدمات الغربية المعروفة والمحببة لدى الشعوب الأوروبية من ناحية أخرى. مما يُعزز من احتمالية خروج الحشود الروسية في احتجاجات واسعة النطاق، قد ينتج عنها، حدوث انقلاب تاريخي. 

وهناك احتمالات كبيرة لأن يكون السبب وراء العقوبات متجاوزًا فكرة معاقبة روسيا وثنيها عن غزوها لأوكرانيا إلى هدف آخر أوسع نطاقًا، وهو توفير كافة الظروف المهيأة لوقوع انقلاب على الرئيس الروسي. نرى دليلًا واضحًا على ذلك في تفقد طبيعة العقوبات المُشددة التي طالت من رجاله المقربين سواء من الحكومة أو من رجال الأعمال الروس، “الأوليجارشية”. 

وهو الموقف الذي يتسق أيضًا مع التصريحات الشهيرة والمثيرة للجدل للرئيس الأمريكي، جو بايدن، خلال خطابه من القلعة الملكية بالعاصمة البولندية وارسو، السبت 26 مارس، عندما توجه بكلماته إلى الشعب الروسي مباشرة. مؤكدًا أن الشعب الروسي ليس عدوًا للأمريكيين، وداعيًا إياه إلى تحميل الرئيس “بوتين” مسؤولية تعرض البلاد لعقوبات اقتصادية شديدة. معتمدًا على لغة خطابية عاطفية شديدة خلال حديثه الموجه للشعب الروسي، حيث قال، “أرفض تصديق فكرة أنكم تقبلون بقتل أطفال وأجداد أبرياء أو أنكم تقبلون بقصف روسي لمستشفيات ومدارس ومستشفيات توليد”. 

وأصدر “بايدن” تصريحًا، خلال الخطاب ذاته، فسرته صحف ومصادر إعلام أمريكية على اعتبار أنه دعوة صريحة من الرئيس الأمريكي لتغيير النظام في روسيا، لكن سرعان ما أصدر البيت الأبيض بيانًا لاحقًا يؤكد من خلاله نفي هذه المزاعم. ذلك بغض النظر عن أن التصريح، في الحقيقة، يُفهم للعين المجردة بأنه دعوة فعلية للشعب والمسؤولون الروس لحثهم على ضرورة الانقلاب على “بوتين” الذي باتوا جميعًا يخضعون لعقوبات مشددة بسببه. حيث قال بايدن، إن نظيره الروسي، “لا يمكنه البقاء في السلطة”.

وبهذه الطريقة نفهم من كل ما سبق، أن الأسباب الحقيقية وراء العقوبات المشددة التي طالت الجميع، ربما ليس مستهدفًا منها إنقاذ أوكرانيا أو القصاص لها بالفعل. بقدر ما يكون الهدف من ورائها هو النيل من الرئيس الروسي، وإسقاطه بشكل نهائي، وضمان نهاية تاريخية له تجعل منه عِبرة لأي شخص يتحدى الهيمنة الغربية أو النظام الدولي الأحادي القطب. 

من ناحية أخرى، وبقراءة متأنية لأبرز ملامح المراسيم القانونية الروسية المُضادة للعقوبات التي صدرت منذ الغزو، نجد أن المراسيم نفسها تنطوي على تكذيب لبيانات وأخبار تتداولها الصحافة الروسية باستمرار منذ تاريخ بدء الحرب. ومن ضمنها أيضًا مراسيم تُشير إلى وجود تداعيات حادة للحرب على الداخل الروسي. منها على سبيل المثال، مرسوم 14 مارس والمرسوم الصادر 16 مارس الخاص بتدابير ضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وهما اللذان يُشيران بوضوح إلى وجود ارتفاع حاد في أسعار سلع التجزئة داخل الأسواق الروسية، وهو الأمر الذي عكفت الصحافة الروسية على تكرار نفيه منذ بدء اندلاع الحرب. لذا يظل من الغريب هنا أن تقوم الدولة، ممثلة إما في رئيسها أو في أي جهة رسمية أخرى، بإصدار مراسيم قانونية بشأن السيطرة على الأسعار ومراقبة الأسعار، إذا لم تكن الأسعار قد خرجت بالفعل عن السيطرة في الوقت الراهن. 

وتوجد هناك استنتاجات منطقية من الضروري التوصل لها في ظل الأزمة الراهنة، على رأسها؛ أنه من المؤكد أن تقترن أي حرب بنقص في السوق المحلية للأدوية، وهو الشيء نفسه الذي لم يُعلن عنه في صحف روسيا، لكنه يظل موجودًا، والدليل على وجوده هو المراسيم القانونية التي تسمح بالتوسع في استيرادها، مثل مرسوم 26 مارس الذي يسمح باستيراد الأدوية والأجهزة الطبية على الرغم من أن البلاد كانت قد أدرجت لتوها قيودًا مشددة على الاستيراد والتصدير! 

هناك أيضًا ملاحظة، على القوانين الخاصة بتوفير فرص العمل ومساعدة العمالة، تنعكس بدورها على طبيعة الحالة المزرية التي وصلت إليها العمالة الروسية الملقاة خلف علامات رحيل الشركات الغربية عن السوق الروسية، والتي يستوجب معها طرح تساؤلات على غرار، تُرى ما هو مصير العمالة الروسية التي كانت تعمل –على سبيل المثال- في متاجر “أيكيا” السويدية في روسيا وغيرهم من هؤلاء اللذين وجدوا أنفسهم بلا وظائف بسبب حرب لا ناقة لهم بها ولا جمل؟

لكن نجد أن هؤلاء كثيرون، وأن وجودهم يمثل أرقًا بالنسبة للقيادة في الكرملين، التي تعرف أن وجودهم سيترتب عليه شحن الغضب الشعبي بشكل أكبر. لذلك نفهم القرارات والمراسيم القانونية الخاصة بتوفير دعم مادي لسوق العمل وخلافه مثل مرسوم 16 مارس، بأنها محاولة لاحتواء الموقف بين العاطلين الجُدد. 

يُمكننا أيضًا أن نفهم طبيعة القرارات الروسية، التي تكون على غرار، قرار مجلس الدوما الروسي الذي يُعلن عن زيادة لم تكن مقررة في المعاشات، الصادر بتاريخ 28 مارس. وهو القرار الذي أوضح مجلس الدوما الروسي أنه سيتم تمويله على حساب انسحاب روسيا من اتفاقية المعاشات التقاعدية مع بلدان رابطة الدول المستقلة –جورجيا وأوكرانيا أعضاء- وصندوق الاحتياطي الحكومي. 

والمقصود فهمه، من قرارات على هذا الغرار، هو الإعلان على زيادات مفاجئة لم تكن في حسبان مُتلقي المعاشات الروسية، يعرف بها المواطن أنه لم يكن سيحصل على الأموال الإضافية لولا الحرب، وهو مُبرر سخي لتقبل الحرب وتفهم الموقف الروسي. ففي نهاية المطاف، يُدرك الكرملين أن لا أحد يكره الحصول على رواتب او معاشات إضافية، لذلك سيكون من المجدي الاستمرار بالإعلان عن انسحاب روسيا من اتفاقيات أو منظمات تشترك بها دول غير صديقة وتوجيه التمويل الروسي المساهم بدلًا عن ذلك إلى فئات شعبية. مما يعني أن من يغضب من عقوبات الغرب على روسيا بسبب الحرب، من المؤكد، انه سيبتهج من ناحية أخرى بما حصل عليه من رصيد إضافي بسبب الحرب نفسها.

ومن ناحية أخرى، نعود إلى مناقشة القرار الروسي الأبرز في مواجهة العقوبات، والذي أصدره “بوتين” مؤخرًا، موجهًا البنك المركزي وشركة غازبروم لاتخاذ إجراءات بحلول 31 مارس لتغيير عملة دفع إمدادات الغاز للدول غير الصديقة إلى عملة الروبل. نفهم من هذا القرار، أن أول خطوات التهديد بقطع إمدادات الغاز الروسي عن أوروبا قد لاحت في الأفق. إن الغرب الآن يجد نفسه مُلزمًا إما بشراء ما يكفي من روبل لسداد شحنات الغاز، أو لاستقبال سداد روسيا لمديوناتها للغرب بالروبل وعكسه مرة أخرى لشراء الغاز به، لكن السؤال هنا، هل ستكون هذه الحصص كافية لتأمين مستقبل القارة الأوروبية من الغاز الروسي؟! وإلى متى؟! وماذا لو لم تكن أوروبا تملك ما يكفي من الروبل، هل سينقطع بالفعل الغاز؟ 

من الجدير بالذكر هنا، أن الغرب سيخرج من هذه العقوبات الشاملة خاسرًا. والمسألة بشأن خسارته لا تتعلق فقط بإمدادات الغاز أو تعليق التبادل التجاري مع روسيا وغيرها من العقوبات الأخرى، لكن الأهم من كل ذلك أن المجتمع الدولي لطالما اشتكى من جنوح السلوك الروسي الذي اعتمد الغرب –كلما أرادوا تقويمه- على التلويح بالعقوبات لردعه. وفي الوضع الراهن، سواء خسرت روسيا أم لم تخسر الحرب، سيكون الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة قد خسر في كل الأحوال آخر أدوات ضغط كان يمتلكها في وجه موسكو. مما يعني أنه سيتحتم علينا في المرة المقبلة عندما تتوسع روسيا أو تقع مواجهات مباشرة بين روسيا وأي دولة غربية، انتظار ردود فعل أخرى، عدا العقوبات، بمعنى آخر، انتظار الحرب العالمية الثالثة، التي من المرجح أن تنتج عن طول أمد حالة التناطح بين روسيا والغرب، وهي الحرب التي من المحتم أنها ستطال الجميع، وستقود العالم –بشكل أو بآخر- إلى حافة الهاوية. 

داليا يسري

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى