السودان

ملامح ومؤشرات: عودة الاستقرار المرحلي في السودان

منذ الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 وعلى خلفية القرارات التي اتخذها مجلس السيادة السوداني من تجميد العمل ببعض بنود الوثيقة الدستورية المتوافق بشأنها عام 2019 وإقالة حكومة عبد الله حمدوك، يعيش السودان حالة من عدم الاستقرار والاضطراب الداخلي، تبعها حالة من الضغوطات الدولية والإقليمية على الإدارة الحالية، والتي عمقت بدورها الأزمة، خاصة الأوضاع الاقتصادية في ضوء تجميد المساعدات والمنح المالية المختلفة.

ولعل المتغيرات الحالية ومرونة التعاطي من جانب بعض القوى السياسية السودانية تُهيئ الوضع نسبيًا للدفع بمسار الحل السياسي والتوافقي لإتمام المرحلة الانتقالية، وصولًا إلى تسليم السلطة إلى مكون مدني، وتحت مظلة الوثيقة الدستورية التي تعد الخط الأساسي للتفاعلات السياسية الراهنة.

معضلات ممتدة

إن الوضع السياسي الداخلي والذي انخرط في مرحلة من المناكفة السياسية بين المكونات المدنية والعسكرية، يشهد حالة من التعقيد المضاعف في ظل الفشل في احتواء الأزمات الحقيقية التي تُمثل نقطة اشتعال الشارع السوداني، والمحرك الرئيس للمظاهرات الميدانية؛ فبعيدًا عن المناكفات السياسية بين التكتلات المستحوذة على المشهد الداخلي، هناك من القضايا التي تستنزف الرأي العام في غير صالح الاستقرار تتجلى في الآتي:

– سيولة العنف الطائفي: أحد المعضلات في المشهد السياسي السوادني والتي تؤدي إلى وضعية من الاضطراب وعدم الاستقرار هو العنف الطائفي وخاصة في الأجزاء والولايات المختلفة من السودان، ما بين تلك التي تقع بين القبائل كما هو الحال بالنسبة لمدينة “الجنينة” التي تشهد من الحين للآخر عنفًا طائفيًا، إلى جانب ما شهدته منطقة جبل مون بولاية غرب دارفور في نوفمبر 2021 من اشتباكات طائفية أدت إلى مقتل 50 شخصًا، أو تلك التي تقع في الأقاليم المختلفة في جانبها السياسي والقائم على التهميش كما هو الحال بالنسبة لشرق السودان، أو ما هو قائم على البعد السياسي مثل احتجاج بعض القبائل على اتفاق السلام الموقع في أكتوبر 2020.

– تفاقم الوضع الاقتصادي: واحدة من بين الأزمات الداخلية والمعرقلة لمسار السلام هو المشهد الاقتصادي المتراجع، فعقب حالة الانتعاش التي شهدها الوضع الاقتصادي السوداني منذ عام 2019 وحالة الانفراجة في العلاقات السودانية الدولية وفك العزلة عليها والدعم المالي الدولي، بات الاقتصادي السوداني يشهد حالة من التماسك. ولكن في ضوء تعقد الأزمة السياسية ومعادلة المرحلة الانتقالية على خلفية الإجراءات التي تم اتخاذها المجلس السيادي الانتقالي وتجميد العمل بالوثيقة الدستورية، تراجعت حالة الدعم الدولي، مما يتطلب البحث عن منافذ بديلة لتثبيت المكاسب الاقتصادية الناتجة عن ثورة 2019، من خلال اللجوء إلى دول الخليج العربي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، ولعل جولة الفريق أول “عبد الفتاح البرهان” للإمارات والسعودية – في مارس 2022- تأتي في إطار البحث عن مخرج للأزمة الاقتصادية الداخلية.

آليات مستجدة للخروج من الأزمة

هناك تحرك عرضي لاحتواء الأزمات الداخلية بالسودان والخروج من المأزق السياسي الراهن، تجلت في تحرك الجبهة الثورية الممثلة داخل مجلس السيادة الانتقالي لعقد مؤتمرات للجبهة الثورية في الولايات السودانية المختلفة والتي بدأت بمدينة الدمازين بحكومة إقليم النيل الأزرق؛ وذلك للتباحث حول الخروج الآمن من الأزمة السودانية، وهي خطوات داعمة لحلحلة الأزمة التي يعيشها السودان، وتُمثل مشاركة مجتمعية واسعة للخروج من الوضع الحالي.

الأمر الثاني يكمن في الاصطفاف الذي تشهده قوى المجتمع المدني والقوى الثورية الأخرى التي تتصف بالمرونة في التعاطي مع مستجدات الوضع الحالي، وتجلى ذلك في ميلاد ميثاق القوى الوحدوية لقوى الثورة يتضمن قرابة 86 مكونًا ثوريًا بما فيها مكونات المجتمع المدني وقوى الثورة والكتل الأخرى ذات المطالب الفئوية. ويسعى ذلك التحالف المستجد الذي برز في مارس 2022 إلى إرساء التعددية السياسية والمصالحة بين المكونات المختلفة الشعبية عبر الحوار من أجل تحقيق المصالحات والتوافق بين كافة المكونات السياسية وبين المكون العسكري. 

وقد طرح ذلك المكون المستجد خريطة للخروج من المأزق السياسي تتمثل في تكوين مجلس رئاسي تشريفي من العسكريين والمدنيين وبقيادة عسكرية، على أن توكل المهام التنفيذية لحكومة مدنية لا يتدخل المجلس الرئاسي في شؤونها، علاوة على تكوين مجلس وزراء من الخبراء والكفاءات المختلفة، مع تشكيل هيئة عليا من كافة التحالفات الثورية لتناول المبادرات المختلفة المطروحة من جانب الشارع الثوري.

الأمر الثالث؛ يتجلى في التقارب بين أبرز الأحزاب تأثيرًا في الداخل السوداني والمتمثلة في (الأمة القومي – الشيوعي – البعث) والتي طرحت في مارس 2022 رؤية تتقارب مع مسار المرحلة الحالية وفي ضوء الأفكار المتعلقة بالمجلس السيادي والطرح الذي تم إطلاقه من جانب الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

فقد حيث تقدمت تلك الأحزاب لوضع مسار مكون من أربعة محاور أساسية تتمثل في إطلاق حوار شامل مع كافة القوى باستثناء حزب المؤتمر الوطني المحلول، والعمل على تشكيل حكومة كفاءات وطنية لقيادة الفترة الانتقالية، مع العمل على إدخال تعديلات على الوثيقة الدستورية لتواكب المتغيرات السياسية، مع القيام على إجراء انتخابات نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية. ولعل ذلك الطرح يتماشى مع رؤية رئيس مجلس السيادة لحل تلك الأزمة؛ بغرض تسريع التوافق الوطني، واستباق أي محاولات للانشقاق والاختراقات داخل البنيان السياسي السوداني.

إن التفكير المتعلق بمعالجة تطبيق اتفاق جوبا للسلام كأحد القضايا العالقة داخل المشهد السوداني يتجلى في كيفية العمل على سحب الأسلحة من تلك الحركات ودمجها في منظومة واحدة، والذي برز في التفاهمات بين السودان وجنوب السودان خلال زيارة البرهان إلى جوبا في مارس 2022 والتي تقدم خلالها بمقترح لإنشاء قيادة موحدة مدمجة وفاعلة لقوات كل الفصائل الموقعة على اتفاقية السلام النشطة بدولة جنوب السودان. وهو تفكير يُعزز من القضاء على حالة اللا استقرار الناجمة عن تعددية الجماعات المسلحة بالسودان، ويبشر بمرونة في احتواء القضايا الأخرى.

الأمر الآخر هو الدعم السعودي الإماراتي، والدخول المتزايد على طول خط الأزمة من أجل تحقيق استقرار داخلي بالسودان عبر التفاعل الإيجابي مع شركاء المرحلة الحالية وتنفيذًا للمرحلة الانتقالية، وهو ذات النهج الذي برز في اهتمام الاتحاد الأوروبي بدفع عملية التسوية السياسية السودانية واستكمال المرحلة الانتقالية تمهيدًا لإجراء الاستحقاقات الدستورية المختلفة وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية، وبرز ذلك في زيارة الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي للقرن الإفريقي “أنيتي ويبر” والذي تباحث مع رئيس مجلس السيادة السوداني مسار الحوار بين السودانيين للتوصل إلى توافق ينهي الأزمة الحالية، وذلك في الثالث من مارس 2022.

وفي الأخير؛ إن تعدد المبادرات ومرونة طرحها الذي يتماشى مع رؤية المجلس السيادي الانتقالي بمثابة محرك مهم لاختراق وتفادي الانسداد السياسي والانكفاء بين المكونات المختلفة للعملية السياسية. وفي ضوء المساعي الإقليمية والدولية الرامية إلى حلحلة الأزمة يمكن أن يشهد السودان خلال المرحلة المقبلة مرونة في التعاطي بين مكونات العملية السياسية، تدعم مسار الانتقال الحالي وتحقق قدرًا من التفاهم السياسي بين كافة المكونات، ومن شأنها أن تدفع المشهد إلى الأمام وبما يحول دون الانزلاق إلى الهاوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى