دول المغرب العربي

صيد ثمين: أبعاد ودلالات إلقاء الجزائر القبض على مفتي القاعدة في المغرب الإسلامي

أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية في بيان لها يوم 17 مارس الحالي، عن إلقاء القبض على مفتي القاعدة في المغرب الإسلامي المكنى بـ “عاصم أبي حيان”، في عملية عسكرية نوعية نفذها الجيش الجزائري، وهي العملية التي تمثل من جانب نجاحًا نوعيًا كبيرًا لجهود مكافحة الإرهاب الجزائرية، ومن جانب آخر ضربة كبيرة لتنظيمات الإرهاب في المنطقة المغاربية، في ضوء كون “أبي حيان” واحدًا من أبرز منظري وقادة النشاط الإرهابي في المنطقة.

حيثيات العملية

أشار بيان وزارة الدفاع الجزائرية إلى أن العملية التي أسفرت عن اعتقال “عاصم أبو حيان” جاءت في سياق “الجهود الحثيثة التي تبذلها وحدات القوات المسلحة الجزائرية في مجال مكافحة الإرهاب ومواصلة لعملية البحث والتمشيط بغابة واد الدوار قرب بلدية بني زيد دائرة القل بولاية سكيكدة بالناحية العسكرية الخامسة”، وذكر بيان الجيش الجزائري أن العملية أسفرت عن القبض على 7 عناصر إرهابية أخرى، ومصادرة 8 بنادق رشاشة من نوع “كلاشنيكوف” وكميات من الذخيرة وأغراض أخرى.

وحسب تقارير، فإن العناصر التي تم إلقاء القبض عليها مُنخرطة منذ فترات طويلة في العمل الإرهابي، ومنهم: فار رشيد المدعو “عبد الحي” الذي التحق بالجماعات الإرهابية سنة 1994، وفركوس عبد الكريم، المدعو “نوح “، الذي التحق بالجماعات الإرهابية سنة 1994، وذيب إلياس، المدعو “أبو إسماعيل” الذي التحق بالعمل الإرهابي سنة 1995، بالإضافة إلى بويسري كمال المدعو “إبراهيم القاعدة” الذي التحق بالجماعات الإرهابية سنة 1996، وغضبان عبدالكريم المدعو “عباس الخروبي” الذي بدأ ممارسة النشاط الإرهابي سنة 2002، ويوسفي خالد المدعو “القعقاع” الذي التحق بالجماعات الإرهابية سنة 2008، وكذا سقط عز الدين المدعو “جابر المروكي” الذي التحق بالجماعات الإرهابية سنة 2009.

والملاحظ في البيان الجزائري والمعطيات المتاحة أن العملية جاءت استكمالًا لتحركات مكثفة في الآونة الأخيرة لوحدات مكافحة الإرهاب، لمحاربة فلول الجماعات الإرهابية التي كانت تنشط على طول المناطق الساحلية الجزائرية لأكثر من 20 سنة، والتضييق عليها.

“أقدم مفتي” لقاعدة المغرب الإسلامي

تردد اسم “لسلوس مداني” المكنى بـ “عاصم أبو حيان” كثيرًا في وسائل الإعلام الجزائرية وفي الأوساط الإرهابية منذ تسعينيات القرن الماضي؛ إذ تشير المعلومات المتوفرة عن “أبي حيان” إلى أنه بدأ نشاطه الإرهابي عام 1994 بمحافظة المدية الواقعة وسط البلاد، عندما التحق بصفوف الجناح العسكري لـ”الجبهة الوطنية للإنقاذ” المحظورة والتي كانت “راعية للإرهاب” في الجزائر، وتسببت في مقتل نحو 250 ألف جزائري فيما عرف بـ”العشرية السوداء”.

وكان أبو حيان أميرًا لـ”الجماعة السنية للدعوة والقتال” منذ 1998، والتي دخلت في صراع دموي مع “الجماعة السلفية للدعوة والقتال”، على من “يكون أكثر ولاءً لتنظيم القاعدة في الجزائر، وتباينت الروايات حول ما إذا كان “عاصم أبو حيان” انشق عن “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” أم أسس تنظيمه الإرهابي منشقًا عن ما عُرف بـ “الجبهة الوطنية للإنقاذ”. ومع تضييق الخناق من الجيش الجزائري على النشاط الإرهابي، توطن “أبو حيان” وجماعته في شرق الجزائر، وأصبح رئيسًا للجنة الشرعية لتنظيم القاعدة في الجزائر. ويعد “أبو حيان” أقدم مفتٍ ومنظر لتنظيم القاعدة فرع المغرب الإسلامي.

وتعكس المعطيات السابقة أهمية ومحورية “أبي حيان” في العمل الإرهابي في الجزائر والمنطقة بشكل عام، خصوصًا وأنه أحد قادة الصف الأول للقاعدة في المنطقة المغاربية الذين جمعوا بين الجوانب التنظيرية الشرعية الجهادية، والشخصية القيادية الحركية، ومن ثم يمثل إلقاء القبض عليه ضربة نوعية للنشاط الإرهابي، لما سيترتب عليه من زعزعة وهزة كبيرة في بنية قاعدة المغرب الإسلامي.

دلالات إلقاء القبض على “أبي حيان”

حملت عملية الجيش الجزائري، وإلقاؤه القبض على مفتي القاعدة في المغرب الإسلامي، جملة من الدلالات التي يمكن إبرازها على النحو التالي:

1- عكست عملية الجيش الجزائري التمشيطية في المناطق الحدودية شرقي البلاد، وقبلها العملية التي تمت في 28 يناير الماضي، جنوبي البلاد، وتحديدًا في ولاية “إن قزام” الحدودية مع النيجر، تركيز الجيش الجزائري على تكثيف عملياته في المناطق الحدودية خصوصًا المناطق ذات الطبيعة الجبلية، وهي المناطق “الهشة” التي تمثل بيئة خصبة لتمركز العناصر الإرهابية، فضلًا عن كونها بيئة مستقبلة للعناصر القادمة من الخارج، خصوصًا في ظل اتسام الحالة الأمنية في عدد من بلدان الجوار الجزائري بعدم الاستقرار، وانتشار جماعات التطرف والعنف، وهو سياق قد تترتب عليه انعكاسات سلبية على البيئة الأمنية في الجزائر.

2- لا يلبث الجيش الجزائري أن يُعلن عن انتهاء إحدى عملياته العسكرية ضد النشاط الإرهابي والجريمة المنظمة، حتى يُعلن عن البدء في عملية جديدة، وهو نهج متبع منذ أشهر، وهو مسعى يستهدف من جانب القضاء على فلول التنظيمات الإرهابية، ومن جانب آخر عدم إعطاء هذه العناصر أي فرصة لإعادة هيكلة صفوفها، أو التحضير لهجمات إرهابية جديدة.

3- تربط بعض التقديرات بين تصاعد عمليات الجيش الجزائري ضد العناصر والتنظيمات الإرهابية، خصوصًا في المناطق الحدودية، وبين التوجهات الفرنسية نحو تخفيض عدد القوات العسكرية في مالي، وإعادة الانتشار، وهو المتغير الذي قد تستغله بعد جماعات الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، من أجل إعادة إحياء نفسها، والتمدد إلى دول الجوار.

4- تتزامن التحركات العسكرية الجزائرية لمواجهة الأنشطة الإرهابية في البلاد، مع تحركات وقائية وسياسية وقضائية أخرى لتحجيم الظاهرة، وهو ما تجسد في تصنيف حركتي “ماك” الانفصالية و”رشاد” الإخوانية كمنظمتين إرهابيتين، فضلًا عن إلقاء القبض على وإصدار أحكام قضائية ضد عسكريين جزائريين سابقين انتموا إلى الحركتين.

5- لا تقتصر التحركات الجزائرية فيما يتعلق بمواجهة الأنشطة الإرهابية على المستوى العملياتي العسكري الداخلي، بل امتدت إلى الدعوة إلى “خطة أفريقية مشتركة” لمكافحة الإرهاب، فقد أعرب وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة  في أكتوبر 2021 خلال اجتماع وزاري لمجلس السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي، عن استعداد بلاده استضافة اجتماع وزاري لدول الاتحاد الأفريقي يهدف إلى وضع خطة عمل مشتركة لمكافحة الإرهاب والتطرف. وأشار إلى جهود بلاده كمنسق للاتحاد الأفريقي في هذا المجال، وذلك لتمكين دول القارة من الاستجابة الفعلية للتحديات التي تفرضها هذه الآفة العابرة للحدود.

ويبدو أن الدعوة الجزائرية لإنشاء استراتيجية أفريقية لمكافحة الإرهاب، تأتي في ضوء الإدراك الجزائري لتنامي التهديدات المرتبطة بهذه الظاهرة، فضلًا عن أنه لا يمكن فصل هذه الدعوة عن التوتر الذي تشهده علاقات الجزائر بفرنسا. ويبدو أن هذه الدعوة سوف تكتسب زخمًا كبيرًا في الفترات المقبلة، بسبب وجود مطالبات مصرية متكررة بتدشين وبلورة “استراتيجية أفريقية موحدة لمكافحة التطرف والإرهاب”، خصوصًا في ضوء الثقل الذي تحظى به الدولتان في أروقة الاتحاد الأفريقي، وبالتالي يمكن أن يكون هذا مدخلًا لتنسيق كبير بين البلدين في هذا الملف.

تحديات قائمة

على الرغم من الإنجازات النوعية والمتعددة التي حققتها التحركات الجزائرية لمكافحة الظاهرة الإرهابية في الآونة الأخيرة، إلا أن هناك بعض التحديات التي تواجه هذه المقاربة، وذلك على النحو التالي: 

1- على الرغم من التحركات المكثفة التي تبنتها السلطات الجزائرية في مجال مكافحة الإرهاب، إلا أن هذه التحركات لا يزال يطغى عليها الجانب الأمني، وهو الأمر الذي يأتي على حساب تبني مقاربة شاملة لمكافحة التطرف والبيئة الحاضنة للإرهاب؛ فمثلًا أعلنت السلطات الجزائرية في مايو 2015، عن السعي لإنشاء مرصد وطني لمكافحة التطرف المذهبي، لكن حتى الآن لم يتم تدشين هذا المرصد والقيام بإجراءات عملية ملموسة في مجال مكافحة التطرف، خصوصًا في ظل سيطرة بعض الجماعات السلفية المتشددة على الحقل الدعوي في الجزائر.

2- ربما تصطدم الدعوة الجزائرية إلى تعزيز العمل الإقليمي في مجال مكافحة الإرهاب، بالتعارض بين توجهات أخيرة للجزائر، وسياسات وتوجهات بعض دول القارة؛ فمثلًا أعلنت الجزائر مؤخرًا عن تدشين ما عُرف بـ  مجموعة الـ4 أو G4، كتحالف جديد للتشاور والتنسيق حول قضايا القارة الأفريقية مستقبلًا، مع دول نيجيريا وإثيوبيا وجنوب أفريقيا، وهو تحالف أثار العديد من علامات الاستفهام، خصوصًا في ظل العلاقات المتوترة لإثيوبيا مع العديد من دول القارة الأفريقية، والمجتمع الدولي، وبالتالي قد يدفع بعض هذه التوجهات باتجاه السحب من الثقة في الدور الجزائري في العديد من المساحات الإقليمية، ومنها مساحة مكافحة الإرهاب بطبيعة الحال.

3- أحد التحديات المُلحة التي تواجه الجهود الجزائرية لمكافحة الإرهاب ترتبط بالأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تواجهها البلاد، والتي قد تدفع باتجاه تسهيل قدرة التنظيمات الإرهابية على تجنيد واستقطاب العديد من العناصر عبر البوابة والمدخل الاقتصادي، وهو تحدٍ يقتضي تبني إجراءات اقتصادية ترفع من مستوى الأفراد، مع تبني إجراءات تُحصن المجتمع الجزائري خصوصًا فئات الشباب ضد الأفكار المتطرفة والإرهابية، بما يقلل من أعداد العناصر القابلة للاستقطاب.

4- تواجه المقاربة الجزائرية لمكافحة الإرهاب تحديات ترتبط بالبيئة الإقليمية المحيطة، وهي البيئة التي يغلب عليها عدم الاستقرار، والتنامي في أنشطة التنظيمات الإرهابية، وهو تحدٍ أشار إليه قائد أركان الجيش الجزائري الفريق السعيد شنقريحة، في تصريحات له في أبريل 2021، حذر فيها من مخططات جماعات إرهابية تنشط في منطقة الساحل الإفريقي لتحويل صحراء الجزائر إلى ملاذ آمن لهم.

وختامًا يمكن القول، إن العملية الأمنية الجزائرية الأخيرة التي أدت إلى اعتقال مفتي القاعدة في المغرب الإسلامي “عاصم أبي حيان” جاءت في إطار التحركات الجزائرية المكثفة لمكافحة النشاط الإرهابي بالبلاد، فضلًا عن أنها استجابة جزائرية لبعض المتغيرات الإقليمية، المتمثلة بشكل رئيسي في إعادة هيكلة وتقليل الحضور العسكري الفرنسي في مالي وما قد يترتب على ذلك من تهديدات، والتنامي الكبير في الأنشطة الإرهابية في المحيط الإقليمي، لكن التطور الإيجابي يتمثل في أن العمليات العسكرية المتعاقبة جاءت بالتزامن مع تحركات سياسية محلية وإقليمية لمواجهة الظاهرة، في تجاوز لفكرة الاعتماد على المقاربة الأمنية وحدها كمدخل للتعامل مع الظاهرة الإرهابية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى