أسواق وقضايا الطاقة

الطاقة الشمسية.. البديل المتجدد والمستدام

تقول إحدى الترانيم المصرية القديمة “يجلب رع الضوء إلى الأرض عبر السفر في السماء، ويحافظ على كل الأشياء التي تعيش عليها. يصل إلى ذروة قوته عند الظهيرة ثم يشيخ ويضعف كلما تحرك نحو الغروب. في المساء، يتخذ رع شكل أتوم، وفي نهاية اليوم، يقوم ببصق جميع الآلهة الأخرى، التي التهمها، لتظهر النجوم في السماء عند غيابه في الليل”. العلاقة بين الإنسان والشمس منذ بداية الحياة على الأرض مرت بمراحل كثيرة، بداية من مراحل الخوف والرهبة، ثم العبادة، وصولًا إلى دراستها علميًا والانتفاع بها كمصدر مهم للطاقة بل للحياة. 

تنتج الشمس الضوء عن طريق تفاعل الاندماج النووي الذي يحدث عن طريق اتحاد أنوية ذرات الهيدروجين لتكوين ذرات الهيليوم، ونتيجة لذلك تنتج كميات هائلة من الضوء والحرارة، إذ تبلغ درجة حرارة مركز الشمس نتيجة هذا التفاعل 15 مليون درجة مئوية. تصل أشعة الضوء الصادر من الشمس الى الأرض مرورًا بطبقات الغلاف الجوي الذي يقوم بحجز جزء كبير من الأشعة فوق البنفسجية. الأشعة الضوئية الواصلة إلى الأرض يمكن تحويلها إلى طاقة حرارية أو طاقة كهربية أو كليهما، ويمكن تخزينها في بطاريات على هيئة تيار كهربي مستمر. 

تعرف الإنسان في البداية على الاستخدام المباشر لأشعة الشمس كمصدر للطاقة الحرارية في التدفئة والتسخين. ولكن في نهاية القرن التاسع عشر قام الأمريكي هاري ريجان بتسجيل براءات اختراع للبطاريات الحرارية؛ وهي هياكل تستخدم لتخزين وإطلاق الطاقة الحرارية، لا تخزن الكهرباء ولكن “الحرارة”. تستخدم الأنظمة اليوم هذه التكنولوجيا لتوليد الكهرباء عن طريق التوربينات التقليدية، وتخزين وتوزيع الحرارة الشمسية حسب الحاجة.

أما تحويل أشعة الشمس (الضوء) إلى كهرباء، فكانت البداية مع عالم الفيزياء الفرنسي إدموند بيكريل الذي اكتشف في عام 1839 التأثير الكهروضوئي – وهي عملية إنتاج جهد كهربائي أو تيار كهربائي عند تعرض بعض المواد للضوء. بعد بضعة عقود وتحديدًا في عام 1883 صنع الأمريكي تشارلز فريتس أول خلية شمسية لتوليد الكهرباء من أشعة الشمس عن طريق طلاء عنصر السيلينيوم بطبقة رقيقة من الذهب. أفاد فريتس أن وحدة السيلينيوم أنتجت تيارًا “مستمرًا وثابتًا وذا قوة كبيرة”. 

حققت هذه الخلية معدل تحويل طاقة من 1 إلى 2 %. (تعمل معظم الخلايا الشمسية الحديثة بكفاءة تتراوح من 15 إلى 20%). كانت خلية فريتس الشمسية منخفضة التأثير، لكنها مع ذلك كانت بداية ابتكار الألواح الشمسية الكهروضوئية في أمريكا.

وفي العقدين الأخيرين ومع زيادة الآثار السيئة للتغير المناخي بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري التي أثبتت الدراسات أنه ناتج مباشر للانبعاثات الكربونية من ثاني أكسيد الكربون الناتج عن استخدام البترول والغاز كأهم مصادر الطاقة على مستوى العالم؛ بدأت الدول جديًا في التفكير في البديل النظيف أو بمعنى أدق “النظيف والمستدام”.

وأحد أهم هذه المصادر “الطاقة الشمسية”. وكانت هناك محاولات في الدول الغربية في سبعينيات القرن الماضي أثناء أزمة الطاقة للتحول إلى الطاقة الشمسية كبديل للبترول، ولكن لم تستمر بسبب فرق التكلفة الهائل في هذه الفترة. لكن الآن وبعد التقدم الكبير في مجال أبحاث الطاقة الشمسية وفي بعض الأحيان في صالح الطاقة الشمسية مع زيادة اسعار البترول وقلة تكلفة الطاقة الشمسية.

لذلك نري من الأهمية أن نسلط بعض الضوء على أهم طريقتين للحصول على الكهرباء من الطاقة الشمسية، أو بمعنى أكثر دقة من “ضوء الشمس”. هناك تقنيتان أساسيتان لتحويل الطاقة الشمسية إلى كهرباء: الأولى هي تقنية الخلايا الكهروضوئية (Photovoltaic (PV) والثانية هي الطاقة الشمسية المركزة (Concentrated Solar Power (CSP).

ولكن ما هو الفرق بينهما؟ أيهما هو الخيار الأفضل؟ للإجابة على هذه الأسئلة من الأفضل مقارنة هاتين التقنيتين لنرى كيف تختلفان، وما هي مزايا وعيوب كل منهما.

تنتج أنظمة الطاقة الشمسية الحرارية المركزة (CSP) الطاقة الكهربائية عن طريق تحويل طاقة الشمس إلى حرارة عالية باستخدام تكوينات مرآة مختلفة. الطريقة التي تعمل بها هذه التكنولوجيا الخاصة هي أن طاقة الشمس تتركز بواسطة عواكس مختلفة، ثم يتم استخدام هذه الطاقة المركزة لتشغيل محرك حراري وتشغيل مولد كهربائي. تتكون المحطات التي تستخدم هذا النظام من جزأين: أحدهما يجمع الطاقة الشمسية ويحولها إلى حرارة، والآخر يحول الطاقة الحرارية إلى كهرباء.

من ناحية أخرى تختلف الألواح الشمسية الكهروضوئية (PV) تمامًا عن الطاقة الشمسية المركزة. على عكس الطاقة الشمسية المركزة التي تستخدم طاقة الشمس، تستفيد الألواح الشمسية الكهروضوئية من ضوء الشمس؛ بمعنى آخر الخلايا الكهروضوئية تحول الضوء المباشر إلى كهرباء فتقوم هذه الخلايا الكهروضوئية بامتصاص الضوء الذي يؤدي إلى إثارة الإلكترونات وتحركها، وبمجرد تدفق الإلكترونات يتم توليد التيار الكهربي، ثم يتم التقاط هذا التيار ونقله إلى أسلاك، وبالتالي توليد تيار كهربائي مباشر (DC) يتم تخزينه أو تحويله إلى تيار متردد (AC) عادةً باستخدام المحولات، بحيث يتم توزيعه على شبكة الطاقة.

أنظمة الطاقة الشمسية المركزة قادرة على تخزين الطاقة من خلال استخدام تقنيات تخزين الطاقة الحرارية (TES)(Thermal Energy Storage) . ونتيجة لذلك، يمكنهم استخدامه في الأوقات التي يكون فيها ضوء الشمس قليلًا أو معدومًا كما هو الحال خلال الأيام الملبدة بالغيوم أو أثناء الليل لتوليد الطاقة الكهربائية؛ نظرًا لقدرة CSP على تخزين الطاقة، لذلك فإن التكنولوجيا الحرارية الشمسية في صناعة توليد الطاقة تفضل في بعض الأماكن للتغلب على مشكلات عدم الانتظام في الحصول على الضوء المباشر.

هناك ثلاثة عوامل رئيسة تأخذها أسواق الطاقة في الاعتبار عند اتخاذ قرار بشأن مصادر الطاقة: تكلفة الطاقة والخدمات الإضافية والقدرة على توزيع الطاقة عند الطلب. ويبين الجدول التالي مقارنة بين التكلفة الكلية للتركيب والإنتاج للكهرباء من كلا المصدرين من العام 2010 إلى 2020. 

والملاحظ هنا أن التغيير الأكثر دراماتيكية هو الانخفاض الحاد في تكلفة الطاقة الشمسية (PV)، التي انخفضت بنسبة 85% من عام 2010 إلى عام 2020، بالمقارنة بالطاقة الشمسية المركزة التي انخفضت بنسبة 68%.

لذلك من الواضح بالنسبة لمستثمري الطاقة أن التكلفة التنافسية للطاقة هي أهم قضية. ونظرًا لأن الطاقة الكهروضوئية أرخص بكثير من الطاقة الشمسية المركزة، فإن المزيد والمزيد من مستثمري الطاقة يختارونها. وسيستمر هذا الاتجاه المتمثل في اختيار المستثمرين للطاقة الكهروضوئية على الطاقة الشمسية المركزة طالما ظلت الطاقة الكهروضوئية أرخص. ويبدو أن هذا سيستمر في الحدوث لأن الألواح الكهروضوئية أظهرت مؤخرًا انخفاضًا كبيرًا في الأسعار بنسب تتراوح من 30٪ إلى 40٪ في غضون عامين فقط، ويتوقع البعض أن تستمر هذه الأسعار في الانخفاض.

بصرف النظر عن التكلفة، أفادت دراسات كثيرة في سوق الطاقة أن بناء الأنظمة الكهروضوئية أسهل كثيرًا؛ فلا يكلف بناؤها الكثير، ولا يستغرق الكثير من الوقت مثل الطاقة الشمسية المركزة، لأن محطات الطاقة الشمسية المركزة تحتاج إلى مساحة أكبر للتطبيقات واسعة النطاق، فضلًا عن أنها تنطوي على مخاطر أكبر؛ تشمل بعض هذه المخاطر تحديات التبريد للتوربينات الحرارية.

هل تتنافس الطاقة الشمسية المركزة حقًا مع الطاقة الشمسية الكهروضوئية؟

على الرغم من أنه يبدو من الجدول السابق أن التركيبات الكهروضوئية مفضلة لأنها لا تكلف الكثير ولأنها أسهل في البناء، فإن المقارنة بين الطاقة الشمسية المركزة والطاقة الكهروضوئية ستظل قضية قائمة من وجهة النظر الاستثمارية.

وفقًا لدراسات المختبر الوطني للطاقة المتجددة بالولايات المتحدة يمكن لتقنيات تخزين الطاقة الحرارية (TES) أن تزيد من تنافسية الطاقة الشمسية المركزة، وهي تقنيات طاقة متجددة متقطعة في صناعة الطاقة. وهذا يعني أنه يمكن استخدام الطاقة الشمسية المركزة جنبًا إلى جنب مع قدرات تخزين الطاقة الحرارية كحل تكميلي لمشكلات موسمية تقنيات الطاقة المتجددة الأخرى مثل الطاقة الشمسية الكهروضوئية، التي تعتمد بشكل كبير على الظروف البيئية، والتي لا يمكن التنبؤ بها وغير مستقرة، لذا فإن الثقة فيها منفردة كحل لتوليد الطاقة محدودة نوعًا ما، لذلك قد يكون CSP وTES قادرين على حل هذه المشكلة.

ولكن على الجانب الآخر، ساعد التقدم الكبير في أبحاث تكنولوجيا تخزين الطاقة مثل بطاريات أيون الليثيوم (LIB) وغيرها في التغلب على مشكلة تخزين الطاقة الكهربية لفترات أطول وبقدرات أعلى في حالة الطاقة المولدة من الخلايا الكهروضوئية (PV).

مشاريع الطاقة الشمسية المركزة والطاقة الكهروضوئية

بناء على أن هاتين التقنيتين لهما مزايا وعيوب، هناك العديد من المشروعات الكبرى في مجال الطاقة الشمسية على مستوى العالم باستخدام كلٍ من التقنيتين. وفي التالي قائمة بأكبر عشرة محطات للطاقة الشمسية على مستوى العالم، تتضمن هذه القائمة مزيجًا من محطات الطاقة الشمسية الفردية ومجموعات من المشروعات المشتركة والتي تسمى عادةً الحدائق أو المزارع الشمسية (Solar Parks) مرتبة ترتيبًا تنازليًا (من الأعلى الى الأقل قدرة انتاج بالميجا وات MW).

وكما يبين الجدول، فإن مصر هي ثالث دولة بعد الهند والصين من حيث القدرة الإنتاجية للطاقة الشمسية وذلك من محطة “بنبان” في صعيد مصر، والتي تم افتتاحها في عام 2019، على مساحة 37 كيلو مترًا مربعًا، الأمر الذي أحدث نقلة نوعية وكمية في مصادر الطاقة التقليدية والبديلة في مصر.

الخلاصة

في الوقت الحاضر هناك نوعان من التقنيات التي تهيمن على صناعة الطاقة الشمسية: الطاقة الشمسية المركزة (CSP) والكهروضوئية (PV). يستخدم CSP أشعة الشمس لتسخين مادة سائلة تُستخدم بعد ذلك لتشغيل محرك حراري وتشغيل مولد كهربائي. وفي الوقت نفسه يستخدم الكهروضوئي الضوء من خلال “التأثير الكهروضوئي” امتصاص الضوء الذي يؤدي بعد ذلك إلى توليد تيار كهربائي.

كل من CSP وPV لهما إيجابيات وسلبيات. من حيث تخزين الطاقة وكفاءتها يعتبر CSP متفوقًا لأنه يمكنه تخزين الطاقة بمساعدة تقنيات TES. من ناحية أخرى الطاقة الكهروضوئية تولد الكهرباء مباشرة، وبأقل تكلفة.

على الرغم من أنه من الواضح أن CSP هو الأكثر كفاءة من حيث توفير الطاقة، فإن هذا لا يعني أنه الخيار الأفضل بين الاثنين، كما ذكر سابقًا فإن الطاقة الكهروضوئية أرخص لذا يميل مستثمرو الطاقة إلى استخدامها أكثر من الطاقة الشمسية المركزة. بعبارة أخرى على الرغم من مزاياها إلا أن CSP ليست المفضلة، لذلك سيكون الخيار الأفضل والأمثل هو استخدام التقنيتين كل يكمل الآخر في إنتاج خليط الطاقة المتجددة.

د. إبراهيم الغمري

أستاذ الكيمياء بجامعة الملك فيصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى