مكافحة الإرهاب

قراءة في مؤشر الإرهاب العالمي 2022 (5).. الإرهاب في مناطق الصراع

أصدر معهد الاقتصاد والسلام الدولي النسخة التاسعة من مؤشر الإرهاب العالمي الذي يقدم ملخصًا شاملًا للاتجاهات والأنماط العالمية الرئيسة للإرهاب خلال عام 2021. وقد تناولنا خلال الجزء الأول من هذه السلسلة نظرة شاملة على حصيلة العمليات الإرهابية خلال العام المنصرم، وتداعيات جائحة فيروس كورونا على النشاط الإرهابي، والجماعات الإرهابية الأكثر فتكًا. فيما ناقش الجزء الثاني الدول العشر الأكثر تأثرًا بالإرهاب عالميًا وفقًا لما ورد بالمؤشر. في حين ناقش الجزء الثالث اتجاهات النشاط الإرهابي في مناطق العالم المختلفة، وناقش الجزء الرابع سياق وتداعيات تنامي النشاط الإرهابي في منطقة الساحل الإفريقي. وفي الأخير يناقش هذا الجزء النشاط الإرهابي في مناطق الصراع، والمقاربة التي تنتهجها التنظيمات الإرهابية لتجنيد المقاتلين في صفوفها.

الصراع هو المحرك الرئيس للإرهاب

أشار التقرير إلى أن جميع البلدان العشر الأكثر تضررًا من الإرهاب في عام 2021 انخرطت في نزاع مسلح. إذ يُستخدم الإرهاب عمومًا كأسلوب لتحقيق أهداف تكتيكية أو استراتيجية، كما رأينا في الصراعات في العراق وأفغانستان وسوريا. علاوة على ذلك، مع زيادة حدة الصراع، تتضاءل الحواجز النفسية ضد العنف واسع النطاق.

ومنذ عام 2007، حدثت 92%من الوفيات الناجمة عن الإرهاب في منطقة نزاع. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، حدثت 95.8 %من الوفيات الناجمة عن الإرهاب في البلدان المتضررة من النزاعات، وارتفعت إلى 97.6 % في عام 2021.

ومع ازدياد حدة الصراع، تزداد خطورة الأعمال الإرهابية فتكًا، ففي البلدان التي تشهد صراعات تكون الهجمات أكثر فتكًا بنحو ستة أضعاف من البلدان التي لا تشهد صراعات. وإلى جانب زيادة درجة فتك الهجمات الإرهابية مع اشتداد الصراع، ترتفع وتيرة هذه الهجمات أيضًا، وهو ما يتضح في البلدان التي سجلت أعلي معدلات وفيات مرتبطة بالمعارك كل عام، مثل سوريا وأفغانستان والعراق، حيث وجد التقرير أن هذه البلدان سجلت مستويات أعلي من الأنشطة الإرهابية. وهو ما يضح في الشكل التالي:

الإرهاب والتمرد

في بيئة الصراع، يصعب أحيانًا التمييز بين الإرهاب والتمرد، حيث يسعى كل من المتمردين والإرهابيين إلى إحداث تغيير سياسي من خلال العنف. ويميز التقرير بين الجماعة الإرهابية والجماعة المتمردة على أساس معيارين: الأول، تشارك الجماعة المتمردة في صراعات أسفرت عن سقوط أكثر من 1000 ضحية وقتل فيها أكثر من 100 من أعضاء الجماعة نفسها. والثاني، تتطلع الجماعات المتمردة إلى السيطرة على الأراضي والاستيلاء عليها، إذا كان بإمكانها ممارسة السيطرة على السكان. كما أنهم يعملون في العراء كوحدات مسلحة ويمكنهم الانخراط في تعبئة جماهيرية. 

وأشار التقرير إلى أن الجماعات الإرهابية والجماعات المتمردة كثيرًا ما تستهدف الشرطة والجيش. وهذا يعكس استخدام الإرهاب كتكتيك، مع اعتبار الشرطة والجيش “قوات العدو” الرئيسة. وفي منطقة الساحل، من المرجح أن تقوم جماعة نصر الإسلام والمسلمين بمهاجمة أهداف عسكرية لتحقيق أهدافها، لأنها تريد فرض سيطرتها على السكان وبالتالي لا تريد تنفير السكان المحليين. وتهاجم مجموعات مثل حركة الشباب الصومالية أهدافًا مدنية وعسكرية، بينما يفضل تنظيم داعش في غرب إفريقيا استهداف الشركات المدنية والخاصة.

كيف تقوم التنظيمات الإرهابية بعمليات التجنيد؟

ذكر التقرير مجموعة من الدوافع الكامنة وراء انضمام بعض الأفراد إلى الجماعات الإرهابية، نستعرضها فيما يلي:

• دوافع نفسية: يعمل الحرمان النسبي والاغتراب كعوامل جذب ودفع لعمليات التجنيد، حيث كان تنظيم الدولة الإسلامية يتطلع إلى تحديد الشبان والشابات الأوروبيين الضعفاء، وخاصة أولئك الذين يشعرون بالغضب والاستياء والعزلة، وقد وعدهم بحياة جديدة وفرص جديدة.

• حوافر اقتصادية: في منطقة الساحل، تم استخدام استراتيجيات مختلفة. على سبيل المثال، كانت إحدى استراتيجيات بوكو حرام هي تقديم ما بين 600 دولار أمريكي إلى 800 دولار أمريكي شهريًا لأولئك الذين انضموا إلى صفوفها، في حين أن أولئك الذين يحالفهم الحظ في الحصول على وظيفة يمكنهم في أحسن الأحوال أن يكسبوا 72 دولارًا أمريكيًا فقط في الشهر.

• التجنيد بالإجبار: تنتهج بعض التنظيمات مثل تنظيم داعش استراتيجية متوحشة لإبقاء الأفراد في صفوفها، حيث يعلم الأعضاء أن محاولات المغادرة ستعاقب بشدة، ومن ثمّ، تصبح القدرة على المغادرة أكثر صعوبة عندما تسيطر المجموعة على منطقة وتعمل بعيدًا عن المراكز الحضرية.

• التجنيد عبر الإنترنت: تستخدم الجماعات الإرهابية بشكل روتيني وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لأجنداتها السياسية وجذب الأفراد لقضيتهم. حيث يشير ما يقرب من 50% من أعضاء داعش الحاليين أو السابقين إلى أنهم تطرفوا من خلال الاستهلاك السلبي للمواد على وسائل التواصل الاجتماعي. وبالتالي، فإن مراقبة تغذيات وسائل التواصل الاجتماعي من قبل سلطات إنفاذ القانون أمر بالغ الأهمية في تحديد الحسابات الرئيسة والأفراد الذين يصلون إلى المواد، أو يسعون لتجنيد آخرين، أو يعبرون عن رغبتهم في تقديم مساعدات مالية أو مادية لهم.

استخدام آلة التضخيم الإعلامي: تتلقى الجماعات الإرهابية التي تنفذ هجمات يسقط فيها عدد كبير من الضحايا تغطية أكبر من وسائل الإعلام المختلفة، وهو ما يمكن أن يكون بمثابة أداة تجنيد تستخدمها التنظيمات الإرهابية، فكلما زادت درجة سمعة المجموعة السيئة، زادت احتمالية اجتذاب مجندين جدد أو أن تصبح مصدر إلهام للإرهابيين المحتملين الآخرين.

وذكر التقرير بعض الأسباب الرئيسة التي قد تثني الأفراد عن الانضمام للتنظيمات الإرهابية ومنها: التخوف الأخلاقي من معاملتهم للمدنيين والنساء والمقاتلين الأجانب وأفرادهم، ونقص الغذاء وسوء الأحوال المعيشية، والفساد.  ويشير التقرير إلى أن الطريقة الفعالة المحتملة لتعطيل التجنيد هي تثقيف الشباب المستضعفين حول الواقع القاسي للانتماء إلى جماعة إرهابية والعمل لصالحها؛ لأن إظهار عنف الأفعال وفراغ الوعود الممارس من قبل الجماعات الإرهابية قد يثني البعض عن الانضمام.

ويري التقرير أن إحدى الطرق التي يمكن أن تؤدي إلى نهاية جماعة إرهابية هي عندما تنتقل المجموعة إلى المجال السياسي. وتمثل هذه الرؤية معضلة أخلاقية مستمرة حول مدى استعداد الحكومة للتفاوض مع الجماعات المتطرفة العنيفة في محاولة لوقف العنف. ويذكر التقرير مثالين حديثين وبارزين على الجماعات الإرهابية السابقة التي انتهت بالحلول السياسية، وهما الحزب الشيوعي النيبالي (الماوي) والقوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك).  

(الجزء الأول):  قراءة في مؤشر الإرهاب العالمي 2022 (1).. السياقات المحفزة والجماعات الأكثر فتكًا

(الجزء الثاني): قراءة في مؤشر الإرهاب العالمي 2022 (2).. قائمة الدول العشر الأكثر تأثرًا بالإرهاب

(الجزء الثالث): مؤشر الإرهاب العالمي 2022 (3)… اتجاهات الإرهاب العالمي

(الجزء الرابع): مؤشر الإرهاب العالمي 2022 (4).. سياق وتداعيات الإرهاب في الساحل الإفريقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى