الأزمة الأوكرانية

كيف يرى الداخل الروسي حرب الكرملين في أوكرانيا؟

آثار مشهد خروج المُحررة الروسية “مارينا أوفزيانيكوفا” الشهير أثناء اقتحامها غرفة البث الحي في القناة الأولى الروسية، تساؤلات عدة، لا تطال العاملون لدى القنوات الرسمية الروسية فحسب، لكنها تمتد لتلقي بظلالها على موقف الجمهور الروسي بوجه عام تجاه الحرب الروسية في الأراضي الأوكرانية. وهو في حقيقة الأمر، موقف يحتاج للكثير من البحث والتمعن لأجل الوقوف على أبرز توجهاته، نظرًا لحالة التضارب وعدم الثقة التي تمس السواد الأعظم من الأخبار منذ بدء الحرب من جهة، بالإضافة إلى القبضة الحديدية التي يحكم بها الكرملين، وإغلاق أجواء تداول المعلومات والأخبار القادمة من الداخل الروسي من جهة أخرى. مما يجعل من الصعب التعرف على توجهات غالبية الشعب الروسي تجاه الحرب.

علاوة على ذلك، لا ننسى دور القوانين الروسية الصارمة الجديدة التي تُهدد كل من يتداول معلومات “زائفة” حول الحرب، بالسجن لمدة قد تصل إلى 15 عامًا. وبدوره، يمثل هذا النوع من القوانين حجاب حاجز يحول دون التعرف على التوجهات الشعبية الداخلية في الاتحاد الروسي. كما أنه لا توجد أي استطلاعات رأي مُسندة يمكن الاستعانة بها لفهم الأجواء الداخلية. لذلك، نخوض في محاولة بحثية للاستدلال بما تم الإفصاح عنه، على أبرز معالم توجهات الشعب الروسي. 

أبرز ملامح حركة الاعتراضات في أوساط النخب الروسية

لم يمر قرار الدخول العسكري الروسي إلى الأراضي الأوكرانية مرور الكرام على النخبة الروسية اللامعة في أوساط المثقفين والفنانين والإعلاميين، رغم أن اعتراضاتهم لم تحصل على ما يكفي من زخم إعلامي مناسب. وفيما يتصل بالساحة الثقافية والفنية، فمن الجدير بالذكر أن عددًا من ألمع أسماء الوسط قد أبدوا اعتراضهم العلني على الحرب خلال أيامها الأولى. وقد اشتملت قائمة أسماء هؤلاء على العديد من مشاهير الوسط الثقافي والفني على حد سواء، مثل الكاتب “بوريس أكونين”، “وديميتري بيكوف”، و”ديميتري جلوخوفسكي”، “وميخائيل زيجار”، والكاتب المسرحي “إيفان فيريبيف”، والممثلة “تشولبان خاماتوفا” بالإضافة إلى فنانون آخرون. 

وقاموا جميعًا بكتابة بيان مشترك أعلنوا من خلاله أن اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا أمر مخزي. حيث قالوا “إنه لأمر مخزي لنا، ولكن لسوء الحظ، سيتعين على أطفالنا، وهم جيل من الشباب والروس اللذين لم يولدوا بعد، أن يتحملوا المسؤولية عنها أيضًا. ندعو جميع مواطني روسيا إلى قول لا لهذه الحرب”. 

في غضون ذلك، أوردت صحيفة “الكوميرسانت” الروسية أن العديد من الفنانين الروس أدلوا بتصريحات حول عدم جواز نشوب الحرب مع أوكرانيا. وكان من بينهم، “سيرجي لازارييف”، و”إيفان أورجانت”، “وزيمفيرا”، و”مونتوشكا”، و”مكسيم غالكين”، “وناستيا إيفليفا”، “ومورجينسترن”، “ويانا ترويانوفا”، و”فارفارا شميكوفا”، و”ألكسندر جودكوف”، و”فاليري ميلادزي”، وغيرهم الكثير.

كما نشر موقع “تروتسكي. فاريانت” الروسي، في أواخر فبراير الجاري بالتزامن مع بدء الحرب، خطابًا مفتوحًا قام بالتوقيع عليه عدد يفوق المئتي أكاديمي وأستاذ وموظف ينتمي للمؤسسات العلمية والتعليمية الروسية. وقد أوردوا في خطابهم، أن “هذه الخطوة المميتة تؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح، وتقوض أسس نظام الأمن الدولي القائم. لا يوجد مبرر منطقي لهذه الحرب. لقد حكمت روسيا على نفسها بالعزلة الدولية بمجرد أن أطلقت العنان للحرب، بحيث ستصبح روسيا دولة منبوذة، ولن نتمكن نحن العلماء بعد الآن من القيام بعملنا بشكل طبيعي، لأنه ليس من الممكن تصور البحث العلمي، دون التعاون الكامل مع الزملاء من البلدان الأخرى. كما إن عزلة روسيا عن العالم تعني المزيد من التدهور الثقافي والتكنولوجي لبلدنا في ظل الغياب التام للآفاق الإيجابية“. 

وامتدت بيانات الاعتراض والخطابات المفتوحة إلى الأوساط الإعلامية كذلك. فقد نشرت عددًا من الجمعيات الصحفية والعلمية الروسية بدورها خطابًا مفتوحًا على الإنترنت، بتاريخ 24 فبراير، أعلنت فيه رفضها التام للعملية العسكرية في أوكرانيا، ووقع عليه أيضًا عددًا يفوق المئتي شخص. وذكروا في خطابهم، “نحن، مراسلو وخبراء وسائل الإعلام الروسية الذين يكتبون عن السياسة الخارجية الروسية، نعلن ادانتنا للعملية العسكرية التي شنها الاتحاد الروسي في أوكرانيا“. 

كما تداولت مؤخرًا وتحديدًا في 15 مارس، وسائل إعلامية غربية بارزة، المشهد الشهير لاقتحام مُحررة التليفزيون الرسمي الروسي، “مارينا أوفزيانيكوفا”، لغرفة البث الحي أثناء عرض الفقرة الإخبارية المسائية، حاملة لافتة كُتب عليها عبارات مناهضة للحرب باللغتين الإنجليزية والروسية. وبدا صوتها مرتفعًا عن صوت مقدمة النشرة، بتحذيرات مدوية من تصديق الدعاية التي تُحيط بتطورات الصراع. 

تلي ذلك –وفقًا لما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية- سلسلة من الاستقالات ضمت عاملين وإعلاميين ينتمون إلى وكالات ومحطات روسية رسمية. كان من ضمن هؤلاء المستقيلون، “زهانا أجالاكوفا”، مراسلة الشؤون الأوروبية في التليفزيون الرسمي – زميلة لـ “أوفزيانيكوفا”- أي في القناة الأولى الروسية. كما تقدم صحفيان عاملان لدى شبكة تلفزيون “إن. تي. في” الروسية باستقالاتهم كذلك، وهُما “ليليا جايلدييفا” التي كانت تعمل مقدمة برامج لدى الشبكة منذ عام 2006، و”فاديم جلوسكر”، الذي كان يعمل في الشبكة نفسها منذ ثلاثين عام.

يأتي ذلك، وسط شائعات متداولة عن وجود الكثير من الاستقالات في صفوف الإعلاميين الروس، كان هناك من بينها استقالات تمس شخصيات لامعة، لا شك وأن غيابها عن الظهور سيلفت الانتباه إلى طبيعة موقفها السياسي من تحركات قيادة بلادها. ونجد من بين هذه الأسماء، “ماريا بارونوفا”، وهي إعلامية بارزة لدى شبكة قنوات روسيا اليوم الشهيرة، و”إيفان أورجانت”، مُقدم برنامج “توك شو” معروف في روسيا، والذي أعلن أنه سيتوقف عن تقديم برنامجه الذي كان يُبث على القناة الأولى الروسية، لفترة. وعقب إعلانه، نشر “أورجانت” عبر حسابه الشخصي على موقع انستجرام ومعها تعليق بعبارة “خوف وألم.. لا للحرب”. ثم أخبر مُتابعيه فيما بعد ألا يفزعوا، وبأنه سيكون في عطلة وسوف يعود إلى الظهور على الشاشة خلال وقتٍ قريب. 

الرفض الجماهيري: بين احتجاجات الشارع ووسوم مواقع التواصل الاجتماعي

قامت وسائل إعلام غربية عديدة، منذ الساعات الأولى للاجتياح الروسي لأوكرانيا في أواخر فبراير الماضي، بتداول أنباء من بينها مقاطع فيديو حول وجود احتجاجات شعبية عريضة في الشارع الروسي على قرار الحرب على أوكرانيا. مؤكدين أن هناك حملة اعتقالات واسعة النطاق تخللت الاحتجاجات التي اندلعت في أنحاء متفرقة من الاتحاد الروسي. وفي غضون ذلك، قدمت وسائل إعلامية ناطقة باللغة الروسية، تغطية إعلامية ضيقة النطاق. مما تسبب في محدودية الأخبار وتقترن بضبابية في المشهد العام حول تقدير حجم وطبيعة هذه الاحتجاجات، التي انحصرت المعلومات ما بين ما يقدمه الغرب من أنباء تضخمية وما تُشير اليه مصادر محدودة من الصحافة الروسية باعتباره احتجاجات لم تبلغ بعد حد العشرة آلاف مشارك. 

يشار هنا إلى التقرير الذي أوردته، صحيفة “كوميرسانت” الروسية، بتاريخ 25 فبراير، تحت عنوان “تجمعات لمواطنين ضد الحرب”، والتي أوضحت فيه بأن الشرطة الروسية اعتقلت قرابة الـ 1500 شخص شاركوا في الاحتجاجات التي جرت في ساحة بوشكين بمدينة موسكو، والتي ذكرت الصحيفة أنها شهدت تجمع يضم نحو ألفي شخص. 

فيما لفتت الصحيفة نفسها، إلى أن سكان مدينة “سانت بطرسبرج”، قد بدأوا في الخروج في اعتصامات فردية قدرتها الصحيفة في نفس حدود ما شهدته مدينة موسكو، أي نحو ألفي شخص كذلك. وأوضحت الصحيفة أن المشاركون حملوا لافتات كُتب عليها بخط اليد عبارات على غرار، “لا للحرب مع أوكرانيا“، و”هل يريد الروس الحرب؟”، و”أنا مواطن روسي، لدي رأي الخاص، أنا ضد الحرب، أنا ضد قتل الأشقاء، لا تبقى صامتًا، هذه مسؤوليتنا“. وفي كل الأحوال، أشارت الصحيفة إلى أن الشرطة طلبت من المعتصمين العودة إلى منازلهم فيما تم احتجاز عددًا منهم، ليعاودوا إطلاق سراحهم مرة أخرى مع تحذيرهم من عدم جواز نشر معلومات كاذبة. 

وفي نفس التوقيت، 25 فبراير، نشر مصدر إعلامي روسي آخر، تقريرًا حول بدء موجة ثانية من الاحتجاجات في مدينة سانت بطرسبرج. سلط من خلاله الضوء على أن المسيرة الاحتجاجية اشتملت على عدد يصل إلى المئتي مشارك، وأن الشرطة أنهت الموقف من خلال اعتقال ما لا يقل عن عشرون منهم. 

بينما شهد العالم الافتراضي، احتجاجًا من نوع آخر، عبر نشر وتداول مواطني الاتحاد الروسي للعديد من الوسوم المضادة للحرب على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تداول المستخدمون هذه الوسوم بفاعلية حتى لحظة صدور قرارات تقييدية مثل؛ قرار حظر مواقع التواصل الاجتماعي الأكثر شهرة “فيس بوك” و”انستجرام” داخل حدود الاتحاد الروسي، بتاريخ 6 مارس الجاري. بالإضافة إلى قانون حظر نشر اخبار كاذبة عن الحرب في أوكرانيا والذي اعتمده مجلس الدوما بتاريخ 4 مارس. 

وقد اشتمل هذا النوع من الاحتجاجات على عدد من الوسوم الشهيرة، التي تراوحت ما بين “لتسقط الحرب، لا للحرب في أوكرانيا، أنا ضدها”. فيما كان وسم “لا للحرب”، هو الأشهر من بينهم على الإطلاق، والذي في مقدور كل من يتصفحه أن يعثر على أسباب منطقية يُبدي فيها كل مستخدم روسي استياؤه من العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. وبوجه عام، كان معظم المشاركون في هذا الوسم يشعرون باستياء بالغ من الحرب نظرًا لأنهم إما متزوجون من شركاء أوكرانيون، أو أنهم ولدوا لواحد من أبوين أوكراني، لذلك كانوا يشعرون بخزي وبعار واستياء شديد لأن أمن أقاربهم في أوكرانيا بات مهددًا بسبب الحرب.   

ونخلص من كل ذلك، إلى أنه من المنطقي فهم وجود تيارات معارضة داخلية روسية للحرب على أوكرانيا، لكن يظل من الصعب الوقوف على حجم هذه المعارضة ومدى استياءها، خاصة في ظل التعتيم الإعلامي الروسي للمشهد الداخلي في مواجهة التضخيم الإعلامي الغربي لنفس الأحداث، وهو ما يُفقد كلا الطرفين السواد الأعظم من مصداقيته، ويضع عقبات كبيرة أمام أي محلل سياسي يسعى لإعطاء تقديرات دقيقة للموقف.

ومع ذلك، يظل من المنطقي تصور وجود معارضة كبيرة قد ترقى لأن يتم وصفها بـ “غالبية” مواطني روسيا، والسبب وراء هذا التصور يعود إلى أنه من الصعب تصور أي نوع من الحروب قد تندلع عندما يرفع فيها شخصًا ما السلاح في وجه شخص آخر يشبهه تقريبًا في كل شيء. كما أن الحرب الروسية على أوكرانيا تُعيد إلى الأذهان الطريقة التي نظر بها المحللون السياسيون إلى القوات المسلحة العراقية أثناء مواجهتها مع مواطني دولة الكويت الشقيقة خلال حرب الخليج الأولى عام 1990، وتلك أيضًا كانت حرب وضعت شعبين شقيقين على خطوط المواجهة المباشرة مع بعضهما البعض. 

داليا يسري

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى