الأزمة الأوكرانيةأوروبا

الشروط الصعبة… احتمالات منخفضة أمام انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي

جدد التهديد الجيوسياسي الروسي لأوكرانيا تطلعاتها القديمة بشأن عضوية الاتحاد الأوروبي، فخلال اليوم الخامس من الحرب (28 فبراير) وقع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي طلبًا رسميًا لعضوية الاتحاد الأوروبي الفورية، وعدّها لحظة حاسمة لإنهاء المناقشة طويلة الأمد بشكل نهائي والبت في عضوية أوكرانيا، داعيًا القادة الأوروبيين إلى إثبات تضامنهم مع كييف. 

وقد أحدث الطلب الأوكراني انقسامًا بين الأعضاء الشرقيين والغربيين بشأن المسار الواجب اتباعه تجاهه، فبينما طالبت ثماني دول من أوروبا الشرقية هي؛ بلغاريا والتشيك وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا بإنشاء مسار خاص لمنح أوكرانيا وضع الدولة المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وفتح عملية المفاوضات فورًا، عارضت دول أوروبا الغربية –بالأخص ألمانيا وفرنسا وهولندا وإسبانيا وبولندا– الإسراع في العملية وفضلت المسار التقليدي طويل الأمد.

تطلعات متجددة

كان الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي هدفًا طويل الأمد لأوكرانيا صاغه الرئيس السابق ليونيد كوتشما بعد فترة وجيزة من إعلان استقلالها عن الاتحاد السوفيتي عام 1991، وقد فُهم هذا بوصفه إعادة توجيه للسياسة الخارجية من شأنه أن يفتح آفاقًا جديدة للتعاون مع الدول الغربية. ومع ذلك، ظل الاتحاد متحفظًا تجاه تلك التطلعات لاعتبارات استشراء الفساد، والنزعات الاستبدادية في السياسة الخارجية الأوكرانية، والافتقار إلى الحرية والاستقلال لوسائل الإعلام، والعوائق الشديدة أمام سيادة القانون، بحسب رئيس المفوضية الأوروبية السابق رومانو برودي الذي فضل إيجاد نوع من الشراكة مع أوكرانيا لا تتضمن الشراكة المؤسسية.

ورغم دخول اتفاقية الشراكة والتعاون بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا حيز التنفيذ في مارس 1998، لم يتم إضفاء الطابع المؤسسي على العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا إلا بعد تأسيس الشراكة الشرقية في عام 2009 ضمن إطار سياسة الجوار الأوروبية (ENP) التي اُطلقت عشية التوسع الخامس للاتحاد في 2003. 

لكن مسألة الانضمام للكتلة تعرقلت باستمرار؛ نظرًا لمعارضة روسيا، وعدم رغبة الاتحاد استعداء موسكو، وهو الموقف الذي شهد تحولًا جزئيًا بالتزامن مع اندلاع احتجاجات الميدان الأوروبي عام 2014، وتنصيب حكومة أوكرانية موالية للغرب، وتبني الاتحاد موقفًا أقل حدة تجاه مسألة تطلعات العضوية، فاعتبارًا من 2014 ذكر البرلمان الأوروبي مرارًا في  قراراته أن أوكرانيا لديها “منظور أوروبي”، وأنه وفقًا للمادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي فإن أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا لديها المنظور الأوروبي ويمكن ضمهم للاتحاد شريطة الالتزام بمبادئ الديمقراطية، واحترام الحريات الأساسية، وحقوق الإنسان، والأقليات، وضمان سيادة القانون.

وإلى جانب التخوفات الأوروبية بشأن إثارة غضب الكرملين الذي يعتقد في أحقيته ممارسة السيطرة على توجهات الدول التي نشأت عن تفكك الاتحاد السوفيتي ويعارض توجهها الأوروبي، وعدّه أوكرانيا عصبًا رئيسًا لمنظمة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، تأثرت الرؤية الأوروبية لمكانة أوكرانيا داخل النظام الدولي الأوروبي بعد نهاية الحرب الباردة بالسياسات الداخلية الأوكرانية، وانتشار الفساد والفقر، وهيمنة الصناعات الثقيلة المتدهورة، وغالبًا ما كان يُنظر إليها بوصفها مجرد جسر جيوسياسي بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. 

لكن الطموحات الروسية في أوكرانيا منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين دفعتها إلى إثارة مسألة عضوية الاتحاد الأوروبي بين الحين والآخر. وكانت احتجاجات الميدان الأوروبي النقطة الأهم لعملية التحول السياسي باتجاه أوروبا، حيث شكلت الأساس لصعود الحكومات الموالية لأوروبا انتهاءً بفوز الرئيس فولوديمير زيلينسكي في الانتخابات الرئاسية في عام 2019، ودفعت إلى دخول اتفاقية الشراكة الموقعة عام 2014 حيز التنفيذ في سبتمبر 2017. 

وتشكل الاتفاقية أساسًا يُمكن البناء عليه للتقارب مع الاتحاد الأوروبي في المجالات السياسية والاقتصادية والقانونية، لا سيمَّا أن هدفها النهائي هو التوفيق بين معايير أوكرانيا الاقتصادية والقانونية ومعايير الاتحاد الأوروبي بمرور الوقت، وبناء مسار نحو عضويتها المحتملة في الاتحاد الأوروبي مستقبلًا، ويشمل ذلك إنشاء “منطقة التجارة الحرة العميقة والشاملة” على مدار فترة انتقالية تصل إلى عشر سنوات لتحرير حركة السلع والخدمات ورأس المال. 

وخلال تلك الفترة، كان من المقرر تخفيض الرسوم الجمركية تدريجيًا والالتزام بالمواءمة مع معايير الاتحاد الأوروبي في مجموعة من المجالات الفنية والمتعلقة بالتجارة مثل؛ المنافسة، والجمارك، وتدابير الصحة والصحة النباتية، والاعتماد التدريجي للمقتنيات القانونية للاتحاد الأوروبي. أيضًا، يُمكن لأوكرانيا بموجب الاتفاقية الالتزام ببرامج الاتحاد الأوروبي (مثل هوريزون) والتعاون مع وكالات الاتحاد الأوروبي (مثل يوروبول). 

كذلك، تضمنت الاتفاقية التزامات بربط أوكرانيا بسياسة الأمن والدفاع المشتركة للاتحاد الأوروبي، وتوسيع التعاون في سياسات الطاقة، حيث كانت تعتزم أوكرانيا الانضمام إلى سوق الطاقة الأوروبية بحلول عام 2022/2023. ومنذ عام 2014، اتخذت خططًا لمزيد من التكامل في السوق الرقمية الموحدة للاتحاد الأوروبي. ومع أن الاتفاقية لم تسمح بحرية تنقل الأشخاص، إلا أنه منذ 2017 تمكن الأوكرانيون من السفر بدون تأشيرة إلى الاتحاد الأوروبي في رحلات سياحية تصل مدتها إلى ثلاثة أشهر.

فرص محدودة

يتطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي المضي قدمًا ضمن مسار بيروقراطي معقد للتحقق من استيفاء الدولة المرشحة للعضوية معايير كوبنهاجن الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والقانونية والبيئية والصحية، وهي عملية تخبرنا السوابق التاريخية باستغراقها سنوات طوال تتجاوز في بعض الحالات عشر سنوات قبل أن تحظى الدولة المرشحة بقبول الأطراف السبعة وعشرين مجتمعين، 

وفي أفضل الأحوال استغرق قبول السويد وفنلندا والنمسا –الذين كان يُنظر إليهم بوصفهم مرشحين أقوياء عند التقدم بطلب العضوية– ما لا يقل عن ثلاث سنوات. وعليه، فإن هناك العديد من العقبات السياسية والبيروقراطية أمام القبول السريع لعضوية أوكرانيا أو تفعيل إجراء خاص، نستعرضها على النحو التالي:

• تراجع الرغبة السياسية لضم أعضاء جدد ومنح الأولوية لإصلاح آلية صنع القرار: لأسباب اقتصادية وسياسية متعددة، تراجعت الرغبة السياسية لمزيد من التوسع في الاتحاد الأوروبي منذ انضمام كرواتيا عام 2013، ويتجلى ذلك في عملية الانضمام البطيئة لدول غرب البلقان؛ فعقب ما يقرب من 20 عامًا على قمة سالونيك المنُعقدة في 2003 بمشاركة 6 دول من غرب البلقان وتلقيها تعهدًا بدعم جهودها نحو التكامل الأوروبي، لم تنضم سوى كرواتيا، بينما تتمتع أربع دول أخرى (ألبانيا، الجبل الأسود، مقدونيا الشمالية، صربيا) بوضع الدولة المرشحة، لكن مفاوضات الانضمام لم تبدأ إلا مع دولتين فقط (الجبل الأسود، صربيا). 

وتجادل الدراسات بأن وضع الاتحاد الأوروبي حاليًا يختلف كثيرًا عن مرحلة التسعينيات عندما بدأت عملية ضم 11 دولة من وسط وشرق أوروبا، انضمت في النهاية بحلول عام 2004 وما بعده. أما الآن فبات يُعاني من ضغوطات وأعباء مالية مرتبطة بتوسيع الالتزامات تجاه الأعضاء الجدد، وتعرضه لأزمات اقتصادية ناجمة عن جائحة كورونا وخروج بريطانيا، فضلًا عن الخلافات القانونية مع الأعضاء الجدد كالمجر وبولندا. علاوة على أن قاعدة الإجماع المنصوص عليها لإقرار بعض القضايا في ظل اتساع التباينات بين دول الاتحاد بشأن الملفات المختلفة، جعلت عملية صنع القرار داخل الاتحاد صعبة ومرهقة للغاية في كثير من الأحيان. 

ومن ثم، هناك إحجام من جانب بعض دول الاتحاد، خاصة تلك التي ترغب في تعميق عملية التكامل الأوروبي، لقبول أعضاء جدد قبل إجراء تغييرات مهمة في معاهدة لشبونة، لاسيما لإزالة قاعدة الإجماع في بعض المجالات الحساسة كالسياسة الخارجية والأمنية المشتركة والخطط المالية متعددة السنوات حتى لا تصبح رهينة لحق النقض للدول منفردة. ومن شأن إضافة أعضاء جدد دون حل هذه المشكلة أن يزيد الوضع تعقيدًا. 

• أسبقية التوصل إلى ترتيب أمني أوروبي جديد مع روسيا: يعتقد قادة الاتحاد أنهم بحاجة الآن إلى التوصل لاستراتيجية واضحة فيما يتعلق بنظام أمني أوروبي مستدام لما بعد الحرب قبل البدء في ضم أعضاء جدد، إذ يعتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الاعتراف بتوسع النفوذ الغربي بدون هيكل أمني قاري يجعل الاتحاد الأوروبي في قلب هذه المواجهة الجديدة بين الشرق والغرب، ويقترح الرئيس الفنلندي سولي نينيستو، إطلاق محادثات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا على غرار نموذج هلسنكي عام 1973، بعدما تهدأ المدافع، للتباحث بشأن نظام أمني جديد، ومناقشة القضايا الاقتصادية المشتركة.

• الخشية من إثارة التوترات مع الدول الأخرى المتطلعة للعضوية: ترتبط الحساسيات السياسية التي أعربت عنها بعض الدول الأعضاء بشأن العضوية السريعة لأوكرانيا بالقلق إزاء إمكانية خلق مشاكل وتورات مع دول غرب البلقان التي لا يزال مستقبل عضويتها مُعلقًا، وهم ينقسمون إلى مجموعتين؛ البلدان المرشحة المحتملة كالبوسنة والهرسك وكوسوفو، والبلدان المرشحة بما في ذلك ألبانيا ومقدونيا الشمالية وصربيا والجبل الأسود وتركيا، مما يجعل من الصعب على الاتحاد التحرك بشكل أسرع بشأن أوكرانيا.

• تجنب الانخراط في حالة حرب مع روسيا: إن العضوية الفورية لأوكرانيا في الاتحاد الأوروبي ستؤدي إلى انزلاق الكتلة في حالة حرب؛ فبموجب شرط الدفاع المشترك المنصوص عليه في المادة 42 (7) من معاهدة الاتحاد الأوروبي، “فإن تعرض إحدى دول الاتحاد الأوروبي لعدوان مسلح على أراضيها، يلزم الدول الأخرى بمساعدتها بكل الوسائل المتاحة لها، وفقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة”، بما يعني جر الاتحاد إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، وعليه، فإنه يُفضل التركيز على تقديم دعم عملي لأوكرانيا لإنهاء الحرب خلال المرحلة الراهنة، دون مضاعفة عداء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يعارض اصطفاف أوكرانيا إلى جانب القوى الغربية.

• طول المسار البيروقراطي: يمر طلب العضوية المقدم من الدولة خلال مسار بيروقراطي منصوص عليه بموجب المادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، يخضع للإرادة المنفردة للدول الأعضاء ويستغرق نحو خمس سنوات في المتوسط تتركز بالأساس بين عملتي بدء مفاوضات الانضمام وتحقيقها فعليًا، دون الأخذ في الحسبان الوقت الذي يتم خلاله تقييم الطلب والاتفاق على التفاوض. 

فعقب التقدم بالطلب رسميًا تفحصه المفوضية الأوروبية وتصدر حكمًا بشأن ما إذا كانت الدولة تفي بمعايير كوبنهاجن. وفي حالة استيفائها، يجب الموافقة على الطلب بالإجماع داخل المجلس الأوروبي وبالأغلبية داخل البرلمان الأوروبي، بما يمنح مقدم الطلب وضع “الدولة المرشحة”، ويستغرق هذا في المتوسط ما بين 15 و18 شهرًا. يتبعه وضع الدولة المرشحة والمفوضية إطار عمل تفاوضي يجب أن توافق عليه كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي. 

وبمجرد الموافقة عليه تبدأ المفاوضات الرسمية التي تنقسم إلى 6 مجموعات مواضيعية تغطي 35 فصلًا، بما في ذلك اعتماد الدولة لقانون الاتحاد الأوروبي الحالي، وتنفيذ الإصلاحات اللازمة لتلبية معايير الانضمام، وتحديد تفاصيل إسهامها في ميزانية الاتحاد الأوروبي، وأي ترتيبات انتقالية تسمح بقواعد معينة (مثل حرية تنقل الأشخاص) على مراحل بمرور الوقت. ويتم إغلاق كل فصل بشكل مستقل إذا ما ارتأت كافة الدول الأعضاء منفردة أن مقدم الطلب قد استوفاه كاملًا (يستغرق هذا ما بين 4 إلى 7 سنوات تقريبًا). 

وبمجرد الانتهاء من كل فصل، تتم صياغة معاهدة الانضمام التي تحدد شروط العضوية، وعقب التوقيع والمصادقة عليها من قبل حكومات جميع دول الاتحاد وحصولها على موافقة البرلمان الأوروبي، تُمنح الدولة صفة “دولة منضمة” حتى تاريخ عضويتها على النحو المنصوص عليه في المعاهدة، وخلال تلك الفترة تتمتع الدولة بالمزايا الكاملة لعضوية الاتحاد الأوروبي فيما عدا التصويت داخل هيئات ووكالات الاتحاد.

ويبدو أن العمليات المشار إليها سلفًا تخضع لتقديرات الدول منفردة التي قد تعرقل أي مرحلة؛ فعلى سبيل المثال، تدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2019 لمنع بدء المفاوضات الرسمية مع ألبانيا ومقدونيا الشمالية بحجة أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى التركيز أولًا على إصلاح الأوضاع الداخلية. وفي حالة البوسنة والهرسك استغرق الأمر ثلاث سنوات كاملة لحين أصدرت المفوضية الأوروبية رأيها بشأن ترشيحها. كذلك، إلى جانب الخطوات الفنية العديدة، يمكن أن تكون عملية الانضمام محفوفة بالتوترات السياسية بين الدول الأعضاء والتي يمكن أن تعرقل التقدم أو تسرعه.

• عدم استيفاء معايير كوبنهاجن: يتطلب انضمام الدولة للاتحاد الأوروبي تبنيها القيم الأوروبية وتلبيتها لمعايير كوبنهاجن المتمثلة في: وجود مؤسسات مستقرة تضمن الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان واحترام الأقليات وحمايتها، وإقامة اقتصاد سوق فعال قادر على المنافسة، وقبول تشريعات الاتحاد الأوروبي واليورو بما في ذلك جعل قوانينها المحلية المتعلقة بالواردات والصادرات والتوحيد القياسي متوافقة مع المعايير الأوروبية، وإجراء إصلاحات قضائية لتلبية معايير الاتحاد، والقدرة على تحمل وتنفيذ التزامات العضوية بشكل فعال. وهي إصلاحات تستغرق وقتًا طويلًا وتتطلب استقرار سياسي لإنجازها لا يتحقق خلال مرحلة الحرب الراهنة، إذ تضطر الدولة لتكريس مواردها الاقتصادية وجهدها السياسي لإنهاء الحرب.

ورغم أن مؤشر الشراكة الشرقية 2021 الذي يقيم أداء الديمقراطية والتكامل الأوروبي يشير إلى تحقيق أوكرانيا نتائج إيجابية في العديد من المجالات، بما في ذلك حقوق الإنسان؛ إذ تمكنت البلاد من تنفيذ حوالي 60% من اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، إلا أن الطريق مازال طويلًا لاستيفاء المعايير الكاملة للعضوية؛ فإذا انضمت أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي ستكون أفقر دولة؛ إذ يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو 3726.93 دولار حتى عام 2020، وهو ما يمثل حوالي ثلث الناتج المحلي الإجمالي للفرد في بلغاريا (العضو الأفقر في الاتحاد الأوروبي حاليًا) والذي يبلغ 9975.78 دولار عام 2020. وبالتالي، سيتعين على كييف إجراء إصلاحات اقتصادية، ومن شأن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الغزو الحالي إعاقة ذلك.

كذلك، لايزال الفساد يشكل مشكلة خطيرة؛ فوفقًا لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية عام 2021، تحتل أوكرانيا المرتبة 122 من بين 180 دولة. وتورطت وكالات مكافحة الفساد في صراعات سياسية مع مؤسسات الدولة الأخرى والمسؤولين المنتخبين، وقيدت المحكمة الدستورية العديد من الصلاحيات التي تمتلكها الوكالة الوطنية لمكافحة الفساد في أكتوبر 2020، مما حد من قدرتها على العمل. واستمرت قضايا الفساد الكبرى خلال عام 2021، ففي فبراير قُبض على مسؤولين مصرفيين بتهم فساد، وتم الكشف عن سرقة 315 مليون دولار من بنك “PrivatBank”.

أيضًا، لاتزال مسائل الحقوق والحريات موضع تساؤلات؛ فقد احتلت الدولة المرتبة 61/100 على مؤشر “فريدوم هاوس: لعام 2022؛ نظرًا لاستمرار القيود على حرية التجمع والتعبير والصحافة، فحتى أوائل أكتوبر 2021 سجل معهد الإعلام المستقل 139 انتهاكًا لحرية التعبير ضد الصحفيين خلال العام، بما في ذلك 73 حالة عرقلة، و17 اعتداءً جسديًا، و12 تهديدًا، و11 قيدًا على الوصول إلى المعلومات، و10 جرائم إلكترونية، إلى جانب استهداف بعض المنافذ الإعلامية وترهيب الصحفيين. علاوة على ذلك، تفتقر أوكرانيا إلى قانون ينظم سير المظاهرات وينص على حرية التجمع. ويتعرض نشطاء المجتمع المدني للترهيب والتهديد؛ ففي سبتمبر 2021، سجل مركز زمينا لحقوق الإنسان 88 حادثة استهدفت نشطاء.

وهناك عامل آخر يجب مراعاته وهو أن أوكرانيا ستصبح خامس أكبر عضو في الاتحاد الأوروبي من حيث عدد السكان، مما يمنحها صوتًا مؤثرًا نسبيًا في البرلمان والمجلس، حيث يتم تخصيص المقاعد وفقًا لحجم السكان، مما قد يزعج الدول الأعضاء الأخرى. علاوة على ذلك، تعد وحدة أراضي الدولة ركيزة أساسية لعضوية الاتحاد الأوروبي، وهو ما لا يتحقق في ظل انفصال شبه جزيرة القرم وجمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الانفصاليتين.

ملاحظات ختامية، اكتفت مؤسسات الاتحاد الأوروبي بالدعوة إلى العمل من أجل منح وضع الدولة المرشحة لأوكرانيا، وهو ما لا يبشر بعملية انضمام متعجلة، مع تفضيل العمل من خلال اتفاقية الشراكة لعام 2014 كإطار يُمكن من خلاله متابعة اندماج أوكرانيا بشكل أكبر. وحتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلًا المتعلقة بمنح أوكرانيا صفة مرشح للعضوية خلال قمة الاتحاد العادية المقرر انعقادها نهاية مارس، فإنها ستحمل دلالات رمزية سياسية ومعنوية لا تنعكس بالضرورة على مسار الانضمام البيروقراطي؛ كونها ستبعث برسالة إلى روسيا مفادها أن أوكرانيا ليس لديها نية للتنازل عن اعتبار نفسها جزءًا من أوروبا، وأن محاولات موسكو إعادتها إلى فلكها بالقوة سيكون لها تأثير عكسي، وتحمل كذلك تضامنًا سياسيًا من جانب الاتحاد الأوروبي يُمكن أن يسهم في رفع الروح المعنوية للأوكرانيين ليس أكثر. 

ومع ذلك، من الناحية النظرية إذا ما حققت عملية الانضمام تقدمًا –على المدي الطويل– وفقًا لمسارها المعتاد فإنها ستعطي دفعة للإصلاحات السياسية والاقتصادية والمؤسسية والقانونية داخل أوكرانيا، لاسيمّا أن إحدى مظاهر القصور في اتفاقية الشراكة الحالية مع الاتحاد الأوروبي تتمثل في الافتقار إلى أهداف واضحة ورصد للتقدم في المجال السياسي ومجال سيادة القانون.

 لكن من الناحية العملية تظل السيناريوهات جميعها قائمة ومرتهنة بتسويات مرحلة ما بعد الصراع، فخروج أوكرانيا مهزومة سيجعل من الصعب إقناع روسيا بعضويتها في الاتحاد الأوروبي لاسيما أن الأزمة نشأت لخشيتها من انضمام أوكرانيا للناتو أو ارتباطها بالاتحاد الأوروبي، بجانب أن نجاح بوتين في تنصيب نظام موالِ في كييف سيقطع الطريق أمام عضويتها في الاتحاد الأوروبي. 

ومع ذلك، قد تسمح موسكو لكييف بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ضمن صفقة تتضمن إقرارًا بحياد الدولة وعدم انضمامها مطلقًا للناتو، وربما الاعتراف بمكاسب إقليمية لموسكو بما في ذلك استقلال جمهوريتي دونيستك ولوهانسك الانفصاليتين، وضم شبه جزيرة القرم.

ولمعالجة التعقيدات المشار إليها على الأمد القصير، تقترح بعض الدراسات تطوير صيغة مختلفة للدول الراغبة في إقامة علاقات تكامل أوثق مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك أوكرانيا، بحيث تتجاوز اتفاقيات الشراكة الحالية ولا ترقي –في الوقت نفسه– إلى العضوية الكاملة في الاتحاد؛ بمعنى أن تقدم الصيغة الجديدة لهذه البلدان أكثر من مجرد التجارة الحرة في السلع.

وتتعلق إحدى تلك الصيغ بعضوية المنطقة الاقتصادية الأوروبية، التي تقدم حاليًا مشاركة أيسلندا والنرويج وليختنشتاين في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، ومن شأن هذا الوضع أن يعزز الإصلاحات الاقتصادية والسياسية داخل تلك البلدان ويمتعها بنوع من الاستقرار الاقتصادي الذي تتطلع إليه، علاوة على ضرورة أن تبدأ بروكسل في دمج أوكرانيا في بعض المجالات كالطاقة عبر ضمها  للصفقة الخضراء الأوروبية وبرنامج التحول الأخضر للاتحاد لتقليل اعتمادها على الطاقة الروسية، وكذلك منح تأشيرات طويلة الأجل وتصاريح عمل للمواطنين الأوكرانيين الفارين من الحرب. ومع ذلك، لا تشمل تلك الصيغة الاندماج في التحالفات الأمنية الأوروبية الأطلسية التي تمثل هدفًا أساسيًا لكييف لتوفير مظلة أمنية وسياسية لها تضمن عدم ارتهانها للطموحات الروسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى