مصر

حلول على مديات متعددة… جهود الدولة للسيطرة على ارتفاع الأسعار

قبل بضعة أيام أو حتى أسابيع من حلول شهر رمضان دائمًا ما كنا نشهد موجة غلاء موسمية تستمر حتى الأيام الأولى من الشهر الكريم، ثم ما تلبث الأسعار أن تعود إلى مستوياتها الطبيعية. وحتى هذه العودة، كانت تعالج الحكومات المتعاقبة الأزمة بضخ مزيد من السلع الأساسية بالمجمعات الاستهلاكية لاحتواء وحماية محدودي الدخل. 

لكن هذه المرة كان الوضع أكثر تعقيدًا، فبخلاف الزيادة الموسمية التي اعتدناها لعقود، يعاني العالم أجمع حالة من التضخم وارتفاع أسعار السلع الأولية كالغذاء والطاقة، وشلل حركة الإمداد حول العالم على إثر الأزمة الروسية – الأوكرانية، ومصر واحدة من أكثر الدول المحتمل تأثرها بالأزمة؛ بوصفها تأتي بـ 80% من وارداتها من القمح من روسيا وأوكرانيا، فضلًا عن كونها مقصدًا سياحيًا يحظى بإقبال كبير من كلا البلدين، وبالتالي ستشهد انكماشا في نفقات زائريها. وهذا كله يأتي في الوقت الذي تحاول فيه اقتصادات العالم التعافي من آثار انتشار جائحة فيروس كورونا المستجد قبل عامين.

تضخم عالمي

الربع الأخير من العام الماضي شهد فيه الاقتصاد العالمي ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات التضخم، خاصة بعد الآثار السلبية لجائحة كورونا والتي أدت إلى إغلاق كامل في العديد من دول العالم، وما ترتب على ذلك من نقص المخزون الاستراتيجي العالمي، ونقص في الإنتاج بالإضافة إلى أزمة نقص في الطاقة في الأسواق العالمية، وتعثر عمليات الشحن الدولية والتي طالت أسواق أوروبا وأمريكا وبريطانيا والصين، إضافة إلى التغيُّرات المناخية الحادة التي أثرت على الإنتاج الزراعي العالمي، والتي انعكست على زيادة الطلب على المنتجات الزراعية المصرية مثل الخضراوات والفاكهة وخاصة البطاطس المصرية.

وجاءت الأزمة الروسية – الأوكرانية لتعصف بالأسعار هي الأخرى، فقد شهدت عدة دول ارتفاع معدلات التضخم لمستويات قياسية خلال الأيام القليلة الماضية. فقد وصل معدل التضخم في السودان إلى 258.4%، فيما ارتفع التضخم في تركيا بنسبة 54.4% -وهو أعلى مستوى تضخم منذ 20 عامًا- وحتى طرفي الصراع أيضًا طالتهما ألسنة نيران التضخم، فوفقًا لصندوق النقد يتوقع أن التضخم سيتسارع في أوكرانيا إلى 20% في 2022، وارتفع بنسبة 12.5% في روسيا، وهو أعلى مستوى تضخم منذ 2015. 

ولم تكن مصر بمعزل عن هذه الأزمات، وهو ما انعكس على معدلات التضخم المحلية الشهرية بشكل عام، ولمجموعة الطعام والمشروبات على وجه التحديد لكونها الأكثر تأثرًا على المديين السنوي والشهري؛ فقد شهد الربع الأخير من العام الماضي –سبتمبر 2021- ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات التضخم، إلا أن هذه الموجة التضخمية انحسرت لتصل أدنى مستوياتها بنهاية عام 2021. إلا أنها عاودت للإرتفاع مع بداية العام، وسجلت نسبة التغير الشهري لمجموعة الطعام والمشروبات زيادة قدرها 2.6% في شهر يناير 2022، وزيادة شهرية تقدر بحوالي 5.3% فبراير 2022، فيما قدرت الزيادة السنوية في الشهر نفسه بحوالي 20.1%.

ومع الاستعداد للموسم الرمضاني، والموجة التضخمية الموسمية المعتادة، انطلقت الشائعات حول عدم وجود مخزون قمح كافٍ، وأن شهر رمضان والعيد سيشهدان أزمة خبز وقمح ضارية، وفي محاولة لتأكيد الشائعة قام “أغنياء الحرب” برفع سعر الخبز السياحي بدعوى ارتفاع أسعار القمح المورد نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية، خاصة وأن مصر تعتمد على الاستيراد في تأمين احتياجاتها و85% منها من دولتي الصراع (روسيا وأوكرانيا) لكونه القمح الأقرب للمواصفات المصرية.

ومن هنا تتابعت سلسلة رفع الأسعار المتتالية، سواء للمواد الغذائية، أو مواد البناء، أو الذهب، أو البترول، وكلها تحت ادعاء واحد هو “الحرب الروسية الأوكرانية”. وذلك لأن روسيا وأوكرانيا تؤمنان 25% من القمح العالمي المتاح للتصدير، وهما من الموردين الرئيسين للذرة والشعير وزيت عباد الشمس والصلب والنفط والألومنيوم. 

لذا فمن المؤكد أن الحرب الجارية الآن تركت وستترك أثرها على كافة دول العالم، لكن الأثر الوحيد لن يكون في غلاء الأسعار فقط، بل يمتد إلى مشاكل إمدادات وتموين وارتفاع أسعار السلع الغذائية والمحروقات والذهب، وهو ما يؤثر بدوره في ارتفاع معدلات الفقر، وتفاقم مشاكل الأمن الغذائي والمجاعات، خاصة ببعض مناطق أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا التي تعاني في الأساس من هذه المشكلات. 

حلول عاجلة

على المستوى المحلي، كان التدخل الحكومي عاجلًا لاحتواء أزمة ارتفاع الأسعار التي طالت كافة السلع الاستهلاكية تقريبًا، والتصدي للتلاعب في الأسواق في هذا الوقت الحرج. واستهدفت الخطة العاجلة بشكل أساسي التأكد من وجود مخزون كافٍ من كافة السلع الأساسية، مع توفير السلع اللازمة في الأسواق لمواجهة الطلب عليها، والحفاظ على مستوى مقبول من ارتفاعات الأسعار حتى لا يضار محدودو الدخل.

وكانت البداية بعد ثلاثة أيام من اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية، فقد اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي في الـ 27 من الشهر الماضي مع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، وعدد من المسؤولين المعنيين لاستعراض المخزون الاستراتيجي المتوفر للدولة من مختلف السلع الأساسية.

وأوضح وزير التموين أن المخزون الاستراتيجي للقمح يصل إلى ٤ شهور، وبالنسبة للسكر، فهناك احتياطي استراتيجي لمدة حوالي ٤.٥ شهر. أما عن الزيت، فإن الاحتياطي الاستراتيجي للدولة يكفي لمدة ٥.٥ شهر. وبالنسبة للأرز، فهناك اكتفاء ذاتي من إنتاجه، وتمتلك وزارة التموين احتياطيًا استراتيجيًا يصل إلى مدة ٦.٥ شهر. والاحتياطي الاستراتيجي من الفول يصل إلى مدة ٣ شهور. وتم استعراض المتوفر من اللحوم الطازجة والدواجن، إذ تصل نسبة الاحتياطي في كلٍ منهما إلى حوالي ٨.٥ شهر.

ويستفيد حوالي 64 مليون مواطن من السلع المدعمة من خلال البطاقات التموينبة، وتبلغ حصة الدعم عام 2020/2021 حوالي 83 مليار جنيه، مقابل 35.5 مليار جنيه عام 2013/2014. فيما يبلغ عدد المستفيدين من البطاقات التموينية لصرف الخبز المدعم 72 مليون مواطن، تتحمل الدولة من خلاله 100% من زيادة أسعار القمح.

إلى جانب البطاقات التموينية وضمان توافر السلع الأساسية، اتخذت الدولة عدة إجراءات لمتابعة الأسواق وضبط الأسعار، فتم تكليف المحافظين بمتابعة حركة الأسواق وتوافر السلع المختلفة بها بصفة يومية، والتدخل الفوري لمواجهة حدوث نقص في أي سلعة، فضلًا عن التأكد بصفة مستمرة من أن أسعار السلع المطروحة تعد أسعارًا عادلة، ولا توجد أي مغالاة، من خلال أسعار استرشادية للسلع تحقق مصلحة الجميع. على أن تستقبل وزيرة التجارة والصناعة بيانًا مفصلًا من الغرف التجارية بصورة يومية ـعلى غرار ما حدث خلال أزمة كورونا- يرصد موقف توافر السلع الغذائية في الأسواق وأسعارها، على النحو الذي يحقق للحكومة رؤية واضحة تجاه الوضع لاتخاذ القرار المناسب.

وفي سبيل ذلك، صدر قرار رئيس مجلس الوزراء، مساء 20 مارس الجاري، بتحديد السعر الجديد لأسعار الخبز الحر و”الفينو”. ويلزم القرار منافذ البيع بالإعلان عن أسعار الخبز في أماكن ظاهرة للمستهلكين، مع فرض غرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تتجاوز خمسة ملايين جنيه على المخالفين طبقًا لنص المادة 22 مكررا ج، من قانون حماية المنافسة. وحدد القرار سعر بيع الخبز المميز زنة 45 جرامًا بـ 50 قرشًا، والـ 65 جرامًا بـ 75 قرشًا، و11.5 جنيه لكيلو الخبز المعبأ. أما الخبز “الفينو” فحدد القرار 50 قرشًا للرغيف زنة 40 جرامًا. ويستمر العمل بقرار رئيس مجلس الوزراء بداية من غد الثلاثاء ولمدة ثلاثة أشهر أو لحين إشعار آخر.

إلى ذلك، أطلقت الحكومة عددًا من المبادرات؛ بهدف توفير السلع الغذائية بأسعار مخفضة. وفي هذا الصدد، تم تقديم موعد معارض أهلًا رمضان لتبدأ اعتبارًا من 15 مارس حيث ستطرح كافة السلع بتخفيض يتراوح من 15% إلى 30%، فضلًا عن بلوغ إجمالي المنافذ التموينية ضمن مشروع جمعيتي 6740 منفذًا في كافة أنحاء الجمهورية.

وتم إنشاء 12 سرادقًا بالميادين والشوارع الرئيسة لعرض وبيع السلع الاستهلاكية بتخفيضات تصل إلى 60%. وسيتم طرح “شنط رمضان” بأسعار من ٧٥ لـ١٠٠ و١٥٠ جنيهًا، تضم السلع الرمضانية. وتم توفير 233 سيارة ومنفذ بيع متنقل لبيع السلع الغذائية بأسعار مخفضة، وكذلك تطوير 61 مجمعًا استهلاكيًا ومخزنًا وثلاجة تجميد. هذا إلى جانب مشاركة منظومة “أمان” التابعة لوزارة الداخلية في المبادرة للإسهام في تلبية احتياجات المواطنين.

ذلك إلى جانب إطلاق المرحلة 22 من مبادرة “كلنا واحد” لتوفير السلع المختلفة بأسعار مخفضة عن مثيلاتها بالأسواق بنسبة تتراوح من 25% إلى 60%. لمدة ثلاثين يومًا اعتبارًا من يوم 15/3/2022 وحتى يوم 13/4/2022، بالتنسيق مع مختلف قطاعات وزارة الداخلية ومديريات الأمن على مستوى الجمهورية، 

وذلك لتوفير كافة مستلزمات الأسرة من (سلع غذائية وغير غذائية) بجودة عالية وأسعار مخفضة عن مثيلاتها بالأسواق، بعدد من فروع السلاسل التجارية الكبرى (خير زمان– أولاد رجب- عبد الله العثيم – كارفور – العابد – المحلاوي – أوسكار– خير بلدنا – راية ماركت – أسواق فتح الله – الفرجاني – هايبر الشرقية – إسبنس – كازيون – الشرق – أكسبشن – هايبر بلس – مول القاهرة – النساجون الشرقيون – جولدن مان هاوس – تاي هاوس – نيو أكتف “أبو علاء” – راديو طلعت – العربي للأدوات الكهربائية – شركة الفيومي – هايبر وان – دايموند تكستال للملابس الجاهزة – الفار للتجارة – اللولو للأسواق التجارية – الطحان للتمور – المتوكل للاستيراد والتصدير) بإجمالي (993) فرعًا على مستوى الجمهورية؛ وذلك لضمان وصول مبادرات الحكومة لكافة فئات الشعب. 

ولضمان توافر سلع بعينها خاصة التي تشهد تزايدًا في معدلات الطلب عليها خلال شهر رمضان، تعاونت وزارة الزراعة واتحاد الدواجن لضمان توفير الدواجن بأسعار مخفضة، علاوة على طرح 3 أنواع من اللحوم (سوداني، وهندي، وبرازيلي)، بأسعار تتراوح بين 55 جنيه حتى 95 جنيه للكيلو. وأكدت وزارة الزراعة أنها تعمل على تخفيض الأسعار وضبط الأسواق من خلال شراء العجول للذبح الفوري وتوزيع لحومها، وتعمل على زيادة التوسع في الإنتاجية للحوم، من خلال زيادة المعروض بالتوسع الأفقي للطاقة الإنتاجية، من خلال مشروع البتلو والمخصص لتمويله ١٥ مليار جنيه، إلى جانب توفير القروض لزيادة الطاقة الإنتاجية ٨ أضعاف مقارنة بالتربية التقليدية، إلى جانب مشروع تحسين السلالات الذي يساعد على تحسين الإنتاجية.

ولم يتوقف الأمر عند المبادرات الحكومية، فقد أعلن عدد من منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية طرحها عددًا من كراتين المواد الغذائية على الأسر الأكثر احتياجًا خلال الفترة المقبلة، وهو ما يسهم في تخفيف الأعباء عن الأسر الأكثر تضررًا. 

ولضمان انضباط السوق، أخذت وزارة الداخلية على عاتقها رصد الظواهر السلبية المتعلقة بإخفاء وتخزين السلع الأساسية، خاصة الأرز، والدقيق. ويتم تكثيف الحملات الرقابية لمواجهة أي ممارسات غير قانونية. وتم تكثيف الحملات التموينية المكبرة لمراقبة الأسواق للمحافظة على استقرار الأسعار وضبط كافة صور الاحتكار، والتحقق من توافر السلع بالأسواق ومدى صلاحيتها ومطابقتها للمواصفات حفاظًا على الصحة العامة للمواطنين، ولضمان وصول السلع للمواطنين بالأسعار المناسبة والجودة الملائمة.

https://www.facebook.com/EcssAlMarsadAlMasry/videos/314518177413435

وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الداخلية عن قيامها خلال الأسبوع الماضي بضبط 9942 قضية تموينية متنوعة، منها 138 قضية بيع أسطوانات بوتاجاز بالسوق السوداء، بمضبوطات بلغت 3857 إسطوانة بوتاجاز، وضبط 15 قضية بيع مواد بترولية بالسوق السوداء، بإجمالي 133340 لتر مواد بترولية، بالإضافة إلى ضبط 9383 قضية تموينية بإجمالي مضبوطات وزنت 10255492 طن سلع غذائية متنوعة. 

وكذا، تم ضبط 107 قضايا حجب للسلع الاستراتيجية بمضبوطات بلغت أكثر من 2000 طن من الدقيق والسكر والرز والمكرونة، بالإضافة إلى 51625 عبوة زيت طعام، وتم ضبط 289 قضية بيع بأزيد من السعر بمضبوطات بلغت أكثر من 4000 طن من السلع الغذائية المتنوعة، و40615 عبوة زيت طعام، و41760 قطعة أدوات منزلية. هذا بخلاف ضبط مئات الأطنان من مواد البناء المحجوبة أو المقرر بيعها بأزيد من السعر لخلق أزمة بالسوق المصرية.

حلول على المدى القريب

لم ينصب اهتمام أجهزة الحكومة على تخطي الطلب المتزامن مع حلول شهر رمضان المبارك فقط، فقد كان الهدف الأساسي هو توفير احتياجات المواطنين على المديين القريب والمتوسط دون إرهاق ميزانية الدولة بمصروفات مفاجئة ومبالغ فيها. 

فعلى المدى القصير، اتخذت الحكومة عددًا من الإجراءات الحمائية للحفاظ على مخزون السلع الاستراتيجية، فقد أصدرت نيفين جامع، وزيرة التجارة والصناعة، قرارين بوقف تصدير زيوت الطعام بجميع أنواعها والفريك والذرة والفول الحصى والمدشوش، والعدس، والمكرونة، والقمح والدقيق بجميع أنواعه لمدة 3 أشهر. هذا إلى جانب إصدار قرار بمنع التعامل مع الأقماح المحلية إلا في الأماكن التي تحددها وزارة التموين، ويُمنع تداول الأقماح خارج نطاق أماكن التخزين التي تحددها الوزارة. وذلك لأن القمح أحد أهم السلع المحتمل تضررها بالأزمة الأخيرة.

وعن انتظام سلسلة الإمداد من الأقماح المستوردة المتعاقد عليها من المناشئ المتعددة، بما يعزز الاحتياطي الاستراتيجي من القمح؛ أكد وزير التموين والتجارة الداخلية، انتظام سلسلة الإمداد، فقد تم استكمال شحن (189) ألف طن قمح موزعة على النحو التالي: كمية 63 ألف طن قمح روسي، بالإضافة إلى كمية 63 ألف طن قمح روماني، وكمية 63 ألف طن قمح أوكراني، وستصل هذه السفن إلى الموانئ المصرية خلال الأيام القادمة. وأضاف أنه تم بالفعل وصول شحنات قمح بكمية (126) ألف طن قمح موزعة كالآتي: قمح فرنسي بكمية 63 ألف طن إلى الموانئ المصرية بتاريخ 8 مارس 2022، وشحنة قمح روماني بكمية 63 ألف طن بتاريخ 5 مارس 2022. فقد بلغ حجم التعاقدات من سلعة القمح حوالي 4,425 مليون طن، خلال الفترة منذ يوليو 2021 حتى الآن.

ومن المتوقع عدم الاحتياج إلى استيراد شحنات إضافية في القريب العاجل، خاصة مع وجود مخزون استراتيجي للقمح يكفي لـ ٤ شهور، هذا فضلا عن اقتراب موسم حصاد القمح المحلي في ابريل القادم، والذي يتوقع أن يبلغ الإنتاج 10 مليون طن عام 2022، مقارنة بـ 9 مليون طن عام 2021، بنسبة زيادة 11.1%، وذلك لتوجه الدولة لزيادة الإنتاج المحلي من القمح وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وذلك من خلال زيادة مساحة القمح المزروعة بنسبة 7.4%، حيث بلغت 3.65 مليون فدان في 2022، مقابل 3.4 مليون فدان في 2021.

ومن المستهدف تحصيل 4-5.5 مليون طن من الإنتاج المحلي، ويبدأ موسم توريد القمح المنتج محليًا لعام 2022 في الأول من أبريل بدلا من الخامس عشر من أبريل وحتى نهاية أغسطس من نفس العام، على أن يكون التوريد لصالح الهيئة العامة للسلع التموينية التابعة لوزارة التموين والتجارة الداخلية. لتحقيق احتياطي يكفي لتغطية احتياجات الاستهلاك المحلي حتى نهاية العام الجاري من خلال الإنتاج والسعة التخزينية وتعاقدات التوريد الجديدة. 

وفي هذا الصدد، أصدر وزير التموين والتجارة الداخلية الدكتور علي المصيلحي القرار رقم 51 لعام 2022، والخاص بتنظيم التداول والتعامل مع القمح المحلي لموسم حصاد 2022. ونص القرار على ضرورة قيام كل من يملك محصولًا من القمح الناتج عن موسم حصاد عام 2022 أن يسلم جهات التسويق جزءًا من المحصول بواقع 12 إردبًا عن كل فدان كحد أدنى، بناء على الحيازة الزراعية المسجلة بوزارة الزراعة والجمعيات الزراعية، مشددًا على ألا تقل درجة نظافة القمح الذي يسلم لجهات التسويق عن 22٫5 قيراط. على أن تلتزم جهات التسويق بالسداد الفوري للمزارعين موردي الكميات المحددة بالمادة الثانية من هذا القرار وبحد أقصى (48 ساعة) من تاريخ الاستلام.

واتخذت الحكومة عددًا من الإجراءات التحفيزية لتحقيق هذا الهدف، فتم تحديد سعر توريد الإردب قبل موسم الزراعة بـ ٨١٠ جنيه، بزيادة مقدارها ١٠٠ جنيه عن العام الماضي. ووجه الرئيس السيسي بمنح حافز توريد إضافي لسعر إردب القمح المحلي للموسم الزراعي الحالي؛ لتشجيع المزارعين على توريد أكبر كمية ممكنة. ومن بين الحوافز المقترحة تكفل الدولة بتكلفة النقل، وزيادة دعم الأسمدة، ورفع قيمة توريد الإردب. 

حلول على المدى البعيد

وبغض النظر عن أزمة الحرب الحالية، فإن خطة الدولة على المدى البعيد كانت ترتكز على زيادة المخزون الاستراتيجي من كافة السلع الأساسية لأكثر من 6 أشهر، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من هذه السلع. 

لذا اتخذت الدولة عدة خطى لرفع قدراتها التخزينية، وخاصة لمحصول القمح، فتم إطلاق المشروع القومي للصوامع، وقد بلغ إجمالي عدد الصوامع 75 صومعة في 2021، مقارنة بـ 40 صومعة في 2014، وزيادة السعة التخزينية للصوامع بنسبة 183.3%، حيث بلغت 3.4 مليون طن في 2021 مقارنة بـ 1.2 مليون طن في عام 2014.

وجارٍ تنفيذ 7 مستودعات استراتيجية بتكلفة تصل إلى 30 مليار جنيه؛ بهدف زيادة المخزون السلعي ووصوله إلى ما بين 8 لـ 9 أشهر بدلًا من 4 لـ 6 أشهر، فتبلغ مساحة المستودع الواحد 10 أفدنة قابلة للتوسعات المستقبلية. وتم تطوير الشون من خلال تحويل 105 شون ترابية إلى هناجر مطورة بإجمالي طاقة تخزينية 211.5 ألف طن، وذلك ضمن جهود الدولة لاستيعاب مخزون استراتيجي كافٍ من القمح.

وفي ضوء توجه الدولة لتأمين أمنها الغذائي وتحقيق الاكتفاء الذاتي، تم إطلاق عدد من مشروعات التوسع الأفقي الزراعي والتي تهدف إلى زيادة الرقعة الزراعية وتعويض المساحات المفقودة خلال العقود الأخيرة. ومن أبرز هذه المشروعات: مشروع الدلتا الجديدة، ووصلت المساحة المهيأة للزراعة بالمشروع 568 ألف فدان، من بينها 200 ألف فدان تم زراعتها، كما يبلغ إجمالي مساحة المشروع 2.8 مليون فدان، وتشمل أبرز المحاصيل التي يتضمنها المشروع، الذرة والقمح والسكر والخضراوات.

وتم إطلاق مشروع الصوب الزراعية على مساحة 100 ألف فدان، والذي يعد الأكبر بمجال الصوب الزراعية في الشرق الأوسط، حيث يتم تنفيذه على 3 مراحل في مواقع قاعدة محمد نجيب بمطروح، والعاشر من رمضان بالشرقية، وقرية الأمل ومنطقة أبو سلطان بالإسماعيلية، والفشن ببني سويف، واللاهون بالفيوم، والعدوة بالمنيا. كذلك إطلاق مشروع تنمية سيناء حيث تصل المساحة المنزرعة إلى 239 ألف فدان، وإجمالي مساحة المشروع 1.1 مليون فدان.

وتم إطلاق مشروع الريف المصري، وتبلغ إجمالي المساحة المنزرعة حوالي 140 ألف فدان، من إجمالي مساحة المشروع 1.5 مليون فدان، بالإضافة إلى 193 ألف فدان تحت التنفيذ للأنشطة التنموية (استزراع سمكي- ثروة حيوانية- داجني- تصنيع زراعي). ومشروع شرق العوينات والذي تم إطلاقه على مساحة إجمالية 600 ألف فدان، فيما تصل المساحة المنزرعة بالمشروع 244.5 ألف فدان، حيث يتم زراعة محاصيل القمح والذرة والبطاطس والفول السوداني.

ولم يكن هدف تحقيق الاكتفاء الذاتي متمحورًا حول السلع الزراعية فقط، بل امتد لتحقيق الاكتفاء من السلع والمنتجات السمكية، لذا كان من أبرز مشروعات الاستزراع السمكي، مشروع الاستزراع السمكي المتكامل غليون، والذي يعد من أكبر مشروعات الاستزراع السمكي في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى مشروع الفيروز للاستزراع السمكي؛ إذ تم تنفيذ 5907 أحواض استزراع. ومشروع الديبة للاستزراع السمكي ويتضمن استزراع 72 حوضًا، بالإضافة إلى الاستزراع السمكي بهيئة قناة السويس حيث تم تنفيذ أكثر من 4000 حوض ضمن المشروع.

وعلى صعيد تحقيق الاكتفاء الذاتي من الثروة الداجنة، بلغ حجم الاستثمار الداجني أكثر من 100 مليار جنيه، فضلًا عن اعتماد المنظمة العالمية للصحة الحيوانية لعدد 37 منشأة بوصفها منشآت خالية من إنفلونزا الطيور، وتخصيص 22 موقعًا للاستثمار الداجني، علاوة على إدخال خط إنتاج لقاحات الدواجن بمعهد العباسية ليزيد إنتاجه من 200 مليون جرعة إلى 1.5 مليار جرعة.

وبالنسبة لمشروعات الإنتاج الحيواني، فتم تدشين مشروع تطوير مراكز تجميع الألبان والذي يتضمن تطوير 826 مركزًا على مستوى الجمهورية، فتم الانتهاء من تطوير 189 مركزًا، وإنتاج 6 ملايين طن من الألبان، بالإضافة إلى تقديم تمويل ميسر 5% لهذا النوع من المشروعات ضمن مبادرة البنك المركزي. وتم إطلاق المشروع القومي للبتلو، إذ يبلغ عدد المستفيدين منه 40 ألف مستفيد بعدد 450 ألف رأس ماشية، مع تقديم قروض بقيمة 6.5 مليار جنيه بعائد ميسر قدره 5%.

في النهاية، أثناء الحرب يدفع الجميع الثمن، لكن العبرة في القدرة على التعامل وإدارة الأزمة. وحتى الآن استطاعت الدولة المصرية بعدد من القرارات والمبادرات العاجلة السيطرة على السوق، وضبط الأسعار، هذا بخلاف الخطط متوسط وطويلة الأجل لتحقيق الاكتفاء الذاتي من مختلف السلع الغذائية، والتي أسهمت في تراجع واردات مصر من القمح من 14.9 مليون طن عام 2014 إلى حوالي 10.6 مليون طن عام 2021. وتحسن وضع مصر في مؤشر الأمن الغذائي العالمي، حيث تقدمت 4 مراكز، محتلة المركز 62 عام 2021، مقارنة بالمركز 66 عام 2014. 

ختامًا، الحرب الجارية الآن أثرها أقوى من جائحة كورونا، ولكن هذه الآثار سيكون في الإمكان التعامل معها من خلال الإجراءات التي اتخذتها الدولة طيلة السنوات الماضية وأظهرت وجود تخطيط استباقي للتعامل مع مثل هذه الأزمات، مثلما حدث مع أزمة جائحة كورونا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى