الاقتصاد المصريالاقتصاد الدولي

انعكاسات محتملة لرفع الفيدرالي الأمريكي معدل الفائدة لأول مرة منذ 2018

رفع الاحتياطي الفيدرالي معدل الفائدة الأمريكية لأول مرة منذ عام 2018 بنحو 25 نقطة أساس ليتراوح بين 0.25% و0.50%.، مع تسارع التضخم لأعلى مستوياته في 40 عامًا، متوقعًا رفع معدل الفائدة 6 مرات إضافية هذا العام، فقد توقع مسؤولو الفيدرالي وصول معدل الفائدة إلى 1.9% بنهاية العام الجاري، قبل أن يصل إلى 2.8% في العام المقبل. وفي خطوة لاحقة، رفعت البنوك المركزية في 4 دول خليجية أسعار الفائدة الأساسية بها بنسبة 0.25%، وهي السعودية والإمارات والكويت والبحرين؛ نظرًا لارتباطها بالدولار الأمريكي.

وفي هذا الشأن، يستهدف المقال الآتي تحليل الوضع العالمي الذي أدى إلى اتخاذ القرار الأمريكي برفع الفائدة، فضلًا عن استبيان تأثير هذا القرار على الاقتصاد المصري، خاصة في ظل تصاعد الضغوط المفروضة على مصادر الاحتياطي النقدي.

تحولات عالمية

تجتاح العالم منذ انتشار جائحة كورونا حالة من عدم التوازن في جانبي العرض والطلب في ظل تراجع إمدادات العديد من السلع بفعل حالات الإغلاق والإجراءات الاحترازية التي شهدها العالم، بالتزامن مع زيادة الإقبال عليها عقب إعادة افتتاح الاقتصاد العالمي وانتشار عمليات التلقيح على نطاق واسع؛ ولهذا شهدت غالبية الدول حول العالم ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات التضخم، لاسيما أسعار المواد الغذائية والطاقة. 

وما فاقم الأمر سوءًا العملية العسكرية الروسية في الأراضي الأوكرانية عقب حشد موسكو آلاف العسكريين ونشر أسلحة ثقيلة على مقربة من الحدود الأوكرانية لمواجهة تزايد وجود حلف “الناتو” قرب حدودها، وهو ما أرسل أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية لم تسجلها منذ عام 2014، ودفع أسعار السلع الغذائية ولاسيما القمح إلى مستويات مرتفعة كذلك؛ إذ عززت الحرب الروسية –الأوكرانية المخاوف المتعلقة بشأن حدوث المزيد من الانقطاعات في إمدادات الطاقة والغذاء.

وبناء عليه، قفز مؤشر أسعار الغذاء الشهري لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) خلال فبراير إلى 140.7 نقطة، بزيادة قدرها 5.3 نقاط أو 3.9% عن مستواه المسجّل في يناير السابق. ويمثّل ذلك مستوى قياسيًا جديدًا غير مسبوق؛ إذ تجاوز ارتفاعه الأقصى سابقًا والذي كان قد سجله في فبراير 2011، وقد كان الارتفاع المسجّل في فبراير نتيجة زيادات كبيرة في المؤشرات الفرعية لأسعار الزيوت النباتية ومنتجات الألبان. وقد ارتفعت أسعار الحبوب واللحوم كذلك.

دوافع عديدة

تتخذ البنوك المركزية قرارات السياسة النقدية عادةً بناء على العديد من العوامل، أبرزها تغير معدل التضخم ومعدل النمو والتشغيل، والاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين. فإذا أراد جذب المزيد من الاستثمارات غير المباشرة فمن المرجح أن يرفع معدل الفائدة، ومن ناحية أخرى يسهم رفع الفائدة في زيادة الإقبال على الودائع، وهو ما يعني تراجع حجم السيولة في أيدي المواطنين وتراجع مستوى الإنفاق الذي سيصب في النهاية في احتواء معدلات التضخم. أما إذا كان يسعى لرفع معدل النمو فإنه سيلجأ إلى خفضها من أجل تشجيع المستثمرين على الاقتراض، وإطلاق المزيد من المشروعات، مما سيؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة وزيادة معدلات التشغيل وتعزيز النمو الاقتصادي في نهاية المطاف. 

وبالتحول صوب الاقتصاد الأمريكي، سنجد أنه سجّل عجزًا تجاريًا خلال عام 2021 عند 859.1 مليار دولار، وهو أعلى مستوياته على الإطلاق، وهو ما يمثل ارتفاعًا بنحو 27% على أساس سنوي مقارنة بالعجز البالغ حوالي 676.7 مليار دولار خلال عام 2020. وأضاف الاقتصاد الأمريكي وظائف بأكثر من توقعات المحللين خلال فبراير؛ إذ أعلن مكتب إحصاءات العمل إضافة الاقتصاد 678 ألف وظيفة، وهو مستوى أعلى من التوقعات البالغة 440 ألفًا.

على الجانب الآخر، تراجع معدل البطالة بنحو 0.2% إلى 3.8% الشهر الماضي.  وعلاوة على ذلك، نما الناتج المحلي الإجمالي لأكبر اقتصاد في العالم خلال 2021 بنسبة 5.7%، مقارنة بانكماش قدره 3.4% خلال 2020. وفيما يتعلق بالتضخم، فقد ارتفع بنسبة 7.9% على أساس سنوي خلال فبراير، وهو أكبر ارتفاع سنوي في الأسعار منذ يناير 1982، ارتفاعًا من 7.5% المسجلة في يناير السابق له.

ولهذا فقد أيدت مستويات التوظيف القوية وارتفاع معدل التضخم خطط الاحتياطي الفيدرالي لرفع الفائدة خلال العام الجاري بعدد ست مرات تقريبًا. وتوقع أن يبلغ النمو الاقتصادي 2.8% هذا العام، مقارنة بتوقعاته السابقة الصادرة في ديسمبر الماضي والبالغة 4%، فيما تشير التنبؤات إلى وصول معدل البطالة إلى نحو 3.5% خلال عامي 2022 و2023، وحوالي 3.6% بحلول عام 2024. وأخيرًا، توقَّع “الفيدرالي” أن يتراجع معدل التضخم إلى 4.3% بنهاية 2022، و2.7% في 2023، و2.3% بنهاية 2024.

كيف يتأثر الاقتصاد المصري؟

من الممكن أن تؤثر الخطوة الأمريكية برفع معدل الفائدة على الاقتصادات الناشئة والاقتصاد المصري الذي لا يعد بمعزل عن جملة الأحداث التي تشهدها الساحة العالمية، ويُمكن استعراض هذه التأثيرات على النحو الآتي:

• تراجع جاذبية أدوات الدين المحلي: يمثل قرار البنوك المركزية الكبرى برفع أسعار الفائدة مخاطرة بالنسبة للسوق المصرية بسبب احتمالية تقويض جاذبية أدوات الدين المحلية التي تطرحها الدولة، إذ يهرع المستثمرون إلى الاقتصادات المتقدمة مع بدء رفعها لأسعار الفائدة، مما يؤدي إلى نزوح استثمارات الأجانب من الأسواق الناشئة، مما قد يثقل كاهل الاحتياطي النقدي المصري بما يؤثر على قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار، في وقت تشهد فيه جميع مصادر العملات الأجنبية تهديدًا، خاصة الإيرادات السياحية.

• تزايد احتمالية رفع الفائدة محليًا: توقع بنك “ستاندرد تشارترد” البريطاني أن يرفع البنك المركزي المصري سعر الفائدة بنحو 1% (100 نقطة) في اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر عقده في الرابع والعشرين من مارس ليصل إلى 9.25% على الإيداع. وتوقع البنك أن ترتفع الفائدة إلى 10.25% بنهاية السنة المالية 2022، وإلى 11.25% بنهاية السنة المالية 2023.

وقد تزامن كل ذلك مع ارتفاع التضخم محليًا إلى 10% خلال شهر فبراير الماضي، مسجلًا النسبة الأعلى منذ منتصف عام 2019؛ إذ أرجع جهاز الإحصاء الزيادة في معدل التضخم إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشروبات بنسبة 20.1%، وعلى رأسها الخضراوات والفاكهة والخبز والحبوب.

وفي الختام، يتبين أن الدولة المصرية تحاول الحفاظ على الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة في ظل أهميتها بالنسبة للاحتياطي النقدي الذي يتعرض لضغوطات شديدة مؤخرًا جراء تهديد الإيرادات السياحية، فضلًا عن ارتفاع فاتورة الواردات بسبب الاعتماد على الخارج في تأمين الاحتياجات المحلية من الغذاء والطاقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى