إيرانإسرائيل

تحركات تصعيدية إيرانية ضد إسرائيل: المؤشرات والدلالات

هاجم الحرس الثوري الإيراني ليلة 13 مارس، مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراقي، بـ 12 صاروخًا باليستي. وبرر الحرس الثوري هذا الهجوم بالقول إنه استهدف “مركزًا استراتيجيًا إسرائيليًا، يُستخدم للإضرار بإيران والتآمر عليها” وذلك حسب بيان للحرس الثوري الإيراني على موقعه الإلكتروني “سباه نيوز”. وفي يوم 14 مارس، تعرض العديد من المواقع الإلكترونية الحكومية الإسرائيلية لهجمات سيبرانية أدت إلى تعطلها وتوقفها عن العمل، وقد وُجهت أصابع الاتهام إلى إيران، وهما حدثان بنت عليهما بعض التقديرات فرضيات مفادها أن إيران تتبنى تحركات تصعيدية جديدة ضد إسرائيل، تحاول هذه الورقة الوقوف على مؤشرات هذا التصعيد الإيراني وأبعاده المختلفة.

مؤشرات التصعيد الإيراني

يمكن القول إن أبرز مؤشرات التصعيد الإيراني ضد إسرائيل في الأيام الماضية، تمثلت في الآتي: 

1- استهداف مدينة أربيل: أعلن الحرس الثوري الإيراني يوم 13 مارس أنه استهدف “مركزًا استراتيجيًا” إسرائيليًا في أربيل شمال العراق، بعد ساعات من إعلان سلطات إقليم كردستان عن سقوط صواريخ باليستية أُطلقت “من خارج الحدود” في محيط أربيل والقنصلية الأمريكية فيها. وأفاد الحرس الثوري في بيان له بهذا الخصوص، أن هذا المركز “يُستخدم للإضرار بإيران والتآمر عليها”، فيما أعلنت وزارة الخارجية العراقية أنها استدعت السفير الإيراني لدى بغداد من أجل إبلاغه باحتجاج الحكومة العراقية على الهجوم الصاروخي الذي استهدف أربيل، عاصمة إقليم كردستان. 

ونددت الخارجية العراقية في بيان بـ”الانتهاك السافر الذي طال سيادة وأراضي جُمهوريَّة العراق”، ومن جانبه طالب رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، الحكومة الاتحادية والمجتمع الدولي بالوقوف جديًا أمام الاعتداءات المتكررة على أربيل، فيما هاجمت رئاسة مجلس وزراء إقليم كردستان إيران بشدة وانتقدت “صمت المجتمع الدولي إزاء الهجمات الجبانة”، لكن الحكومة الإسرائيلية لم تعلق على هذا التحرك الإيراني، وهو رد الفعل الذي يدخل في إطار ما يُعرف بـ “معارك الظل” بين الطرفين في السنوات الأخيرة.

2- هجمات سيبرانية ضد مواقع حكومية إسرائيلية: أعلنت إسرائيل يوم 14 مارس أنها تعرضت لهجوم سيبراني أدى إلى تعطيل عدد من المواقع الحكومية، وقالت المديرية الوطنية الإسرائيلية للأمن السيبراني إنه “في الساعات القليلة الماضية، تم رصد هجوم حجب الخدمة (ددوس) على مزود اتصالات أدى إلى تعطيل الوصول إلى عدد من المواقع، بينها مواقع حكومية”. ونقلت صحيفة “هآرتس” عن مصدر إسرائيلي في قطاع صناعة الدفاع أن هذا أكبر هجوم إلكتروني على الإطلاق ضد البلاد، وقد أعلنت مجموعة إلكترونية تابعة للحرس الثوري الإيراني، في وقت متأخر من مساء يوم 14 مارس، مسؤوليتها عن الهجوم السيبراني الذي استهدف إسرائيل، وذكرت مجموعة القرصنة Black shadow الإيرانية في تدوينة تناقلتها وسائل إعلام تابعة للحرس الثوري، إنها “شنت هجومًا واسعًا على الفضاء الإلكتروني الإسرائيلي”، مشيرةً إلى أن العشرات من المواقع الإسرائيلية الحكومية وقعت تحت سيطرة المجموعة الإيرانية.

وقالت وكالة أنباء “فارس نيوز” التابعة للحرس الثوري الإيراني، إن “مواقع الموساد، والمراكز المسؤولة عن حماية الفضاء الإلكتروني الإسرائيلي، والاتصالات الفضائية، خرجت عن الخدمة بعد تعرضها إلى هجوم سيبراني إيراني غير مسبوق”. لكن اللافت في هذا الهجوم هو انتقال “حروب الظل” بين الجانبين إلى العلن، وتبني الحرس الثوري الإيراني والدوائر المقربة منه لمثل هذه الهجمات بشكل علني، وهو نهج مخالف لما كان يحدث في السنوات الأخيرة، حيث كان يتم التستر على مثل هذه الهجمات، وتغلب حالة “الصمت” على ردود الأفعال.

3– أعلن الحرس الثوري الإيراني يوم 13 مارس أنه استطاع تفكيك خلية تتعاون مع الموساد الإسرائيلي، واعتقال جميع عناصرها، في محافظة أذربيجان الغربية (شمال غربي إيران)، وأعلن الحرس الثوري في بيانه بهذا الخصوص أن هذه الخلية كانت تخطط لتنفيذ “عملية تخريبية معقدة” كانت تستهدف منشأة فوردو النووية قرب مدينة قُم جنوبي العاصمة طهران.

وهي مؤشرات تعكس تصعيدًا إيرانيًا واضحًا ضد إسرائيل، وهو التصعيد الذي يأتي في ضوء بيئة إقليمية ودولية ومضطربة، تحاول إيران الاستفادة منها بما يعزز من مكتسباتها وتموضعها.

أبرز الرسائل والدلالات

توجد جملة من الرسائل والدلالات التي حملها في طياته التصعيد الإيراني ضد إسرائيل، وذلك على النحو التالي: 

1- أحد الفرضيات القائمة والتي يمكن في ضوئها تفسير استهداف مدينة أربيل، هو أن هذه العملية جاءت كرد على العملية الإسرائيلية في سوريا يوم 8 مارس، والتي استهدفت بعض المناطق في محيط دمشق، وأدت إلى مقتل 2 من عناصر الحرس الثوري الإيراني. وهي العملية التي قال الحرس الثوري إن “إسرائيل ستدفع الثمن غاليًا بسببها”، فضلًا عن أن بعض المواقع الإيرانية أشارت إلى أن الموقع المُستهدف في أربيل هو موقع انطلقت منه طائرة مسيرة إسرائيلية في 14 فبراير، لقصف منشأة عسكرية تابعة للحرس الثوري في كرمنشاه.

2- أكدت الحكومة العراقية ومسؤولو إقليم كردستان عدم وجود أي أنشطة إسرائيلية في الإقليم، لكن الفرضية الأرجح هي وجود أنشطة وحضور استخباراتي لإسرائيل في الإقليم، خصوصًا في ضوء وجود علاقات قديمة بين “الحزب الديمقراطي الكردستاني” الحاكم في أربيل وإسرائيل، لكن “الصمت” هو سيد الموقف بالنسبة لإسرائيل إزاء التحركات الإيرانية التي تستهدف وجودها في إقليم كردستان، لأن إسرائيل تنكر أصلًا وجودها في الإقليم، وحتى لا تسبب أي حرج للحزب الحاكم في الإقليم.

3- الرسائل التي حملها استهداف أربيل لم تكن موجهة لإسرائيل فقط، وإنما استهدفت بعض الأطراف العراقية، خصوصًا على مستوى الضغط على “مقتدي الصدر” زعيم أكبر الكتل البرلمانية العراقية، والذي رفض خلال الأشهر الماضية دمج قوى الإطار التنسيقي -الجناح السياسي للمليشيات المدعومة إيرانيًا- في تحالف تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وفي المقابل ضمه الحزب الديمقراطي الكردستاني للتحالف. وإيصال رسائل للقوى السياسية العراقية بشكل عام مفادها أنهم يجب ألا يمضوا في تشكيل حكومة جديدة واختيار رئيس وزراء من دون أخذ مصالح إيران ونفوذها بعين الاعتبار، وتجاهل دورها في العراق.

4- أحد الفرضيات القائمة والتي يمكن في ضوئها فهم هذا التصعيد الإيراني، هو سعي إيران إلى استغلال الانشغال الأمريكي بالحرب الروسية – الأوكرانية، وفتح جبهة جديدة ضد الولايات المتحدة في العراق لإرباكها، وفي الوقت ذاته تبني استراتيجية “الدفاع الهجومي” ضد إسرائيل لاستنزاف طاقاتها، على أن تشمل هذه الاستراتيجية تحركات ميدانية وسيبرانية وجاسوسية بما يُحقق مكاسب نوعية لإيران.

5- تعتقد بعض الدوائر الإيرانية أن لإسرائيل دورًا كبيرًا في تعقيد مباحثات فيينا النووية، وبالتالي ربما تحاول إيران إيصال رسائل بأن البديل حال عدم الوصول إلى اتفاق نووي سيكون التصعيد على كافة المستويات، وقد عكس هذه الرؤية البرلماني الإيراني السابق جلال ميرزائي في مقال له بصحيفة “اعتماد” الإصلاحية الإيرانية، والذي قال فيه نصًا: “إذا أدرك النظام الصهيوني أن فشل محادثات فيينا يمكن أن يؤدي إلى زيادة التوترات، وبالتالي، رد فعل أقوى لإيران وحلفائها في المنطقة، فمن المحتمل أن إسرائيل ستعيد النظر في نهجها الذي يركز على إفشال المباحثات”.

وعلى الأرجح تُريد إيران إيصال نفس الرسالة إلى المجتمع الدولي والمتفاوضين في فيينا، وفي المقابل الدفع باتجاه تعزيز مكاسبها في المفاوضات، وهي فرضية تؤكدها بعض المؤشرات مثل إعلان طهران عن رفضها تحديد “موعد نهائي” لإتمام المباحثات في اعتراض صريح على المحاولات الأمريكية والأوروبية لوضع سقف زمني لانتهاء المفاوضات، وأكدت طهران أن القضايا الرئيسة بالمفاوضات لم يتم التوصل إلى حلول لها بعد، وأبرزها مسألة إلغاء العقوبات وتقديم الضمانات بعدم انسحاب واشنطن مستقبلًا من الاتفاق، وهي المطالب التي أكدت واشنطن استحالة تقديمها.

وفي سياق متصل أعلنت طهران، في اليوم التالي لبدء العمليات العسكرية الروسية تجاه أوكرانيا، عن الاستمرار في تخصيب اليورانيوم بمستويات 60%. وتم الكشف في 2 مارس الجاري عن محاولة إيرانية فاشلة لإطلاق صاروخ “ذو الجناح” الذي كان يحمل أقمارًا صناعية إلى الفضاء، وهي مؤشرات تعكس سعي إيران إلى استغلال الحرب الأوكرانية – الروسية من أجل توسيع حصة مكاسبها الإقليمية وتعزيز الموقع التفاوضي في مباحثات فيينا.

وختامًا، يمكن القول إن إيران حاولت تبني بعض التحركات والعمليات التصعيدية ضد إسرائيل لتحقيق جُملة من المستهدفات التي ترتبط بإسرائيل في ذاتها في إطار الصراع الدائر بين الطرفين من جانب، ومن جانب آخر ترتبط بتحركات إيران وتموضعها الإقليمي وموقفها التفاوضي في فيينا. لكن هذه التحركات التصعيدية الإيرانية قد يكون لها بعض التداعيات سواءً من جهة الردود الإسرائيلية المحتملة عليها، أو من جهة التداعيات السياسية، وهو ما تجسد في ممارسة إسرائيل ضغوطًا كبيرة على الإدارة الأمريكية لعدم رفع الحرس الثوري الإيراني من لوائح الإرهاب، وذلك بعد تداول أنباء عن توجه الإدارة الأمريكية نحو اتخاذ هذا القرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى