سوريا

زيارة “الأسد” إلى الإمارات.. الأهداف والدلالات

زيارة لافتة في توقيتها ومضمونها أجراها الرئيس السوري بشار الأسد إلى الإمارات (18 مارس) التقى خلالها بكل من ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ونائب رئيس الدولة ورئيس الوزراء الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. وهي أول زيارة عربية للرئيس السوري منذ نحو 11 عامًا. وتعيد هذه الزيارة إلى الواجهة المساعي العربية إلى إعادة إدماج سوريا في المحيط العربي بعد فترة طويلة من العزلة على وقع الحرب، وعلاوة على ذلك لا تنفصل دلالات ورسائل هذه الزيارة في توقيتها عن مجريات الحرب الدائرة في أوكرانيا.

انفتاح عربي

جاءت زيارة الرئيس السوري إلى أبو ظبي بعد عدة خطوات اتخذتها الإمارات باتجاه دفع العلاقات مع سوريا، من أبرزها زيارة وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان إلى دمشق ولقائه بالأسد (9 نوفمبر 2021)، وكذا الاتصالات الهاتفية المتعددة التي تمت بين ولي عهد أبو ظبي والرئيس السوري، أخرها (20 أكتوبر 2021). وهو ما يشير إلى انفتاح إماراتي واسع النطاق على إعادة تطبيع العلاقات مع سوريا، وخاصة بعد أن أعادت أبو ظبي فتح سفارتها في دمشق (ديسمبر 2018).

الخطى الإماراتية في هذا الإطار ليست منفصلة عن خطوات عربية أشمل تصب في المسار ذاته، لعل من أبرزها اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية السوري فيصل المقداد مع عدد من وزراء الخارجية العرب منهم وزير الخارجية سامح شكري على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر 2021) والتي صدرت عنها تصريحات تفيد بأهمية موقع سوريا في معادلة الأمن القومي العربي، وأهمية أن تعود للعب دورها المعهود كطرف فاعل في الإطار العربي وجامعة الدول العربية.

وقد كان ملف عودة سوريا لشغل مقعدها في جامعة الدول العربية محل اهتمام وتباحث خلال العديد من الزيارات المتبادلة بين قادة الدول العربية لإحداث التوافق العربي المطلوب لهذا الأمر، من أبرزها الجولات التي أجراها عبد المجيد تبون رئيس الجزائر –التي تستضيف القمة العربية المقبلة- خلال الشهور الأخيرة إلى كل من تونس ومصر وقطر والكويت على الترتيب. فضلًا عن الاجتماع الذي استضافته الكويت لوزراء الخارجية العرب (30 يناير).

ولا ينفصل الأمر كذلك عن التحركات الخارجية للرئيس عبد الفتاح السيسي، وخاصة زيارته إلى الإمارات (27 يناير) التي التقى خلالها كلًا من الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات. وذلك بعد أيام من زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى القاهرة (24 يناير) والتي جرى خلالها التأكيد بين الرئيسين السيسي وتبون على كون القمة العربية المقبلة محطة مهمة لتوحيد الرؤي العربية إزاء مختلف القضايا، وتعزيز أطر التعاون والتنسيق بين الدول العربية.

دلالات التوقيت

ارتبطت زيارة الرئيس السوري إلى أبو ظبي بتزامنها مع عدد من الملفات والتطورات على الساحتين الإقليمية والدولية، بما أكسبها دلالات إضافية، تشير إلى رغبة مشتركة في دفع العلاقات وتعميق مجالات التعاون بين البلدين.

ذكرى اندلاع الأزمة

تزامنت زيارة بشار الأسد إلى أبو ظبي مع مرور 11 عامًا على اندلاع الأزمة السورية (15 مارس 2011)، وهي الزيارة الخارجية الأولى عربيًا للأسد منذ ذلك التوقيت، فضلًا عن كون الإمارات هي المحطة الثالثة لمجمل زيارات الأسد الخارجية منذ الأزمة؛ إذ تركزت زياراته الخارجية طوال العقد الماضي على كل من روسيا وإيران فقط، ومن ثم تمثل هذه الزيارة كسرًا للعزلة التي فُرضت عليه خلال السنوات الماضية.

ذلك فضلًا عن كونها انعكاسًا واضحًا لما آلت إليه الأوضاع الميدانية داخل سوريا من سيطرة كبيرة للحكومة السورية على أراضيها، بجانب ما تأكد على المستوى السياسي من بقاء النظام السوري برئاسة بشار الأسد، والوصول إلى نتيجة مفادها أن تغيير النظام سواء عسكريًا أو سياسيًا بات أمرًا صعبًا. وبذلك تحقق هذه الزيارة وما سبقها من خطوات عربية لتطبيع العلاقات مع سوريا هدفًا مهمًا للأسد وهو توسيع دائرة الاعتراف به وتعزيز شرعيته دوليًا.

تداعيات الحرب في أوكرانيا

جاءت الزيارة في إطار اهتمام دولي عام بما يجري في أوكرانيا بعد شن روسيا عملية عسكرية هناك (24 فبراير) وما خلّفته هذه العملية حتى الآن من تداعيات كبيرة على بنية التحالفات الإقليمية والدولية. فنجد أن الزيارة تعطي رسالة واضحة بأن مسار التطبيع العربي بشكل عام والإماراتي على وجه التحديد سيمضي قُدمًا على الرغم من الاعتراضات الأمريكية المستمرة والتي جاء آخرها على لسان المتحدث باسم الخارجية الأمريكية “نيد برايس” بأنها “تشعر بخيبة أمل شديدة ومقلقة من هذه المحاولة الواضحة لإضفاء الشرعية على الأسد”، والتي يمكن القول إنها لا تعدو كونها تسجيل موقف أمريكي قد تجاوزته مجريات الأمور على أرض الواقع.

وقد تتأكد هذه الرسالة بالنظر إلى أن زيارة الأسد إلى أبو ظبي قد جاءت بعد يوم واحد من زيارة وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان إلى العاصمة الروسية موسكو، ولقائه بوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الذي ثمّن “موقف الإمارات المتزن حيال الأزمة في أوكرانيا”. هذا بعد أن امتنعت أبو ظبي عن إدانة موسكو في مجلس الأمن الدولي. وذلك في الوقت الذي تحدثت فيه تقارير أمريكية عن الفشل في ترتيب اتصال بين الرئيس الأمريكي جو بايدن وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.

بما يشير إلى تقارب إماراتي روسي في عدد من الملفات ومنها التطورات في سوريا، في مقابل الابتعاد نسبيًا عن الرؤية الأمريكية للملفات المختلفة، خاصة مع ذكر البيان الصادر عن الزيارة “تأكيد الجانبين الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وانسحاب القوات الأجنبية، إضافة إلى دعم سوريا وشعبها الشقيق سياسيًا وإنسانيًا للوصول إلى حل سلمي لجميع التحديات التي يواجهها”.

مرحلة ما بعد الاتفاق النووي الإيراني

يمثل فك الارتباط بين النظام السوري وإيران أو الحد من النفوذ الإيراني في سوريا بشكل عام هدفًا مشتركًا للعديد من القوى الدولية والدول العربية. ورغم أن تحقيق هذا الهدف تعترضه صعوبات كبيرة، فإن أحد أهداف الانخراط العربي في سوريا هو معادلة النفوذ الإيراني هناك، وأن تكون العلاقات مع سوريا ورقة لها مع النظام السوري وروسيا لتحقيق هذا الهدف.

وفي الوقت الحالي تبدو الأطراف المنخرطة في مباحثات فيينا بشأن الاتفاق النووي الإيراني على بعد خطوات من إتمام الاتفاق، رغم ما طفا على السطح من اعتراضات روسية قد لا يكون لها تأثير في الإجمال على التوصل للاتفاق. وفي هذا الإطار فإن التباحث بشأن النفوذ الإيراني في المنطقة بوجه عام وسوريا على وجه التحديد يبدو أمرًا حيويًا بالنسبة للدول الخليجية وخاصة أبو ظبي بعد الهجمات التي تعرضت لها من ميلشيات الحوثي المدعومة من طهران. في ذات الوقت الذي تتواصل فيه المشاورات الإماراتية الإيرانية.

إجمالًا، جاءت زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى الإمارات في هذا التوقيت لتعيد تأكيد التوجه العربي نحو إعادة دمج سوريا في محيطها العربي انعكاسًا لمجريات الأمور في سوريا بعد أحد عشر عامًا من الحرب، وللمصالح المشتركة في هذا الدمج للأمن القومي العربي وعلى المستويات السياسية والاقتصادية، فضلًا عن كونها انعكاسًا للتحولات الجارية في الإقليم والعالم، بشكل بدا معه خيار عزل سوريا أمرًا قد تجاوزه الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى