الأزمة الأوكرانية

قوائم التسليح الغربي الجديدة لأوكرانيا.. ما دلالاتها؟ وهل ستغير من مسار المعركة؟

أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن عن قائمة تسلح جديدة لأوكرانيا، تشمل طائرات دون طيار ” سويتش بيلد”، بالإضافة إلى إمدادات جديدة من صواريخ “ستينجر” و”جافلين” وذخائر. ودفع هذا الإعلان القوى الأوروبية أيضًا إلى زيادة دعمها، فأعلنت لندن أنها ستزود كييف بمنظومتي “ستار سترايك”، وأعلنت ألمانيا تزويد أوكرانيا بأسلحة أمريكية “ستينجر” و”جافلين” أيضًا.

ومن جانب آخر أعلنت واشنطن أنها تدرس العروض من دول أوروبا الشرقية بتحويل طائرات “ميج 29” ومنظومات “إس -300 ” الروسية الصنع إلى أوكرانيا. وإجمالًا رأت واشنطن -بعد يوم حافل بكيل الاتهامات إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووصفه كـ”مجرم حرب”- أن هذه الأسلحة قد تغير من اتجاه المعركة لصالح الجانب الأوكراني. 

وعلى الرغم من أن نهج كل من الإدارة الأمريكية والاستخبارات هو الإعلان عن كافة التفاصيل بشأن الوضع في أوكرانيا، كاستراتيجية لحشد الدعم والتعاطف لـ”كييف”، فضلًا عن إعلان قوائم الأسلحة وموازنات الدعم التي بلغت نحو 800 مليون دولار من الجانب الأمريكي و500 مليون يورو من الجانب الأوروبي، إلا أن “زيلينسكي” وكرد فعل وترحيب بهذه الخطوة من القوى الغربية قال إنه لا يمكن له الإعلان عن الدعم كجزء من السياسة الدفاعية والتكتيكات التي يتعين العمل بها في الحرب. 

وهي نقطة تحتمل إما أن زيلينسكي يفتقر إلى الخبرة العسكرية، أو أنه بالفعل هناك ما لم يتم الإعلان عنه، فالأسلحة التي ستصل إلى البلاد معروفة، لكن المعضلة هي “كيف ستدخل؟” وهي النقطة التي تحتمل الغموض. ذلك بالإضافة إلى أنه ربما يراهن في المستقبل على الحصول على إمدادات أخرى قد لا يتم الإعلان عنها فعليًا. 

قائمتا تسلح روسي – أمريكي:

على هذا النحو هناك قائمتا تسلح، القائمة الأولي هي القائمة الغربية التي أعلنت عنها واشنطن ولندن وبرلين، ومعظمها يمكن تهريبه عبر سيارات الأفراد من حدود دول مثل بولندا – سلوفاكيا – المجر- رومانيا – مولدوفا. والقائمة الثانية وهي القائمة الروسية من مقاتلات “الميج 29” وهي لدى عدة دول أبرزها بولندا، و”منظومات “إس – 300 ” التي تمتلكها دول مثل سلوفاكيا، بالإضافة إلى دول البلطيق، وهي من إرث الاتحاد السوفيتي.

وقالت الولايات المتحدة إنها تدرس الأمر، وهو ما يعني أن واشنطن بالفعل تدرس كيف يمكن أن تدخل أسلحة على هذا النحو تغير من قواعد الاشتباك الجوي إلى أوكرانيا ولا يمكن استهدافها، لاسيما وأن روسيا باتت تركز على الحدود الغربية لأوكرانيا حاليًا، وأعلنت أنها ستستهدف أي إمدادات من هذا النوع، وبالفعل بدأت عمليات قصف في “لفيف” لهذا الغرض. لكن ربما ستبحث واشنطن إدخالها عبر مولدوفا، خاصة وأن تقديرات الاستخبارات الغربية عمومًا تشير إلى أن الهدف القادم للقوات الروسية هو “أوديسا” الساحلية في الجنوب الغربي والملاصقة لمولدوفا.

في واقع الأمر، يمكن القول إن كلا القائمتين ستحقق أهدافًا نوعية إذا ما وصلت بالفعل إلى القوات الأوكرانية، ولكل منها امتيازاتها؛ فالقائمة الأولي –الغربية– تعني إحداث تدمير وخسائر هائلة في المركبات والمدرعات بالإضافة إلى الطيران على مديات أعلى، خاصة منظومات نوعية مثل طائرات “سويتش بيلد” التي يمكنها الوصول السريع والدقيق إلى الهدف وتدميره، كذلك المنظومة البريطانية “ستار سترايك” التي يمكنها إطلاق ثلاث قذائف صاروخية دقيقة متزامنة أو متفرقة، اثنتين منها وهميتين لتشتيت الانتباه والثالثة لإصابة الهدف. علمًا بأن روسيا لديها هي الأخرى صواريخ من نفس النوع وإن كانت غير معروفة حيث تشتت منظومات الدفاع، وهي خبرة تماثل صواريخ “دليلة الإسرائيلية” التي جرى استخدامها في الساحة السورية، وتعرفها روسيا بشكل جيد. 

لكن في الوقت ذاته هناك مؤشر مهم، وهو أن هذا الكم من الأسلحة الغربية –الأمريكية والأوروبية- يحتاج إلى توسيع قاعدة المقاومة الأوكرانية، وربما إكسابها خبرة على هذه الأسلحة بشكل سريع، إلا إذا كان التفكير هو وصول هذه الأسلحة إلى متطوعين أجانب من عسكريين متقاعدين لديهم الخبرة بالفعل في استخدام هذه النوعيات من الأسلحة، وربما سيتم استخدمها أكثر في معركة كييف وأوديسا؛ بالنظر إلى حجم الحشد الروسي من المدرعات، والحاجة الروسية إلى تكثيف العمل الجوي لاسيما في أوديسا. وهو ما يعني أن الغرب لا يهدف فقط إلى إحداث نقلة في قواعد الاشتباك، وإنما رفع كلفة المواجهة في هذه المواقع، وزيادة حجم الخسائر الروسية. 

الأمر الآخر هو أن إدخال المنظومات الروسية من دول أوروبا الغربية من مقاتلات ومنظومات دفاع قد يكون الأفضل بالنسبة للقوات الأوكرانية التي لديها خبرة في استخدامها، وربما لديها في الوقت ذاته قطع غيار لهذه الأسلحة، لكن الصعوبة -كما سلفت الإشارة– في كيفية وصول هذه الأسلحة إلى الساحة الأوكرانية. وهو ما يحتمل معه الاعتماد أولًا على المنظومات الغربية، وفى حال تحقيق نتائج قد يمكن بالفعل إدخال مقاتلات ومنظومات دفاع، مع الوضع في الحسبان أن روسيا ربما ستعد تلك الخطوة تحركًا نوعيًا من دول الناتو قد تكون لها تكلفتها أيضًا.

كذلك، من المتصور أن تلك الدول –أوروبا الشرقية- لا تراهن فقط على دعم أوكرانيا، وإنما أيضًا دعم نفسها في الوقت ذاته بإحلال وتجديد إرث التسلح من الاتحاد السوفيتي بأسلحة غربية، مقابل كل طائرة ميج 29 تطالب بالحصول على طائرة إف 16، ومقابل كل منظومة دفاع إس 300 تريد الحصول على منظومة أمريكية باتريوت على غرار نشر البعض منها في بولندا التي ستتحول بالتدريج إلى رأس حربة للناتو في الشرق الأوروبي. 

كذلك ستبدأ مقاربة جديدة تتعلق باستخدام الأسلحة النوعية، والمنافسات داخل الحلف الغربي، فطائرات “سويتش بيلد” ستنافس “بيرقدار” التركية التي كانت روسيا حريصة على إظهار محدودية قدراتها في الحرب وإسقاط العديد منها. ومن المؤكد أن روسيا استفادت من خبرة معركة أرمينيا – كازاخستان العام الماضي؛ إذ كانت الطائرات التركية لاعبًا رئيسًا في هذه الحرب، لكن سيتعين على روسيا مواجهة “سويتش بيلد” و”ستار سترايك” النوعيتين، حتى لا تتعرض إلى ما تعرضت له من صواريخ “ستينجر” في أفغانستان في العهد السوفيتي.

في كل الأحوال، من المتصور أن هذه الأسلحة بالطبع ستشكل متغيرًا في المعركة، لكن ذلك يتوقف على رهان أن روسيا ستظل على نفس الوتيرة في الحرب والحشد العسكري والأداء، فمن المتصور أنها هي الأخرى تقيم التطور الغربي وتستعد لاحتمالات ما هو قادم، وستوسع التركيز على جبهة الغرب الأوكراني للحيلولة دون وصول هذه الأسلحة.

وهناك مخاوف من أن نقل المعركة الرئيسة الى غرب البلاد قد يخرجها عن السيطرة إذا ما خرجت من خط حدود أوكرانيا إلى الفضاء المتاخم للناتو، وهو السيناريو الخطر. ومن ثم من المبكر تقييم مدي الفارق الذي قد تحدثه هذه الأسلحة، وما إذا كان الهدف منها مجرد رفع الكلفة الروسية، أم أنها بالفعل ستحدث متغيرًا نوعيًا في مسار المعركة كما أشار الرئيس الأمريكي.

وهو ما سيتوقف على عوامل كثيرة وليس فقط مجرد الوصول إلى ساحة المعركة، لكن إذا ما تم تجاوز هذه التحديات، فمن المؤكد أنها ستحدث فارقًا في مسار المعركة، لكن حسابات هذا الفارق ستنعكس أولًا على تطور أداء الطرفين، ومتغير قواعد الاشتباك، وليس التعجيل بالانتقال إلى المرحلة الأخيرة من الحرب أو الحسم التي لا يزال أمامها الكثير من الفصول والسيناريوهات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى