الأزمة الأوكرانية

معضلة التفاوض.. بين الاستسلام غير المشروط ومساعي استنساخ النموذج النمساوي

بعد نحو أكثر من أسبوعين من العملية العسكرية الروسية تجاه أوكرانيا والتي انطلقت في الرابع والعشرين من فبراير الماضي، لا يزال الحسم العسكري والسيطرة الكاملة على أوكرانيا بعيدة المنال، وعلى الرغم من تأكيد موسكو أن العملية العسكرية تتم وفقًا لما هو مخطط لها، إلا أن الوضع الميداني قد لا يتماشى مع تلك الرؤية، حيث تعثرت القوات الروسية، ولم تنجح بعد في إسقاط العاصمة الأوكرانية “كييف”. 

مفاوضات متعثرة

تعمل المفاوضات بشكل عام على إدارة الصراع، والحد منه، والعمل على إيقافه قدر الإمكان، رغم ذلك تشير الخبرة التاريخية للمفاوضات الدولية بشأن النزاعات والصراعات المسلحة أن التوافق قد يأخذ وقتًا طويلًا، كما أن البحث عن أرضية مشتركة لا يتم بسهولة، خاصة إذا ما تمسك كل طرف بموقفه التفاوضي ورفض تقديم تنازلات للطرف الآخر.

 ورغم صعوبة تلك العملية إلا أن لغة الدبلوماسية والحوار تظل من الأدوات الضرورية في حلحلة الصراعات، وفي ظل احتدام الصراع بين روسيا وأوكرانيا وما نجم عنه من تداعيات على مختلف الأصعدة ترتبط بالأطراف الأساسية المنخرطة في الصراع وتنسحب بشكل واضح لباقي دول العالم، يبقى البحث عن إمكانية بناء الثقة بين الأطراف المتناحرة أمرًا ضروريًا.

 وفي هذا الإطار يمكننا تحديد الملامح العامة للعملية التفاوضية بين روسيا وأوكرانيا بهدف قياس جدوى تلك المفاوضات، وصولًا للمسارات المحتملة للعملية التفاوضية الحالية وذلك فيما يلي:

  • مساعي تحسين الوضع التفاوضي، رغم إدراك كل طرف حاجة الطرف الآخر من العملية التفاوضية، إلا أن موسكو وكييف تعملان على تحسين موقفهما التفاوضي، بهدف الحصول على مزيد من المكاسب، ما قد يؤدي إلى إطالة أمد المفاوضات، إذ تراهن روسيا على إمكانية حيازة الميدان وحسم المعركة عسكريًا ومن ثم إجبار أوكرانيا على الاستسلام أو على أقل تقدير النجاح في السيطرة على العاصمة وضمان بقائها في قبضة روسيا، ومن ثم رفع سقف التفاوض والحصول على كافة الضمانات التي تبحث عنها.

في الوقت ذاته، تراهن أوكرانيا على أن الدعم والتأييد الدولي وتضييق الخناق على روسيا عبر سلاح العقوبات، مع استمرار المقاومة الأوكرانية والتي يرى البعض أنها شكلت عنصر المفاجأة في تلك العملية قد يعزز من موقف كييف التفاوضي، ظنًا أن ذلك قد يدفع موسكو لتبني موقفًا مرنًا، إلا أن اللعب على عامل الوقت قد لا يكون الخيار المناسب، إذ أكد بوتين خلال اتصال مع الرئيس الفرنسي (3 مارس) على “أن محاولات كسب الوقت من خلال إطالة أمد المفاوضات لن تؤدي إلا إلى مطالب إضافية في موقف موسكو التفاوضي”.

  •  مستوى الوفد التفاوضي، تتوقف فعالية العملية التفاوضية في جزء منها على طبيعة ونوعية التمثيل، والوفود المشاركة في العملية، وقد أوضح مستوى التمثيل خلال الجولات التفاوضية على الأقل من ناحية روسيا أنها لا ترغب على المدى القصير من إنجاز اتفاق أو ليست في حاجة لتسريع المفاوضات. ففي الوقت الذي تشكل الوفد الأوكراني عبر تمثيل رفيع المستوى من بينهما وزير الدفاع، كان الحضور والتمثيل الروسي في حدود أدنى من ذلك. 

ولعل إشارة الرئيس الأوكراني على ضرورة إجراء محادثات مباشرة مع بوتين دليلًا على قناعته أن الانتقال بالتفاوض لمستوى قيادة البلدين ربما يكون أكثر جدوى، وقد ينقل التفاوض لمرحلة أكثر تقدمًا في ظل مركزية صنع القرار ودور القيادة الروسية ممثلة في الرئيس “بوتين” في وضع نهاية لتلك العملية العسكرية، خاصة بعد أخفق اللقاء الذي جمع بين وزيري خارجية البلدين (10 مارس) في تركيا في الخروج بأية نتائج ملموسة

  • محدودية قدرة الوسطاء، يلعب الطرف الثالث أو الوسيط دورًا محوريًا في تسوية الخلافات أو الحد من النزاعات، إلا أن جهود الوساطة بين روسيا وأوكرانيا لم تنجح بعد في احداث أية اختراق، ويتوقف ذلك على عدد من الاعتبارات من بينها غياب الوسيط التوافقي حتى الآن، يجانب غياب الرغبة في الوصول لحلول وسط أو تقديم تنازلات من قبل أطراف الصراع، كما أن إجراء ثلاث جولات في بيلاروسيا ينظر إليه البعض كونه أحد نقاط ضعف العملية التفاوضية نظرًا لانحياز البلد الوسيط لأحد أطراف الصراع، علاوة على أن تشابك المواقف وحسابات كل طرف قد وضعت الوسطاء في مأزق.                                                                                                                   فعلى سبيل المثال، اصطدمت الجهود الفرنسية المكثفة والاتصالات الدبلوماسية التي أجراها “ماكرون” بموقف صلب من قبل “بوتين” وإصراره على عدم تقديم أية تنازلات، علاوة على أن مساعي إسرائيل للوساطة رغم تمتعها بعلاقة جيدة بطرفي الصراع لم تنجح في تقريب وجهات النظر، وسط زحمة تلك الوساطات وعدم جدوها يعول البعض على إعلان الصين استعدادها توفير “الوساطة الضرورية” حسب وصف وزير خارجيتها، وقدرتها على اقناع الرئيس الروسي في تغيير نهجه التفاوضي، إلا أن ذلك قد يحتاج لمزيد من الوقت.

حدود الانفراجة

وسط التصعيد العسكري وحرب المدن ومساعي روسيا لتضييق الخناق على أوكرانيا، يظل المسار الدبلوماسي بمثابة الخيار الأوحد لوضع حد لتلك الحرب، ورغم تعثر المفاوضات وعدم قدرتها على تحقيق إنجازًا كبيرًا خلال الجولات السابقة فيما عدا الاتفاق على الممرات الإنسانية في عدد من المناطق للمساعدة في إجلاء المدنيين وتقديم المساعدات الإنسانية والذي لم يصمد كثيرًا بفعل عودة الضربات والعمليات العسكرية، إلا أن التعويل على الانفراجة عبر الأدوات الدبلوماسية لا يزال قائمًا.

وعليه يمكننا الوقوف على المسارات المحتملة لما يمكن أن تنتهي إليه المفاوضات بين الطرفين، انطلاقًا من فرضية أن المسار الدبلوماسي حتى ولو تراجع في الوقت الراهن سيكون مستقبلًا هو الحاكم والضابط للتفاعلات بين الطرفين، ومن هنا يمكننا تحديد المسارات المحتملة التي يمكن أن تنهي التصعيد الدائر فيما يلي:

اولًا) الاستسلام غير المشروط، يفترض هذا المسار نجاح روسيا في إحكام السيطرة على الأراضي الأوكرانية والمدن الحيوية، بما في ذلك إسقاط العاصمة الأوكرانية، وعليه في هذه الحالة قد يجد المفاوض الأوكراني نفسه أمام نوع من الاستسلام والخضوع للمطالب الروسية دون أية شروط، ومن هنا ستصبح مطالب روسيا المتمثلة في تغيير الدستور الأوكراني وإعلان الحياد، بالإضافة للاعتراف بشبة جزيرة القرم ضمن السيادة الروسية، علاوة على الاعتراف الأوكراني بانفصال دونيتسك ولوغانسك أمر واقع، ما يمكن أن يقود لوقف الصراع، وهو ما أعلنه المتحدث باسم الكرملين حيث أكد أن “روسيا أبلغت أوكرانيا بأنها مستعدة لوقف العمليات العسكرية في لحظة إذا استوفت كييف قائمة الشروط. في حال تحقق هذا المسار ستقوم روسيا بسحب قواتها من أوكرانيا مع تقديم ضمانات وتعهدات تفضي للحفاظ على أوكرانيا من أية اعتداءات أو تدخلات مستقبلية”. 

ثانيًا) استنساخ النموذج النمساوي، تتجه بعض المقترحات الرامية لإنهاء الصراع وإيقافه للمقاربة النمساوية التي وضعت عام 1955 وكانت تدور بشكل أساسي حول الحياد الدائم للنمسا، ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية أصبحت النمسا ساحة مواجهة بين الدول الأربع الكبرى في ذلك الوقت، بحيث أصبحت مقسمة بين الاتحاد السوفيتي، وبريطانيا، وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، ولفك هذا الاشتباك، تم توقيع معاهدة الدولة النمساوية، وعلى أثرها تم سحب كافة القوات الأجنبية من البلاد مقابل التزام النمسا بالحياد الدائم، والذي تم اعتمده فيما بعد بقانون دستوري من قبل البرلمان النمساوي.

وعليه أصبح الحياد النمساوي وإقرارها بعدم الانضمام لأية تكتل عسكري سواء الناتو أو حلف وأرسو، بالإضافة لعدم السماح بنشر قوات أجنبية على أراضيها مخرجًا لمواجهة الدول الكبرى وحساباتهم المتداخلة في النمسا “آنذاك”.

انطلاقًا من فكرة حياد النمسا، تم استعادة طرح هذا النموذج كمخرج للأزمة الأوكرانية، إلا أن المعضلة الأساسية تدور حول التباين بين النمسا وأوكرانيا في تفسير الحياد، ففي الوقت الذي كان يمثل الحياد استقلالًا من وجهة نظر النمسا، تنظر إليه كييف لإعلانها الحياد على أنه ينتزع من سيادتها وحريتها في تشكيل سياستها الخارجية بما يضمن مصالحها، ومن هنا يمكننا فهم الرفض الأوكراني لهذا الطرح.

ثالثًا) التسوية عبر الصفقة، يدور هذا المسار عن إمكانية البحث عما يمكن تسميته بالصفقة كمخرج يُنهي الصراع بين روسيا وأوكرانيا، ويمكن أن تتشكل تلك الصفقة عبر انسحاب موسكو من الأراضي التي تسيطر عليها، مع إلغاء الاعتراف الروسي باستقلال جمهورية دونيتسك ولوغانسك، مقابل الاعتراف بشبه جزيرة القرم كجزء من روسيا، على أن يتم إحياء اتفاق مينسك والذي يمنح إقليم دونباس وضعية خاصة تسمح لهم بالمشاركة في الحكومة ما يضمن حضور وتأثير روسي في السياسة الخارجية الأوكرانية، بحيث يمكن أن يعرقل ممثلي الإقليم أية محاولات مستقبلية لتقارب كييف مع الناتو. 

رابعًا) اللجوء لنمط المقايضة، يدور هذا المسار حول قبول التوجه الأوكراني ولو جزئيًا تجاه الغرب، بحيث تقبل موسكو بعضوية أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي مقابل عدم سعي كييف وتخليها كتابيًا عن فكرة الانضمام للناتو والذي يعتبر خطًا أحمر بالنسبة لموسكو، التي تعمل على إبعاد الناتو عن مجالها الحيوي. ورغم أن هذا النمط يُعرقل أو يحد من رغبة روسيا في تعزيز وتوطيد التكامل الاقتصادي عبر توحيد الجمهوريات السوفيتية وربطها بعضها البعض عبر بوابة الاقتصاد، كما هو الحال في الاتحاد الأوراسي الذي تأسس عام 2014، والذي لم ينجح طيلة الثمان سنوات الماضية في ضم أوكرانيا إليه، إلا أن التحفظ الروسي على الانضمام لمظلة الاتحاد الأوروبي أقل بكثير من الانضمام لحلف شمال الأطلسي.

في الأخير، تبقى المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا مدخلًا ضروريًا لإنهاء الصراع الحالي أو على الأقل تسكينه، وقد يكون الاتفاق على وقف إطلاق النار والتوصل لهدنة خلال الأيام القادمة هو الهدف الأول للمجتمع الدولي خلال المرحلة القادمة، إلا أن المفاوضات بشكلها الحالي تظل منقوصة وغير مجدية ما لم تتجاوز التفاوض على الوضع في أوكرانيا، ما يمكن فهمه من الضمانات الأمنية التي قدمتها روسيا للولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو خلال ديسمبر 2021، ما يعني أن الازمة الأوكرانية لا يمكن اختصارها في حدودها الحالية وهو ما عبر عنه الرئيس الفرنسي “ماكرون” عندما أكد على “أن الهدف الجيوسياسي لروسيا اليوم ليس أوكرانيا، ولكن توضيح قواعد التعايش مع الناتو والاتحاد الأوروبي”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى