الأزمة الأوكرانية

الشواهد والموانع لدور السلفية القتالية في حرب أوكرانيا وروسيا

تدفق المئات من المقاتلين المتطوعين للقتال إلى جانب أوكرانيا في حربها الدائرة مع روسيا، وبدوره اتهم مدير الاستخبارات الخارجية الروسية سيرجي ناريشكين أجهزة المخابرات الغربية ببدء نقل مقاتلين أجانب وإرهابيين دواعش، وسط توقعات بوصول عدد المتطوعين إلى 16 ألف مقاتل أجنبي، وفق الرئيس الأوكراني. 

وفي ظل تلك الأجواء، يتخوف الكثيرون من استغلال إرهابيي جماعات القوقاز الجهادية هذا السياق للتوغل والقتال وإنشاء بؤرة إرهابية كبيرة، عقب أن وسّع وزير الخارجية الأوكراني مفهوم المتطوعين فأدخل ضمنهم، ليس فقط الذين يريدون القتال ضد روسيا دفاعًا عن وحدة أراضي أوكرانيا، بل ضم إليهم حتى “الذين لهم ثأر أو حسابات ضد روسيا” بغض النظر عن مصالح كييف.

وهو ما جعل البعض يخشى من استغلال الجهادية العالمية لتلك الحالة، مستغلين ردود الفعل العالمية، التي لم تشجب أو تندد أو تستنكر ذلك، ولم تفرق في دعوتها إلى التطوع، بل أعلنت تفهمها وتقبلها للفكرة وتقديمها كافة التسهيلات التي تساعد الأجانب على دخول كييف وحمل السلاح. ومن هنا يُطرح السؤال حول ما يؤدي إلى إمكانية استغلال جماعات القوقاز لهذه الحرب من أجل القتال وإنشاء بؤرة إرهابية كبيرة، وأي دور للسلفية القتالية في هذه الأزمة؟ وما هي الشواهد والموانع على إمكانية الاستغلال والتوظيف؟

شواهد جهادية على إمكانية الاستغلال

حين يُطرح ذلك السؤال سنجد أنفسنا أمام أسباب كثيرة تؤكد على فرضية إمكانية استغلال جماعات القوقاز للتوغل والقتال وإنشاء بؤرة إرهابية كبيرة:

1- اهتمام الجهادية العالمية بما يجري على أرض أوكرانيا، وهناك شواهد كثيرة على ذلك أهمها: * ترويج أحد الحسابات القريبة من القاعدة على منصة «تويتر» ما زعم فيه أن زعيم الشيشان المنفي أحمد زكاييف عرض اتفاقية تعاون عسكري إذا قبل رئيس الحكومة الأوكرانية فولوديمير زيلينسكي يقاتل بموجبها المتطوعون الشيشان ضد روسيا. * رصد التنظير للقتال ضد روسيا في أوكرانيا، وأن ذلك من الجهاد المشروع، مستدلين بخطبة أيمن الظواهري في كلمته المعنونة بـ«صفقة القرن أم حملات القرون» بتاريخ 3 فبراير 2021، التي نظّر فيها لجواز تقديم العون الجهادي لغير المسلمين حسب المصالح التي يراها (للأمة). 

* ملاحظة تعاطف تيار الإسلام السياسي على الجملة مع هذه الحرب على اعتبار أنها بين (كفّار)، وعلى الأرجح أنها ستنهك روسيا التي دعمت النظام السوري ولهم معها ثارات كبيرة في حلب وباقي المدن السورية، ويرون أن القتال ضدها هو من باب النكاية. * التقارير وأغلبها روسي أن الاستخبارات المركزية الأمريكية وقيادة العمليات الخاصة التابعة للقوات المسلحة الأمريكية تواصلان تشكيل “وحدات داعشية جديدة” في الشرق الأوسط والدول الأفريقية، ومن المقرر أن يتم نقلهم للمشاركة في أنشطة التخريب والإرهاب في أوكرانيا عبر أراضي بولندا.

2– سوابق قتال الإسلامويين ضد روسيا من أراضي أوكرانيا، وذلك حين اندلعت الحرب في أوكرانيا، في يوليو 2014، وأعلن عن تشكيل «كتيبة حفظ سلام دولية» من المتطوعين لدعم أوكرانيا في محاربة التمرد الموالي لروسيا، وحينها حملت الكتيبة اسم القائد جوهر دوداييف، من 500 متطوع عملوا بشكل مستقل دون تبعية لأي هيئة في أوكرانيا، وتولى قيادتها فيما بعد آدم عسماييف الذي حاولت موسكو اغتياله وقتلت زوجته في العملية.

3– نظرة الشيشانيين الإسلامويين إلى الحرب على أنها امتداد لمعركتهم المستمرة منذ عقود ضد احتلال موسكو القاسي لوطنهم الأم، أو هي رد لجميل المئات من رجال الميليشيات الأوكرانية اليمينية الذين سافروا سابقًا للقتال في الشيشان. 

4– الخيارات الصعبة لدى العديد من الميليشيات القوقازية داخل سوريا والعراق عقب انهيار داعش، فهي إما مواصلة القتال في منطقة صراع مختلفة، وأوكرانيا في ظل الدعم الغربي لتشكيل فيلق دولي للمتطوعين فرصة ذهبية؛ أو الاستقرار في بلد ثالث، والعيش بسلام دون مواصلة القتال، الذي هو أصعب من التوجه لمناطق الصراع.

5- انسجام مجموعات المقاومة الشيشانية بشكل مثالي مع القوميين الأوكرانيين؛ باعتبار أن الطرفين متشابهان في كراهية روسيا.

6- كثرة عدد المقاتلين العائدين الذين ذهبوا إلى سوريا والعراق من الاتحاد السوفيتي السابق بما يتراوح ما بين 2000 إلى ما يزيد على 4000، أو بما نسبته 5-10 في المائة من “المقاتلين الإرهابيين الأجانب” في جميع أنحاء العالم، وفق المفوضية الأوروبية، أو وفق “مجموعة الأزمات الدولية” أنه ما بين ألفين إلى أربعة آلاف مقاتل من آسيا الوسطى توجهوا للقتال في صفوف تنظيم “الدولة الإسلامية”، وهؤلاء تمثّل لهم هذه البؤرة المتوترة مكانًا مثاليا للعودة.

جدول للمقاتلين في سوريا في الفترة من 2015 حتى 2017

7- وجود قواعد إسلاموية ناشطة في أوكرانيا تمثلها جماعة الإخوان (منظمة الرائد) والمجموعات المتطرفة الأخرى التي تنشط أكثر من غيرها على الإنترنت مثل فرع ولاية خراسان، التي تقوم بعمليات استقطاب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي في المنطقة، إذ تمتلك أكثر من 174 قناة وأكثر من 66 ألف متابع لجميع حساباتها ومنصاتها المختلفة حتى يوليو2020 وفق شركة SecDev التي حددت نحو 500 قناة منفصلة تستخدمها تنظيمات متطرفة في آسيا الوسطى على مواقع تطبيقات “تيليجرام” و”فيسبوك” و”إنستجرام” و”تويتر” و”يوتيوب” ومنصات التواصل الاجتماعي الروسية التي تحظى بشعبية كبيرة مثل “فكونتاكتي” و”أدنوكلاسنيكي”، وتستخدم معظمها اللغة الروسية التي لا تزال  لغة التواصل في المنطقة، وقنوات أيضًا باللغات الأوزبكية والطاجيكية والقرغيزية، يتابعها أكثر من 174 ألف شخص على الأقل. 

8- جاذبّية القتال ضد روسيا، ووجود تنظيمات إسلاموية تقاتل بالفعل من قبل الحرب مثل جماعة جوهر دوداييف الشيشانية، التي تقاتل مع الأوكرانيين ضد الانفصاليين الروس، وتستهدف مقاتلة رمضان قديروف، رئيس الشيشان، وأحد حلفاء بوتن.

9- توفر خارطة كبيرة من الجماعات الجهادية داخل هذه المنطقة، وفي منطقة وسط آسيا أيضًا ودول الاتحاد السوفيتي السابق، وهي جماعات كانت تنتظر الفرصة لخلق بؤرة ساخنة تمتد وتتواصل فيها عملياتها، وهم موزعون كالتالي:

أ. داخل مناطق التوتر بسوريا: بعضهم يقاتلون مع: هيئة تحرير الشام، والجبهة الوطنية للتحرير، وغرفة “فاثبتوا”، وحراس الدين والقاعدة، وتشكّل “إمارة القوقاز” غالبية مقاتلي آسيا الوسطى الأجانب بسوريا، وفي مقابلة للرئيس الروسي مع قناة “سي بي إس” الأمريكية تحدث عن وجود أكثر من 2000 مقاتل أو أكثر من دول الاتحاد السوفياتي السابق. 

وتحاول الآن تحرير الشام التخلص من أكبر قدر من العنصر الأجنبي الذي لم ترضه تحولاتها من الجهاد المعولم للمحلي، ومن التنافر مع النظام العالمي للبحث عن القبول الأممي. وخلال تلك التحولات التنظيمية بدأت في إطباق السيطرة على إدارة مناطق المعارضة، وتجاوزت ذلك إلى محاولات توسيع النفوذ، وطال ذلك العناصر القوقازية الذين خيرتهم بين الانضمام لها أو الطرد والترحيل لجنوب إفريقيا، أو دول أخرى، وكان منهم فصيل “جنود الشام” بقيادة مراد مارغوشفيلي الملقب بـ”مسلم الشيشاني أبي الوليد”، في ريف اللاذقية، وهو ما قد يشجعهم على العودة لبلدانهم الأصلية.

وينقسم هؤلاء في سوريا إلى تنظيمات رئيسة تتباين من حيث حجمها، وإن كانت جميعها تتسم بسمة مشتركة هي التدريب الجيد على المعارك، فهي بمنزلة قوات النخبة في الحركة الجهادية بسوريا، وكلهم لهم علاقات مع الجالية الشيشانية في النمسا وبلدان أوروبية أخرى، وهي: 

  1. جيش المهاجرين والأنصار وتعتبر القاعدة الفعلية للمقاتلين الشيشانيين الذين ينحدر معظمهم من القوقاز، ونشأ في مارس 2013م.
  2.  تنظيم صالح الدين الشيشاني، وهي المجموعة الأولى المنشقة عن جيش المهاجرين والأنصار، بسبب انضمام أبي عمر الشيشاني إلى تنظيم داعش، في نوفمبر 2013م، والتناقض بين بيعة أبي بكر البغدادي وبيعة “دوكو عمروف” قائد “إمارة القوقاز”، وهي نفس المجموعة التي أسست “جيش العسرة” الذي فضل العمل منفردًا ملتزمًا للحياد في المعارك بين المعارضة وتنظيم داعش. 
  3. تنظيم سيف الله الشيشاني، وهي المجموعة الثالثة المنشقة عن جيش المهاجرين والأنصار، وفي عام 2014م، قاد سيف الدين الهجوم على سجن حلب المركزي وقُتل أثناء محاولة اقتحام السجن.
  4.  تنظيم جند الشام، وهو تنظيم مستقل عن التنظيمات السورية المعارضة الأخرى، ويقوده مراد مارغوشفيلي وُيعرف أكثر باسمه المستعار مسلم أبو وليد الشيشاني.
  5. تنظيم أجناد القوقاز، الذي يقوده عبد الحكيم الشيشاني، وينشط بشكل أساسي في ريف اللاذقية الشمالي. 
  6. جماعة الإمام البخاري، التي وصفتها وزارة الخارجية الأمريكية بأنها “أكبر قوة قتالية أوزبكية في سوريا”. 
  7. كتيبة التوحيد والجهاد، الأوزبكية.
  8. جماعات صغيرة ترابط في اللاذقية وهي “جماعة الخلافة” بقيادة عبد الحليم الشيشاني و”جماعة ترخان” ترخان غازييف، وجماعة “أنصار الشام” بقيادة أبي موسى الشيشاني، وهؤلاء يتعرضون لضغط كبير للعودة، وبعضهم موجودون بالفعل في الجمهوريات الروسية أو وسط آسيا.

ب. داخل القوقاز ووسط آسيا: وهؤلاء لهم علاقات مترابطة ومتشابكة، وبعضهم بايع داعش:

  1. الحركة الإسلامية في أوزبكستان التي غالبًا ما يشار إليها من قبل المسؤولين الأفغان باسم جند الله؛ وجماعته المنشقة، اتحاد الجهاد الإسلامي، والتي لها قاعدة في سار إي بول، على بعد أقل من 100 ميل من الحدود مع تركمانستان.
  2. كتيبة جولمورود هاليموف تنتشر في طاجيكستان، بايعت داعش، يقودها جولمورود هاليموف، الذي تلقى تدريباته العسكرية في الولايات المتحدة.
  3. تنظيم جوهر دوداييف، يقاتل بالفعل مع الأوكرانيين ضد الانفصاليين الروس، يستهدف مقاتلة رمضان قديروف.
  4. جماعة العصابة الجنوبية داغستان.
  5. مجموعة أوخوفسكا.
  6. إمارة خراسان التابعة لداعش، لها نفوذ في أفغانستان ودول الاتحاد السوفيتي السابق.
  7. الجماعة الطاجيكية أنصار الله، التي تعهدت بالولاء لتنظيم الدولة الإسلامية في عام 2017.

موانع أيديولوجية وسياسية

رغم الشواهد السابقة إلا أن هناك موانع أيديولوجية وسياسية على عدم إمكانية استخدام جماعات الإسلاموية القتالية في الحرب الأوكرانية الروسية أو ما بعدها، وأهمها التالي:

  1. لن ترضى أوروبا وجود تلك الجماعات بالقرب منها، لتشكّل فيما بعد أزمة كبيرة وبؤرات توتر خطيرة على الاتحاد الأوروبي، وهي الدول التي عانت من بضع عشرات عادوا إلى بلدانهم وتسببوا في موجات إرهابية متلاحقة.
  2. يشكّل كذلك المانع الأيديولوجي والفقهي سدًا منيعًا أمام تدفق تلك الجماعات؛ إذ هناك استنادات فقهية كبيرة تغلب عليهم، وهي تحرم القتال تحت راية دولة كافرة، بل ولا تجيز للمسلم الذي يحمل جنسية دولة كافرة أن يلتحق مختارًا بجيش دولته الكافرة.
  3. تمثل صعوبة الانتقال إلى أوكرانيا عقبة كبيرة أمام تلك الجماعات، فمحطة الانتقال الرئيسة هي تركيا، والموقف سيكون محكومًا بالكامل أمام سياسة أمريكا وحلف الأطلنطي ورؤيتهما الخاصة بتوظيف تلك الجماعات في مرحلة ما، وظروف دولية وإقليمية معينة.

الخلاصة

لا توجد أدلة حتى الآن مؤكدة على توغل الجماعات الإسلاموية القتالية في الحرب الروسية الأوكرانية، أو توغلهم بين المرتزقة وجيش المتطوعين الذي يتم تشكيله. ورغم أنه من المبكر الحكم الآن، إلا أن إمكانية حدوث هذا مقبولة بشكل كبير وجائزة، وذلك حال استمرار الحرب، أو ازدادت بؤرة التوتر في هذه المنطقة؛ إذ إن هذه الجماعات تولد على الفور في بيئة التوتر، خاصة إن كان لها ثأر كبير مع الروس، وستمثل هذه البقعة الجغرافية مكانًا مثاليًا لها لشن حرب دينية من وجهة نظرهم هي ثأرية في المقام الأول ومقدسة للغاية. 

ماهر فرغلي

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى