الصحافة الدولية

“تعليق عمل البرلمان البريطاني بطلب من الحكومة” … مآل القرار ودوافعه

تستعد الحكومة البريطانية للخروج من الاتحاد الأوروبي في الموعد المقرر في 31 أكتوبر 2019، مهما كانت الظروف المحتملة التي من المتوقع أن تصل إلى حد عدم التوصل إلى اتفاق منظم يُوازن ما بين مصلحة المملكة والاتحاد. وعليه فقد طالب رئيس الوزراء “بوريس جونسون” من ملكة بريطانيا أن يتم تعليق عمل البرلمان قبل أيام من عودة النواب للعمل في سبتمبر 2019، وقبل أسابيع من الموعد النهائي للخروج من الاتحاد، وقد أثارت هذه الخطوة حالة من الجدل التي لم يعلم بتنفيذها إلا عدد قليل من الوزراء وفقًا لـ “هيئة الإذاعة البريطانية”.  

دوافع القرار

جاء القرار كرد فعل على الرفض المستمر الذي يواجهه “جونسون” على الصعيد الداخلي والخارجي على خطته للخروج؛ حيث رفض زعيم حزب العمال المعارض “جيرمي كوربن” خطة الخروج بدون اتفاق، كما إنه دعا إلى حجب الثقة عن الحكومة مع عودة البرلمان، معربا عن استعداده لقيادة المرحلة الانتقالية، تمهيدًا لتنظيم انتخابات عامة لتفادي مخاطر الخروج بدون التوصل إلى اتفاق، علاوة على إمكانية إرجاء تاريخ الخروج.

بالتوازي مع استمرار موقف الاتحاد بشأن مفاوضات الخروج، وعدم الرغبة في إعادة التفاوض، وقد تزايدت حدة عدم التوافق ما بين “جونسون” و”دونالد توسك” رئيس المجلس الأوروبي في لقائهم على هامش مجموعة السبع “G7” حول البريكست، كما لم يحقق لقائهما إلى تغيير مُثمر، لذا فقد اتفق الجانبان على استمرار الاتصالات بينهم بما في ذلك لقائهم القادم إبان أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر. وقد سبق لقائهم حالة من الصدام وتبادل الاتهامات حول من سيدفع تكلفة الخروج بدون اتفاق، ومستقبل العلاقات ما بين لندن وبروكسل خلال المرحلة الانتقالية. 

هذا بجانب استمرار الدعم الأمريكي لسياسات “جونسون” الذي تجلى في لقاء “دونالد ترامب” مع “جونسون” على هامش قمة السبع؛ حيث تعهد “ترامب” بالتوصل إلى اتفاق تجاري مع المملكة، موضحًا أنها “ستتخلص من مرساة مُعلقة في كاحلها”، بعد الخروج من الاتحاد. وبالرغم من استمرار تأكيد “ترامب” على ضرورة خروج بريطانيا من الاتحاد حتى بدون اتفاق للتخلص من عبء السياسات الأوروبية، كما أن الولايات المتحدة على استعداد لإبرام اتفاق للتعاون التجاري، إلا أن الكونجرس الأميركي لن يمرر هذا الاتفاق لإنه سيعد انتهاكًا لاتفاقية السلام المُبرمة ما بين جمهورية أيرلندا وشمال أيرلندا، وخاصة وأن مقترح “جونسون” حول تعديل “شبكة الأمان” التي وضعتها حكومة “تيريزا ماي” لم يُقبل بعد. 

وعليه فقد أدرك “جونسون” أن خطة الخروج بدون اتفاق لم تكون بالأمر الهين، لذا لابد من تخفيف حدة الضغط الداخلي، مع تأهيل الحكومة والشركات للاستعداد للخروج فى الموعد المحدد، مع اتخاذ التدابير الاستباقية للتصدي لمخاطر البريكست بدون اتفاق منظم، فضلاً عن رغبته في تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة وتوظيف علاقته مع “ترامب” لصالح دعم شرعيته الداخلية من خلال إبرام اتفاق تجاري يساهم في زيادة معدلات نمو الاقتصاد البريطاني تجنبًا لانخفاض قيمة العملة وعدم الاستقرار الذي من المتوقع أن يحدث في المستقبل.  

             مآلات القرار

لم يكن جديد على البرلمان البريطاني أن يواجه طلب بتعليق عمله من قبل الحكومة، فعادة ما يحدث ذلك قبل فترة قصيرة من بدء دور الانعقاد الجديد، يتم ذلك من قبل الملكة، بناءً على طلب رئيس الوزراء، وعادة ما تقوم الحكومات البريطانية بالترتيب لعقد جلسة برلمانية جديدة كل عام تبدأ بكلمة الملكة تحدد من خلالها أولويات الحكومة في الدورة التشريعية، لكن رئيسة الوزراء السابقة سمحت للدورة السابقة بالاستمرار؛ حيث حاولت مرارًا إقناع المشرعين بتمرير خطة “البريكست”. يختلف التعليق عن حل البرلمان، في أن الأول يعني عدم عقد أي مناقشات أو تمرير أي قانون خلال هذه الفترة، أما الثاني يعني تخلي جميع النواب عن مقاعدهم ويتم الإعلان عن تنظيم انتخابات عامة لاختيار نواب جدد. 

في هذا السياق، إذا قررت الملكة في خطابها تنفيذ القرار، سيتم إغلاق البرلمان لمدة 23 يوم، كما سيتعين على النواب الموافقة على القرار وعدم الاعتراض عليه.

يضاف إلى ذلك، من غير المحتمل أن يتوفر للنواب وقتًا كافيًا لمناقشة خطة الخروج، وتمريرها لإنهم سيصوتون عليها يومي 21/22 أكتوبر أي قبل أيام محدودة من الموعد المحدد للخروج. وتمثل هذه الخطوة ردعًا استباقًا لإنها ستؤثر على العملية الديمقراطية الخاصة بمسار التفاوض على خطة البريكست. وقد علقت “نيكولا ستورجيون” رئيسة وزراء اسكتلندا على القرار قائلةً “لابد من عودة البرلمان، للإيقاف هذه الخطة، أو “سيعد هذا الحدث مظلمًا في تاريخ الديمقراطية البريطانية”.  

إجمالًا؛ من المتوقع أن توافق الملكة على طلب “جونسون”، على اعتبار إنه يتوافق مع المصلحة الوطنية للمملكة، وتجنبًا لحالة الفوضى السياسية، أو الدخول في حالة جمود سياسي مرة ثانية، كما حدث في عهد الحكومة السابقة.  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى