مصر

“التطوع”: الأبعاد القيمية في إعادة بناء المجتمعات

تؤكد دوائر السلطة في مصر وعلى رأسها مؤسسة الرئاسة في أكثر من موضع، كان أبرزها حدث إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الانسان (سبتمبر 2021)، أن “الوعي والتنمية هما أساس بناء المجتمع”. بينما ركّزت المؤتمرات الوطنية خاصة في نسختيها السادسة والسابعة على برنامج “بناء الإنسان وتحديث المجتمع المصري”. إذًا، تتكرر الإشارات السياسية في مصر باستخدام مصطلح “بناء المجتمع” أو “تحديث المجتمع” المصري.

يناقش التقرير الإجابة على سؤال: هل تشهد مصر دلالات فعلية على عملية إعادة بناء المجتمع المصري؟، وماهية القيم التي تدخل في عملية بناء المجتمعات الجديدة في حال رغبت السلطة تحديث الدولة أو إقامة “جمهورية جديدة”.

مظاهر التطوع في مصر

يعد “التطوع” قيمة مجتمعية مركبة ذات مظاهر متعددة، تتنوع بين (1) التطوع الإيثاري بهدف تقديم الخدمات. (2) التطوع الوسيلي أي الهدف منه تهيئة قدرات المتطوعين بشكل يتناسب مع الصالح العام Public Good والرواية الوطنية للدولة. (3) التطوع الحاشد الذي يهدف إلى تأهيل المتطوعين على مواجهة الأزمات. 

تشمل مصر جميع هذه الأنواع بدرجة كبيرة في عدة مظاهر، يمكن عرض أبرزها فيما يلي:

أولًا: مشروع حياة كريمة

فُتِحَ في فبراير 2021 باب التطوع في المشروع القومي لتنمية الريف المصري “حياة كريمة”، بلغت أعداد المتقدمين عبر الموقع الإلكتروني 17830 مشاركًا من مختلف محافظات الجمهورية، من مختلف التخصصات الأكاديمية والمهنية. (حسب آخر إحصائية). وبلغت نسبة الذكور 63%؜ وبلغت نسبة الإناث من المشاركين 37%؜، وحصلت الفئة العمرية من سن 20 إلى سن 30 عامًا على النسبة الأكبر من المشاركين في التطوع.

خصصت “حياة كريمة” مجالات تطوعية محددة شملت التالي: (1) المتابعة الميدانية. (2) التسويق والإعلام. (3) التوعية المجتمعية والثقافية. (4) المجال الهندسي والبرمجي. (5) التخطيط الاستراتيجي. (6) التدريب والتأهيل. ويستهدف مشروع حياة كريمة دعم المجتمع الريفي في مصر، وإحداث تحسن نوعي في معيشة المواطنين المستهدفين، وتعزيز الحماية الاجتماعية للوصول إلى “العدل الاجتماعي social just” بالتحديد في الأرياف من خلال توزيع عادل لمكاسب التنمية.

بالنظر إلى حجم التفاعل المستهدف من التطوع وربطه بمشروع حياة كريمة نجد أنه يميل إلى أن يكون “تطوعًا إيثاريًا”؛ بهدف تقديم الخدمات، مرتبطا معه “التطوع الوسيلي” الذي يظهر في المتابعة الميدانية وتعني الرقابة المجتمعية (من فئة الشباب) على حجم التطوير والتقدم الذي يلحق بالمشروعات التنموية في حياة كريمة.

ثانيًا: مشاريع إدارة الأزمة التابعة للقوات المسلحة

يظهر التطوع الحاشد في مصر في مظهر التعاون المقدم من مؤسسة القوات المسلحة المصرية مع المحافظات ومع قطاعات المجتمع المدني. قامت قوات الدفاع الشعبي والعسكري بتنظيم مشروع إدارة الأزمات والكوارث للشباب المتطوع، مثل الذي ظهر في محافظتي دمياط والدقهلية أكتوبر 2020.

ثالثًا: اتحاد شباب الجمهورية الجديدة

يضــم اتحــاد شــباب الجمهوريــة الجديــدة عــددًا مــن الكيانــات الشــبابية والمبــادرات والحــركات المعنيــة بالعمــل العــام والتنميــة المجتمعية والــسـيــاسـيــة. تشمل هذه الكيانات: متطوعي حياة كريمة، وكوادر البرنامج الرئاسي PLP، وغيرها من الكيانات.

يسهم اتحاد شباب الجمهورية في بلورة نوع مهم من العمل التطوعي وهو “التطوع الوسيلي” أي الذي يعمل على تقريب الفئات المجتمعية بالعمل العام ودمجه في الرواية التنموية الوطنية للدولة. ويسهم أيضًا في إكساب العمل التطوعي بكافة أنواعه طابعًا “مؤسسيًا” يعمل على تحييد ظاهرة اندماج الشباب في الحركات الاجتماعية غير الرسمية عبر خلق مسار تطوعي رسمي وأكثر شمولًا.

لماذا التطوع بالتحديد؟

يقوم المفهوم الأساسي لقيمة التطوع على “الجهد المبذول من الإنسان دون مقابل”، وعليه أصبحت ظاهرة التطوع قيمة مهمة في عملية إعادة بناء المجتمعات. يمكن تحديد أهم الأبعاد التي تتضمنها قيمة “التطوع” فيما يلي:

أولًا: من “الامتلاك” إلى “الوجود”

تسببت العولمة والرأسمالية في خلق نزعة استهلاكية حادة لدى الأفراد، انعكست في خلق مجتمعات ذات نزعة استهلاكية تقوم على مبدأ “تسليع كل شيء”، مما أثر بالضرورة على طبيعة العلاقات الإنسانية حتى داخل الأسرة. تحولت النزعة الاستهلاكية إلى ما يمكن تسميته (حسب عالم النفس الاجتماعي الألماني إيريك فروم) نزعة الامتلاك. 

يمكن تفسير كثير من الظواهر المجتمعية السلبية في مصر (مثل ارتفاع حالات الطلاق، والزيادة السكانية) من خلال هذا المقترب (أي مقترب الامتلاك) وهو ما يعكس في واقع الأمر التخوف الذي يحيط بالقيادة السياسية أن تتحول جميع السلوكيات المجتمعية (بما فيها ظاهرة الإنجاب) إلى نزعة الامتلاك والاستهلاك غير المرغوب فيه.

تعمل قيمة التطوع (التي تقوم على مبدأ غير مادي وهو العمل بدون مقابل) على تهذيب هذه النزعة وتحويلها إلى نزعة وجودية تميل إلى (1) البناء والإيثار وبالتالي تضمن الدولة استدامة التنمية، (2) الاهتمام ببناء الجوهر وتعزيز الاستقلالية والكرامة، أي تفضيل النوع على الكم. 

ثانيًا: التطلع العام Public Aspiration

تميل الفئة الشبابية في المجتمعات إلى تبني ما يمكن تسميته بـ “التطلع العام” وهو الطموح السياسي الذي يحيط بالشباب لتغيير واقعهم الاجتماعي ومحيطهم المجتمعي إلى الأفضل، وهو ما يفسر سعيهم إلى السلطة (من الجانب الأخلاقي). 

يدخل هذا المفهوم ضمن حقوق الإنسان السياسية (التمكين السياسي). هنا يُستدعى دور السلطة في وجوب تحقيق هذا التطلع، وإلا بات من الصعب أن يؤمن المجتمع بالمشروع السياسي-التنموي الذي تتبناه الدولة.

في هذه الحالة تتقدم القيادة السياسية لخلق مسارات تطوعية تُؤمّن للمجتمع (وبالتحديد فئة الشباب) الفرصة (1) لترجمة تطلعه العام إلى واقع سياسي واجتماعي حقيقي، (2) يحقق له تمكينًا سياسيًا مهمًا ضمن حقوق الإنسان السياسية، وهو ما يظهر على سبيل المثال في مشروع حياة كريمة. (3) خلق الوعي والإدراك السياسي المناسب الذي يؤهله إلى أن يصبح مواطنًا سياسيًا جديرًا بالمشاركة السياسية.

ثالثًا: تعزيز درجة الاستقرار السياسي

بعد أن يرى المجتمع تحققًا رشيدًا وواقعيًا لتطلعه العام، تبدأ عملية التوافق السياسي بين السلطة والمجتمع على طبيعة الرؤية المطلوبة لمستقبل مزدهر، وعليه تتعزز درجة الاستقرار السياسي بسبب الثقة والشرعية الشعبية من المجتمع تجاه السلطة.

تقدم قيمة التطوع وبالتحديد في نوعيه الوسيلي والحاشد هذا البعد المهم، وهو مشاركة الشباب في بناء رواية تنموية ذات أفق سياسي إيجابي من خلال تطوعهم في المشروعات التي تحقق بالفعل بناء واقع وتغيير إيجابي ومزدهر.

رابعًا: الصمود المجتمعي resilience

يقدم التطوع الوسيلي والتطوع الحاشد للشباب القدرة على التأهل بواسطة القدرات والمهارات المناسبة لتقديم سلوك تنظيمي رشيد أثناء نشوب الأزمات والكوارث. بعبارات أخرى، تُؤمِّن قيمة التطوع بنوعيه المذكورين تماسكًا مجتمعيًا قويًا بهدف الترميم الذاتي بعد مواجهة أزمات غير تقليدية مثل الأوبئة، والكوارث المناخية والبيئية، أو أزمات تقليدية في أوقات الحروب.

قضايا عالقة

رغم أهمية التطوع كبعد قيمي في عملية بناء المجتمعات، إلا أنه لا زال هناك قضايا عالقة ضمن ملف التطوع في مصر. يمكن توضيح أبرز هذه القضايا فيما يلي:

  1. التفعيل المدني للدور

تحتل مصر نسبة متواضعة ضمن قائمة نسب المتطوعين من إجمالي عدد المواطنين (2.5% حسب التقرير التفصيلي لحالة التطوع 2018). 

في دراسة لمركز بصيرة في 2017 لقياس حالة التطوع في مصر، تبينت مجموعة من الأسباب التي تضغط على تفعيل حقيقي للدور التطوعي في مصر، وهي: (1) الضغوط البيروقراطية التي تحاصر المتطوعين. (2) تديين قيمة التطوع وتوظيفها من قبل جماعات الإسلام السياسي. (3) عدم الوعي بقيمة العمل العام بين الشباب.

وكذا، تغيب استطلاعات الرأي بين الشباب حول أهمية التطوع والرغبة الفعلية لممارسة هذا الدور. تشير الإحصاءات الرسمية إلى تفوق نسبة الذكور على نسب الإناث (مثل حاله في مشروع حياة كريمة)، ولكن التقديرات غير الرسمية تشير إلى العكس وهو تفوق الإناث على الذكور. ربما يفسره في ذلك الخلط بين مفهوم العمل العام أو التطوع، والخدمة العامة (الإلزامية).

  1. بين الرسمي وغير الرسمي

تميل أغلب أدبيات التطوع في العلوم الاجتماعية التفريق بين أنواع التطوع إلى تطوع رسمي وغير رسمي، وهو تفريق يقوم على المتغيرات الكمية. تشير الدراسات (مثل التقرير المبدئي لحالة التطوع لعام 2021) إلى أن 6.5% من متطوعي العالم يدخلون ضمن قنوات التطوع الرسمية، بينما هناك ضعف هذا الرقم ضمن قنوات التطوع غير الرسمية.

أحد أهم الأسباب لتفسير هذه الظاهرة هو أن أغلب المتطوعين يميلون إلى المشاركة في القوافل الخيرية ذات المدى القصير والتأثير السريع، وهو ما يتأتى في القنوات غير الرسمية مثل الجمعيات الأهلية. بينما تميل الدولة إلى توظيف التطوع في المشروعات الكبرى ذات التأثير طويل المدى، ولذلك تشهد عزوفًا نسبيًا من الشباب. السبب الثاني: هو تعدد الجهات الرسمية المسؤولة عن قنوات التطوع.

تحاول مصر معالجة هذه الظاهرة من خلال عدة سياسات هي: (أ) مأسسة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني من خلال صندوق تحيا مصر وتنظيم القوافل الإنسانية الإغاثية سريعة التأثير؛ من أجل استقطاب شريحة الشباب الراغبة في التطوع سريع التأثير. (ب) إقامة كيان اتحاد شباب الجمهورية (الرسمي) لضم الكيانات والمبادرات التطوعية المتعددة مثل كوادر البرنامج الرئاسي PLP، كمحاولة لتوحيد قنوات التطوع الرسمية. (ج) العمل على استراتيجية وطنية لتنظيم العمل التطوعي في مصر (لا زالت تحت المراجعة).

المصدر: https://swvr2022.unv.org/chapter-2/

المصدر: https://jocu.journals.ekb.eg/article_146527_b16d89ed0dd248e89de4b037734b8284.pdf

الخاتمة

  1. يمكن القول إن تدشين مصر لمسارات تطوعية رسمية يعني أن هناك اتجاهًا لإعادة بناء المجتمع وتحويله إلى مجتمع حديث، لما تمثله قيمة التطوع من أهمية أخلاقية عميقة الأثر وبالتحديد بين فئة الشباب بما يرسخ مفهوم “الصالح العام”.
  2. يمكن تفسير كثير من الظواهر المجتمعية السلبية من خلال مقترب الامتلاك والوجود (مثل السلوك الإنجابي في مصر)، وعليه يمكن القول إن التطوع يقدم فرصة لتشكيل نزعة وجودية مهمة لدى المواطن المصري تهذب الظواهر السلبية في مصر.
  3. يشمل التطوع في مصر مشروعات ومبادرات رسمية تضم جميع أنواع التطوع وعلى رأسها التطوع الوسيلي الذي يبني قدرات جديدة للإنسان ويربطه برواية الدولة التنموية، وكذلك التطوع الحاشد الذي يعزز التماسك المجتمعي في مصر.
  4. لا زالت هناك قضايا عالقة قد تضغط على العمل التطوعي في مصر، ربما بدأت بإلغاء قانون الطوارئ لترسيخ مفهوم العمل العام في المجتمع المصري. أعلنت مؤسسة الرئاسة أن عام 2022 هو عام العمل العام والمجتمع المدني، وهو إشعار ببدء تفعيل مدني للدور.
  5. أما الأبعاد السياسية لقيمة التطوع فهي تهيئة الدولة لإعداد قيادات عامة Public leader، قبل أن تكون قيادات سياسية نخبوية لا تطرح وعيًا يتناسب مع الواقع الفعلي في مصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى