ليبيا

خارطة برلمانية: كيف سيتعامل مجلس النواب الليبي مع تأجيل الانتخابات العامة؟

تصدرت أعمال لجنة “خارطة الطريق” المُنبثقة عن مجلس النواب (22ديسمبر2021) المشاورات والمناقشات داخل أروقة المجلس خلال الجلسات الماضية، وقد شهدت جلسة أمس (24يناير2022) عرضًا موسعًا لتقرير اللجنة حول ما عقدته من اجتماعات ولقاءات وما توصلت إليه من توصيات خلال الأسابيع الماضية. وقد أظهر هذا العرض الملامح الرئيسية لخارطة الطريق البرلمانية التي سيؤسس عليها مجلس النواب تحركاته المُقبلة، بالإضافة لحزمة الإجراءات الأولية التي تبلورت كمُحصلة لمداولات ومناقشات النواب، والتي تعكس اتجاهات عمل المجلس وتعاطيه مع قضايا وإشكاليات المشهد الليبي بعد تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة ديسمبر الماضي.

ملامح خارطة الطريق البرلمانية

عكس تقرير لجنة “خارطة الطريق” البرلمانية المسارات الرئيسية التي تسعى لتحقيق تقدم فيها، والتي تمثل حزمة القضايا والاشكاليات المُعطلة لتجاوز الانسداد المزمن بين أطراف الأزمة، وتتضمن تلك المسارات ما يلي:

أولًا: المسار الدستوري: نال هذا المسار تركيزًا كبيرًا من جانب اللجنة، وقد تضمن عقد اجتماعات متعددة مع الأطراف المتداخلة في ملف صياغة الدستور الليبي، وعلى رأسها المجلس الأعلى للدولة والهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، كما أشار أعضاء اللجنة إلى وجود توافق بين الأطراف السابقة حول ضرورة تجاوز المراحل الانتقالية المتعاقبة من خلال إقرار دستور للبلاد. 

ويشمل ذلك تفاهم مجلسي النواب والدولة وهيئة الدستور حول تشكيل لجنة لتعديل مسودة الدستور التي صاغتها الأخيرة بالسابق وتضم (24) عضوًا، بواقع (6) أعضاء عن كل منهم بالإضافة لـ (6) من الخبراء يختارهم المجلسان بالتساوي، على أن تنجز تلك اللجنة أعمالها بفترة بين شهر ونصف إلى شهرين، ثم يعقبها طرح صيغة الدستور للاستفتاء الشعبي بعد إدخال التعديلات اللازمة على الإعلان الدستوري لذلك عبر مجلس النواب.

ثانيًا: المسار التنفيذي: يرتبط هذا المسار بطبيعة السلطة التنفيذية المنوط بها إدارة المرحلة المُقبلة، في ظل العديد من الاعتبارات التي طرحها تقرير اللجنة مثل انقضاء الولاية القانونية لحكومة الوحدة الوطنية، أو الملاحظات التي عرضها النواب على أداء الدبيبة وحكومته وما اقترن بها من مخالفات تستوجب المساءلة القانونية، أو الآجال والمتطلبات الفنية التي قدمتها المفوضية العليا للانتخابات كالحاجة لنحو (330) يوم لتنفيذ كامل الاستحقاقات.

وفي ضوء الاعتبارات السابقة، ذهب تيار واسع داخل البرلمان للمطالبة بتضمين اختيار رئيس جديد للحكومة على أجندة اللجنة، وهو الاتجاه الذي تصدره رئيس المجلس؛ حيث طرح في مداخلته أن تجاوز العراقيل وتحقيق الاستحقاقات المنشودة يتطلب سلطة تنفيذية تعمل على إنجاز مهامها، وأن حكومة الوحدة المؤقتة أهدرت فرصة الانتخابات العامة على الليبيين.

ثالثًا: المسارات الأخرى: طرح تقرير اللجنة عدد من المسارات الأخرى التي حاولت إحداث تقدم فيها كالمسار الأمني ومسار المصالحة الوطنية، إلا أن منجزاتها كانت محدودة في هذا السياق؛ حيث لم تتجاوز حيز التشاور مع المجلس الرئاسي بشأن حلحلة المشهد الأمني-العسكري، فيما عقب بعض أعضاء المجلس بضرورة توجيه جهود اللجنة في هذا المسار من خلال دعم اللجنة العسكرية المشتركة (5+5). وعلى صعيد مسار المصالحة الوطنية، كانت مُحصلة أعمال اللجنة مطالبتها للمجلس الرئاسي بتدشين مشروعًا متكاملًا لتحقيق المصالحة، فيما شدد النواب على كونه المسار الأهم والقاطرة التي ستقود لإنجاح الجهود المبذولة بكافة المسارات الأخرى.

مخرجات أولية

في مُحصلة النقاشات التي شهدتها جلسات مجلس النواب الماضية، يمكن الوقوف على مجموعة من الإجراءات التي جرى اعتمادها ويُرجح أن تتصدر واجهة الأحداث في ليبيا خلال الأسابيع المُقبلة، وبينها:

أولًا: انتخاب رئيس جديد للحكومة المؤقتة: تأسيسًا على إقرار تقرير لجنة “خارطة الطريق” انقضاء الولاية القانونية لحكومة الوحدة الوطنية في 24ديسمبر الماضي، وهو ما أكد عليه رئيس مجلس النواب في عدة مناسبات، فقد كُلفت اللجنة بتحديد آلية لاختيار رئيس الحكومة الجديد، بما يتضمن شروط ترشحه ومتطلبات التقدم للمنصب، كما أكد “صالح” على ضرورة انسحاب أية مرشح للسباق الرئاسي حال رغبته في الترشح لرئاسة الحكومة المؤقتة. 

ثانيًا: تشكيل لجنة خبراء لصياغة دستور دائم: أوصى رئيس مجلس النواب لجنة خارطة الطريق، خلال جلسة 24يناير الجاري، بإتاحة الفرصة للتوافق مع مجلس الدولة وهيئة صياغة الدستور للوصول لصيغة دستور دائم للبلاد، عبر تشكيل لجنة من الخبراء القانونيين لإدخال التعديلات الفنية على مسودة الدستور المنجزة مسبقًا من الهيئة، على ألا تضم اللجنة أيًا من أعضاء المجلسين أو الهيئة بل يختار كل منهم ممثليه من الخبراء والفقهاء الدستوريين؛ حرصًا على تلافي الانسداد المتصدر لكافة اللجان التي تشكلت بعضوية النواب بالسابق، ولكون التعديلات المطلوبة فنية بالدرجة الأولى وتحتاج لخبراء لتنفيذها.

ثالثًا: تحديد توقيتات جديدة لعقد الانتخابات العامة: بدا واضحًا أن مجلس النواب يرغب في ضمانة الاحتفاظ بمسار الذهاب لصناديق الانتخاب كورقة بديلة حال تعثر الإجراءات السابقة، حيث وجه رئيس المجلس لجنة “خارطة الطريق” بتحديد آجال جديدة لعقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وفقًا للمشاورات الفنية التي تتم مع المفوضية العليا للانتخابات، مع أفضلية أن يتحقق توافق حول إقرار قاعدة دستورية دائمة تتفق وتلك الآجال، وإلا سيتم عقد الانتخابات وفقًا للتشريعات الصادرة عن مجلس النواب.

مُجمل القول، يبدو أن هناك حراكًا بين الأطراف الليبية يستهدف تحصين المواقع وتجاوز الوقوع في دائرة المعرقلين للتسوية، وهو ما يؤكده التغير النسبي بموقف مجلسي النواب والدولة من قضايا شهدت جمودًا بالمواقف في السابق، لا سيما إشكالية أسبقية الاستحقاقات أو جدلية وجوب التوافق والتشاور حول الإجراءات الانتقالية. ولكن هذا التطور يحمل في طياته خطورة مستمرة للانقلاب على ما يجري صياغته من تفاهمات، فقواعد وخطوط الاشتباك القديمة مازالت قائمة، ويعكس التغير النسبي في مواقف تلك الاجسام محاولة لتلافي العودة للصراع الشامل، وإطالة أمد فترة السكون الميداني أملًا في أن يقفوا جميعًا عند الحد الأدنى من التفاهم الذي يجنب البلاد العودة لمربع المواجهات الصفرية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى