مصر

رؤية أم حُلم؟.. مشروع إصلاح التعليم في مصر

يُبنى أي تغيير على رؤية منظمة تعكس التصور المستقبلي – البعيد أو القريب- لما ستبدو عليه نتائج تنفيذ التغيير، ويعتمد هذا بشكل مباشر على جملة من الخطط الإجرائية وفق استراتيجية محددة يمكن قياس مخرجاتها، إذا ما تم تطبيقها بشكل صحيح، وفي هذه الحالة فإن الرؤية والاستراتيجية يخلقان سيناريوهات استشرافية توفر إرشادات لاتخاذ القرارات التنظيمية في المستقبل، لكن إذا ما اقتصرت الرؤية على التصور المستقبلي أضحت “حلم” قد يقبل التنفيذ ولا يمكن قياسه، فهو عبارة عن إجراءات منقوصة نحو رغبات أو تطلعات فردية وليست مؤسسية. وفي هذا الصدد أكد بوتر، وديفيشي في كتابهما “إحداث التغيير التربوي في التعليم” على أهمية السياق التنظيمي، والقيادة المشتركة والموزعة في تنفيذ التغيير التربوي. بيد أن قرارات وزارة التربية والتعليم ضمن خطوات الإصلاح لا تعكس هذه المُسلَّمة.  

اتسمت قرارات الوزارة بالاضطراب منذ إطلاق مشروع اصلاح التعليم وعلى مدار أربع سنوات، ما بين التراجع تارة وتذبذب توقيت اصدارها أو تنفيذها تارة أخرى، فكان لذلك أثر بالغ في تعميق مقاومة مشروع الإصلاح، وزيادة انتشار الدروس الخصوصية بسبب التركيز على إصلاح شكل وأدوات ونظم التقييم، علاوة على تضاعف حجم المناهج الجديدة، وإغفال بعض أولويات عناصر العملية التعليمية، وفي مقدمتها تدريب المعلمين. 

غياب المنظومة

تبرهن جل الإجراءات الوزارية المتبعة منذ إطلاق مشروع الإصلاح على غياب السياق التنظيمي، حيث تدلل القرارات الخاصة بتطبيق امتحانات المرحلة الثانوية العامة سواء إلكترونيًا أو ورقيًا على ذلك، فقد وافق مجلس الوزراء في ديسمبر 2020 على مشروع قانون بتعديل نص المادة (28) من قانون التعليم الصادر بالقانون رقم 139 لسنة 1981، والخاصة بقواعد امتحانات الثانوية العامة، والذي تم رفضه في أبريل 2021 من قبل مجلس الشيوخ، وقامت الحكومة بسحبه من مجلس النواب في في مايو الماضي، ثم تقدمت به مرة أخرى إلى البرلمان في 23 يناير الجاري.

وبالرغم من ذلك تم تطبيق بعض بنود تعديل القانون بإجراء امتحانات المرحلة الثانوية العامة إلكترونيًا باستخدام التابلت في الأعوام الماضية، وهو ما يتعارض مع تسلسل دورة التشريع، التي تنطلق بسن القوانين المستقاة من مبادئ الدستور، وتفضي إلى إصدار لائحة تنفيذية لتطبيق القانون في النهاية.

من جهة أخرى، أثبتت أزمة تطوير المناهج وجود خلل في منظومة إصلاح التعليم، وخاصة مناهج العلوم والرياضيات للصف الرابع الابتدائي، فقد أعلن وزير التربية والتعليم عبر حسابه الرسمي على منصة التواصل الاجتماعي “فيسبوك” أن منهجي العلوم والرياضيات للصف الرابع الابتدائي للفصل الدراسي الأول سيحتاجان من 12-14 حصة أي ما يعادل شهر تقريبًا لاستكمالهما، وأنه سيتم ترحيل دراسة الأجزاء المتبقية من تلك المناهج إلى الفصل الدراسي الثاني. 

لكن هل سيتم مراعاة ذلك عند إنتاج مناهج الفصل الدراسي الثاني، بحيث تناسب الخريطة الزمنية للتعليم. وبالتزامن مع استمرار جائحة COVID-19 وارتفاع معدلات الاصابة من المتحور الجديد. قد لا يبدو حل الترحيل هذا محتمل التطبيق، خاصة مع اتجاه معظم الدول إلى الإغلاق الجزئي أو تقليص أيام الدراسة الحضورية في المدارس.

إدارة كثافة الفصول، هي أيضًا دليل آخر على غياب المنظومة في مشروع الإصلاح، حيث ارتفعت نسب النقص في الفصول الدراسية من 250 ألف فصل في 2017 إلى 300 ألف فصل في 2021، فالوزارة تحتاج إلى بناء 28 ألف فصل سنويًا لسد هذا العجز، وفق تصريحات السيد وزير التربية والتعليم والتعليم الفني.

وقد أطلقت الوزارة عام 2019 مشروع إنشاء الفصول الدراسية المعيارية (الفصول المتنقلة) لمعالجة هذا النقص، حيث تتميز هذه الفصول بكونها سهلة البناء والفك، ومجهزة بأحدث تقنيات السبورات الذكية. وتم إنشاء 156 فصلًا دراسيًا متنقلًا فقط ضمن المرحلة التجريبية للمبادرة حتى الآن وفق الإحصائيات المعلنة من وزارة التربية والتعليم، من إجمالي 3125 فصلًا لاستيعاب 141 ألف طالب وطالبة. بالإضافة إلى نقص الفصول، يعاني نظام التعليم قبل الجامعي من نقص في المعلمين، تبلغ نسبته معلم لكل 23 طالب، ووفق تصريحات السيد الوزير فإن إجمالي عجز المعلمين يبلغ نحو 250 ألف معلم.

تفاقم المقاومة

خلقت سياسات إصلاح نظم التقييم تحديات متباينة، حيث كشف تطبيق “التابلت” في الامتحانات عن انخفاض تكافؤ الفرص بين الطلاب جغرافيًا، واجتماعيًا، خاصة مع حرمان طلاب نظام “المنازل” من استلام أجهزة التابلت، علاوة على ضعف البنية التحتية التكنولوجية في بعض قرى الريف، الأمر الذي دفع الوزارة إلى التخلي عن إجراء امتحان موحد على المستوى القومي، وتقسيم المحافظات تارة بهدف تخفيف الضغط على الخوادم ” السيرفر” أثناء تطبيق اختبارات الثانوية العامة إلكترونيًا على التابلت في أحد الأعوام الماضية، أو تقسيم الطلاب داخل المحافظة الواحدة على فترات تارة أخرى في محاولة تفادي عطب النظام الإلكتروني والمعروف بـ “سقوط السيستم”. 

وما بين نظام الامتحانات القائم على الكتاب المفتوح والآخر المعتمد على الاختيار من متعدد باستخدام “البابل شيت”، وما بين أنظمة التقييم الكمية، والأخرى الوصفية باستخدام التقديرات، ومع تضاعف حجم المناهج التعليمية الجديدة، ازدادت ظاهرة الدروس الخصوصية، فقد أثبتت دراسة حديثة صادرة عن البنك الدولي في ديسمبر الماضي أن امتحانات الثانوية العامة والتي تصنف على أنها عالية المخاطر تعد سببًا رئيسًا في تضخم ظاهرة الدروس الخصوصية، بل ووصفها بالعاصفة المثالية لنمو “تعليم الظل”.

على صعيد متصل، أكدت الدراسة أن صناعة تعليم الظل تضاعفت، واستمر الطلب على الدروس الخصوصية بالرغم من آثار برنامج الإصلاح الاقتصادي على حجم التضخم، ووفق آخر إحصائيات الدخل والإنفاق لعام 2019-2020، والصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ متوسط الإنفاق السنوي للأسرة الواحدة على الدروس الخصوصية نحو 5200 جنية مصري، بإجمالي 136,474 مليار جنيه سنويًا، ويوضح الشكل التالي نمو إنفاق الاسرة المصرية على التعليم بين أعوام 2012- 2018- 2020 .

إذن مع اضطراب القرارات الوزارية، وعجز الإصلاح وفق خطة استراتيجية ومنظومة واضحة الإجراءات، وزيادة أعباء الأسر بالدروس الخصوصية، وغياب الحوار المجتمعي، وضعف تدريب وتأهيل المعليمين، حتمًا، ستتفاقم المقاومة ضد أي تغيير أو اصلاح منشود. 

دلالات وتوصيات

  • إن المتمعن في تاريخ محاولات إصلاح التعليم المصري سيجدها دائمًا مرتبطة بنموذج الإصلاح من أعلى إلى أسفل، ومدعومة باستيراد خبرات أو تجارب وممارسات دولية، وتفتقر إلى الاستدامة، نظرًا لإغفالها بعض الخصائص، والسياقات المحلية لنظام التعليم المصري، وهو ما ظهر جليًا في تجربة مناهج الرياضيات والعلوم للصف الرابع الابتدائي، والتي لا تتناسب والخريطة الزمنية للعام الدراسي في مصر.
  • لا يمكن إنكار أن إصلاح السياسات التعليمية أمر معقد، ويتطلب تفاعل ايجابي بين جميع الهياكل والمؤسسات الاجتماعية، ما يعني ضرورة وجود فريق إعلامي كامل مسؤول عن الترويج لمشروع الإصلاح من خلال تفعيل حوار مجتمعي مستمر، ودراسة وتحليل ردود أفعال الشارع المصري والأسرة المصرية، ومشاركة التربويين والخبراء وأصحاب المصلحة. ولا يتم اختزال هذه الأدوار في شخص واحد فقط حتى لو كان ممثل عن السلطة التنفيذية الأولى بوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني.
  • إن محاولة دمج سياسات التقييم الموجه نحو التعلم يجب أن تأخذ بعين الاعتبار خصائص المجتمع المصري، وممارساته التعليمية الموجهة نحو تعظيم أهمية الامتحانات، فاستيعاب تعقيدات التعليم الاجتماعية تساهم في تحسين فرص التنفيذ الناجح لسياسات الإصلاح المنشودة.
  • لن تنجح أي تجربة جزئية لإصلاح التعليم، بل من الضروري بمكان أن تتضمن عملية الإصلاح جميع عناصر العملية التعليمية وفق خطة طويلة الأجل، ومرحلية، مبنية على فقه الأولويات قاعدتها “المعلم المؤهل”.
  • الشفافية والمساءلة العامة، أداة هامة في هندسة وإدارة التغيير نحو تنفيذ مشروع إصلاح التعليم، وهنا يجدر القول بأن الحقبة الوزارية الحالية قد شهدت دعم منقطع النظير من القيادة السياسية، على كافة الاصعدة والمستويات، كما تجدر الإشارة بشفافية الأدوات الرقابية لمجلس النواب الموجهة لوزارة التربية والتعليم، مما يعكس رؤية حقيقة لمدى نجاح مشروع اصلاح التعليم من عدمه. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى