السودان

تعقيدات المشهد: السودان ومسار المرحلة الانتقالية

جاءت استقالة الدكتور “عبد الله حمدوك” رئيس مجلس الوزراء السوداني، مطلع يناير 2022 بعدما دام قرابة عامين شريكًا أساسيًا في المرحلة الانتقالية، لتُشكل محطة من انسداد الأفق السياسي وضبابية الرؤية وحالة من الارتباك العام، وتضع السودان في حالة حرجة، خاصة في ظل استمرار المظاهرات والاحتجاجات الشعبية وافتقاد الثقة في الإدارة الحالية.

لعل المساعي المختلفة سواء كانت من جانب المكون العسكري داخليًا لإحداث توافق سياسي بين التكتلات السياسية المدنية الداخلية أو من خلال الضغوطات الدولية والوساطات المتباينة، كان لها تأثير في الإسراع بتسمية حكومة جديدة في 21 يناير 2022 ضمت 15 وزيرًا، لتُعيد ديناميكية المشهد السياسي مرة أخرى.

معادلة مركبة

  • تأهب واستنفار المكون المدني: يأتي على رأس ذلك تجمع المهنيين السودانيين وقوى الحرية والتغير الذين طالبوا بالاحتجاجات العامة في كافة ميادين السودان للضغط على المكون العسكري، وتعتمد تلك القوى على استقطاب الخارج في دعم وجودهم السياسي داخل المعادلة السودانية، والارتكان إلى المخزون الجماهيري المساند لهم. إلى جانب ذلك تزاحم المشهد بلجان المقاومة في السودانية التي قامت بتعبئة الرأي العام والحشد في الميادين للإطاحة بحكم المكون العسكري من المشهد السياسي.
  • استمرار الاحتجاجات: إن الحالة السياسية تتسم بقدر من عدم الاستقرار في ضوء استمرارية المظاهرات منذ 25 أكتوبر 2021، والتي يتخللها قدر من الاضطرابات والعنف في ضوء تصدع العلاقة بين المكون العسكري والمدني، واتساع تلك الدائرة لتشمل تضامن القضاة السودانيين مع الاحتجاجات المختلفة التي تندد بحكم العسكريين، وذلك وفقًا لما صدر عن قرابة 55 قاضيًا بالتنديد بحكم السلطات العسكرية، وهو المسار الذي انتهجه وكلاء النيابة بالسودان والتلويح بورقة العصيان المدني والتوقف عن العمل، كلها أوراق ضاغطة على الوضع الراهن.
  • تذبذب حزبي: يشهد السودان حالة من الانخراط غير الفعال للأحزاب السياسية المختلفة في المشهد السياسي، وبرز ذلك في رفض الوساطات الدولية كما هو بالنسبة للاستجابة للمبادرة الأممية لحل الأزمة والتي رفضتها جزئيًا قوى الحرية والتغير، وكليًا من جانب تجمع المهنيين السودانيين، بينما وضعت أحزاب أخرى كما هو الحال بالنسبة لحركة العدالة والمساواة شروطًا قبل الانخراط في المبادرة وتتمثل في أن يقتصر الحوار على الداخل السوداني وعدم وجود أطراف خارجية في خضم ذلك المشهد.

عواقب وخيمة

إن أحد تداعيات المشهد المعقد في السودان هو توقف المساعدات الخارجية التي تقدمها الدول لدعم مسار الإصلاح الاقتصادي في السودان ومعالجة الأوضاع المعيشية المختلفة، وبرز ذلك بصورة كبيرة في تعليق واشنطن لمساعداتها الاقتصادية للسودان وربط ذلك بوقف العنف وعودة حكومة يقودها المدنيون. الأمر الآخر يتجلى في تصعيد الإجراءات المتخذة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية لتصل إلى حد اتخاذ إجراءات لمحاسبة المسؤولين عن حالة الإخفاق السياسي الداخلي وعرقلة مسار الانتقال السياسي.

وضعية الفراغ الداخلي في السودان تفتح المجال أمام تحقيق ائتلافات سياسية عرضية، كما هو الحال بالنسبة لاعتزام الحرية والتغير الانخراط لتشكيل تنسيقية مع لجان المقاومة ومن ثم تشكيل جبهة سياسية عريضة تضم كل الأحزاب السياسية الرافضة لإجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر. وهو الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى الضغط على المعادلة السياسية والمكون العسكري، ومن شأنه تأجيج الأوضاع الداخلية، خاصة وأن لجان المقاومة لديها القدرة على التحشيد وقيادة الشارع وصناعة الكتلة الحرجة التي تلعب أدورًا في إسقاط الأنظمة، ومن ثٌم فهي معرقلة لعمل الحكومة السودانية المستقبلية.

ونتيجة لاستمرارية العصيان المدني والاحتجاجات التي دعت إليها القوى السياسية ولجان المقاومة والكيانات المهنية، الناجمة عن تأزم الوضع السياسي والتعامل الأمني مع التظاهرات المختلفة، أصدر رئيس مجلس السيادة “عبد الفتاح البرهان” قرارًا بتشكيل لجنة تقصى حقائق حول أحداث العنف التي شهدها السودان في إطار مساعيه لاحتواء الغضب الشعبي وعدم تدهور الأوضاع.

وساطات متعددة وانفراج الأزمة

إن الوضعية الحرجة التي يمر بها السودان خلال الوقت الراهن تتطلب تسارع الفاعلين الإقليميين والدوليين من أجل إعادة بناء الثقة بين الأطراف الداخلية وبين المكون العسكري؛ خاصة في ظل تصاعد الأزمة الحالية والتلويح باللاءات الثلاث “لا تفاوض – لا مساومة – لا شراكة”، الأمر الذي يُنذر باقتراب السودان من الهاوية.

ونتيجة لما خلٌفته استقالة “عبد الله حمدوك” من ضغوطات على المشهد السياسي، فقد أبدت الأمم المتحدة استعدادها لتسهيل حوار هادف وشامل يعيد الثقة بين الأطراف السودانية، وبرز ذلك في دعوة “أنطونيو جوتيريش” الأمين العام للأمم المتحدة وكذلك دعوة الممثل الخاص للأمم المتحدة في السودان “فولكر بيرثس” للوساطة لتسهيل حوار هادف وشامل يعيد الثقة بين الأطراف المختلفة، وهو ما لاقى قبولًا بين الأوساط الحزبية وعلى رأسها حزب الأمة القومي السوداني أكبر الأحزاب السياسية بالسودان والتي رحبت بالمبادرات الدولية الداعمة لمطالب الشعب السوداني والرامية إلى الدفع بعجلة التحول المدني الديمقراطي. 

الأمر الآخر الداعم لحلحلة الأزمة السودانية جاء من خلال اجتماعات مجموعة “أصدقاء السودان” التي تتضمن كلًا من السعودية والإمارات وبريطانيا وألمانيا وفرنسا والسويد والنرويج وبمشاركة الاتحاد الأوروبي والأفريقي وجامعة الدول العربية وكلًا من البنك الدولي وصندوق النقد، والتي جاء آخرها في 19 من يناير 2022، للتباحث حو دعم التنسيق المشترك للدفع بالعملية السياسية وضمان الانتقال السلمي في السودان.

ونتيجة للسابق؛ فإن المرحلة الماضية شهدت تكثيف الاتصالات مع المكون العسكري للضغط في اتجاه تشكيل الحكومة، وهو ما تحقق في الواحد والعشرين من يناير الجاري، وجاءت الوساطة الأمريكية لدى مجلس السيادة لتُخرج حكومة كفاءات وطنية مستقلة مُشكلة من 15 وزيرًا، تضمنت تلك القائمة الحقائب الوزارية المهمة من شخصيات غير معروفين سياسيًا، ولكن يظل منصب رئيس الوزراء شاغرًا. 

ختامًا؛ إن تشكيل حكومة تكنوقراط وطنية في السودان كأحد أهم متطلبات المرحلة الراهنة، يُنذر بقدر كبير من تخفيف عبء الانخراط والتداخلات الدولية في المشهد السوداني، ويحول دون انزلاق الخرطوم إلى الهاوية. وتتطلب المرحلة القادمة ضرورة الإسراع في إجراء حوار وطني لتحقيق دعم سياسي توافقي من كافة القوى السياسية للمرور الآمن بالسودان من تلك المرحلة. فتعقيدات المشهد السياسي في السودان بحاجة ماسة إلى إيجاد الثقة بين المكونين المدني والعسكري؛ خاصة وأن دور كليهما بات مكملًا للآخر، ولا يمكن الاستغناء عنه، وصولًا إلى استكمال المرحلة الانتقالية وإجراء الانتخابات الرئاسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى