آسيامصر

زيارة محورية من رئيس كوريا الجنوبية إلى مصر لتعزيز التعاون الثنائي

استقبل الرئيس “عبد الفتاح السيسي” رئيس كوريا الجنوبية “مون جاي- إن” في القاهرة يومي التاسع عشر والعشرين من يناير 2022 لعقد قمة رسمية بين البلدين. جاءت زيارة “مون” إلى القاهرة ضمن جولة شرق أوسطية يجريها لأول مرة خلال فترة ولايته الرئاسية، وتسبق أيضًا الاستحقاق الانتخابي القادم في مارس. شملت الجولة بجانب مصر كل من السعودية والإمارات، إذ تركز الاستراتيجية الاقتصادية لكوريا الجنوبية في السنوات الأخيرة على تعزيز العلاقات مع دول الشرق الأوسط.

تعد الزيارة هي الأولى لرئيس كوريا الجنوبية منذ 16 عامًا بعد تأجيلها منذ مارس عام 2021 بسبب جائحة كورونا، ومصر هي أول دولة أفريقية يزورها “مون” خلال فترة ولايته، لذا فهي تحمل أهمية خاصة نظرًا لمحورية الدور المصري في الاستراتيجية الكورية خاصةً بعد التوقيع على الشراكة الشاملة بين البلدين في عام 2016 خلال زيارة الرئيس “السيسي” إلى العاصمة الكورية “سيول”.

وخلال المؤتمر الصحفي المشترك، أشار الرئيس “السيسي” إلى تطلّع مصر لتحقيق قفزة إنمائية ضخمة على غرار تجربة كوريا الجنوبية، إذ اتفق الجانبان على تعزيز التعاون المشترك لدعم الرؤية المصرية الهادفة لدخول عصر الثورة الصناعية الرابعة. وأكد المساعي المصرية لجذب الاستثمارات الكورية عبر توفير التسهيلات اللازمة لخلق مناخ استثماري للمشروعات الكورية. وتم توقيع العديد من مذكرات التفاهم بين الجانبين، التي ستسهم في مساعدة مصر لتنفيذ رؤيتها الإنمائية لعام 2030 وتنفيذ مبادرة “حياة كريمة” التي دشنها الرئيس.

الرئيس “مون” يثمن العلاقات بين البلدين

أشاد “مون” بالدور السياسي المصري في تسوية الأزمات الإقليمية للحفاظ على الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى جهود مكافحة الإرهاب والتطرف، وترسيخ قيم التعايش والتسامح. وخلال حوار له مع رئيس تحرير جريدة الأهرام القومية، أشار الرئيس “مون” إلى إدراك بلاده للأهمية الاستراتيجية لمصر كبوابة للمنتجات الكورية لأفريقيا، فيما أتاحت كوريا لمصر فرصة لدخول السوق الآسيوية. وأن العلاقات الشعبية الودية بين البلدين لها دور كبير في تعزيز العلاقات الثنائية. وأن مصر تعد جاذبة لجميع الدول التي ترغب في التعاون لما تتمتع به الدولة المصرية من ديناميكية وإمكانيات كبيرة للنمو، فقد حافظت مصر على مكانتها لمدة خمس سنوات متتالية كأكبر متلقي للاستثمار الأجنبي في أفريقيا ولها العديد من اتفاقيات التجارة الحرة حول العالم.

واعتبر أن البلدين يقدمان نموذجًا للتعاون يقوم على المنفعة المتبادلة في مواقع التصنيع؛ إذ تمتلك العديد من الشركات الكورية الرائدة –مثل إل جي، سامسونج، هيونداي روتيم- قواعد إنتاج في مصر تسهم في خلق فرص عمل للمصريين تحت شعار “صنع في مصر”.

وأشار إلى كلية التكنولوجيا المصرية الكورية التي تعد أحد النماذج الناجحة للتعاون التي أنشأتها منظمة التعاون الدولي الكورية من خلال مشروع تعاون إنمائي، وتستهدف تخريج كوادر متخصصة. ونوه بإنشاء الشركات الكورية أكبر محطة لتكرير النفط في مصر، مما أسهم في تقليل اعتماد مصر على واردات الطاقة المكررة وخلق فرص عمل في الداخل.

وألقى الضوء على عملية السلام الكورية، وأنه بذل الكثر من الجهود لإحلال السلام في شبه الجزيرة خلال فترة رئاسته عبر إقامة محادثات ثنائية بين الكوريتين في ثلاث قمم، وبين كوريا الشمالية والولايات المتحدة في قمتين، والدخول في محادثات ثلاثية مع كوريا الشمالية والولايات المتحدة. لكنه رأى أن إحلال السلام ليس بالأمر السهل رغم تهدئة التوتر العسكري وإبرام اتفاقية عسكرية بين الكوريتين في سبتمبر عام 2018. وعبّر عن أمله بأن تقدم مصر الدعم لعصر جديد من السلام يسود كوريا. 

وبالنسبة لما تركته الجائحة من آثار سلبية على الاقتصادات العالمية ومساعي كل الدول للتعافي منها، عبّر عن أمله أن تخرج مصر من هذه الأزمة واستعادة الحياة الطبيعية في أقرب وقت ممكن لأن حقبة ما بعد الوباء ستكشف عن مصر سريعة النمو. وطلب “مون” من مصر دعم الجهود الكورية لاستضافة معرض “إكسبو” العالمي في مدينة بوسان في عام 2030.

محاور اهتمام الزيارة

تم تسليط الضوء على أن الزيارة تشمل دولتين مضيفتين لمؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP) عامي 2022 و2023 في مصر والإمارات على التوالي. واستنادًا لذلك، استحوذت الصناعات الخضراء على جزء كبير من النقاش بين الجانبين المصري والكوري الجنوبي لبحث سبل التعاون في مجالات النقل الأخضر وتوطين صناعة السيارات الكهربائية بمصر وتصديرها للخارج. وكذا، جرت نقاشات حول استخدام الهيدروجين الأخضر في العديد من الصناعات، والعمل على إحلال قاطرات تعمل بالغاز الطبيعي المسال محل القاطرات التي تعمل بالوقود التابعة لهيئة قناة السويس.

واتصالًا بالاهتمام بالطاقة النظيفة، أشار سفير كوريا الجنوبية في مصر إلى أن هناك نقاشات كورية للتعاون مع روسيا في إنشاء المشروع الوطني لمحطة الضبعة النووية التي من المقرر الانتهاء منها بحلول عام 2026. وشملت النقاشات تعزيز التعاون في مجال تحلية المياه وصناعة الكهرباء والسكك الحديدية، إذ تجري محادثات للتعاون في بناء محطة لتحلية مياه البحر. 

وبالنسبة للتعاون في السكك الحديدية، ستقوم شركة هيونداي روتيم بإنشاء خط الأقصر- نجع حمادي وتوسيعه ليصل إلى السد العالي ثم إلى أسوان بقيمة 312 مليون دولار. أما بالنسبة لمجال التحول الرقمي، فإن هناك تعاونًا مشتركًا بين البلدين في نقل نظام براءات الاختراع إلى نظام رقمي، وسيتم العمل على تحسين التعاون في هذا المجال. 

على الجانب التجاري، يسعى البلدان إلى توقيع اتفاقية إنشاء منطقة تجارة حرة في مصر، فقد بلغ حجم التجارة بين البلدين في عام 2019 حوالي 1.8 مليار دولار، وخلال عام 2021 بلغ 2.3 مليار دولار في زيادة ملحوظة. وقد شمل التبادل التجاري العديد من المنتجات مثل المنتجات النفطية والإسمنت والجرانيت والألومنيوم. وبالنسبة للاستثمارات، فقد بلغت الاستثمارات الكورية في مصر 19.7 مليون دولار في العام المالي 2019- 2020 بزيادة من 12.1 مليون دولار في العام المالي 2018- 2019.

جدير بالذكر أنه تم اختيار مصر لتكون على رأس أولويات المساعدة الإنمائية لكوريا الجنوبية لعامي 2021 و2025، وسيتم منح مصر قرضًا ميسّرًا بقيمة مليار دولار لتمويل مشروعات مختلفة، وذلك في إطار التعاون المالي بين البلدين في الفترة من 2022 إلى 2026.

ولم يكن التعاون في المجال العسكري ببعيد، فهناك مفاوضات شهدها معرض أيديكس عام 2021 حول إمكانية تصدير مدافع هاوتزر الكورية ذاتية الدفع من طراز K-9 إلى مصر، بما يسهم في تعزيز قوة الجيش المصري، وستكون أول دولة أفريقية وشرق أوسطية تحصل عليها من كوريا.

بالنسبة للجانب الثقافي والاجتماعي، في ظل زيادة عدد المصريين الراغبين في دراسة اللغة الكورية، إذ تقدم أكثر من 5000 شخص لتعلمها في المركز الثقافي الكوري، ستنشئ السفارة الكورية معهدًا جديدًا لتعلم اللغة لاستيعاب الزيادة العددية. وهناك مساعٍ لتعاون كوري في التنقيب عن الآثار في مصر لتشجيع توافد السياحة الكورية لمصر.  
في الأخير، فإن الزيارة تسلط الضوء على حاجة كلا الدولتين للأخرى لدعم التوسع في الأسواق القارية ودعم الأهداف التنموية في فترة ما بعد الجائحة لدفع الاقتصادات للتعافي من الآثار السلبية التي تركها الوباء. كما لم تخلُ الزيارة من التأكيد على الحاجة للتحول الأخضر واستخدامات الطاقة النظيفة في إطار مواجهة التغير المناخي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى