السد الإثيوبي

كيف يمكن قراءة البيان الإثيوبي حول سد النهضة؟

نشر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بيانًا عبر حسابه الشخصي على تويتر تحت عنوان “سد النهضة كموقع للتعاون” موجهًا خطابه في الأساس إلى مصر والسودان من أجل العودة للمحادثات؛ بهدف بناء السلام والتعاون والتعايش المتبادل وتحقيق التنمية لشعوب الدول الثلاث.  جاء ذلك البيان بعد أربعة أيام فقط من حديث رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي لبرنامج “بلا قيود” على قناة BBC، حيث صرح بأن مصر لا تقف ضد السد الإثيوبي أو أي مشروعات تنموية في دول حوض النيل، وإنما هدفها الوحيد هو التشاور مع الأطراف المعنية من أجل التوصل إلى اتفاق لا يضر بحقوقها المائية. فهل جاء البيان الإثيوبي للتهدئة والعودة إلى طاولة التفاوض، أم أنها مناورة جديدة يسعى من خلالها آبي أحمد إلى تحقيق أهداف أخرى؟

استعادة التوازن بعد عام من الحرب

ينطوي حديث آبي أحمد عن سد النهضة في هذا التوقيت على رسالة مفادها أن حكومته تمكنت من استعادة التوازن وسيطرت على مجريات الأمور في الداخل الإثيوبي بعد دحر قوات جبهة تحرير شعب تيجراي بعد مرور أكثر من عام على الصراع المسلح الذي هدد بتقسيم إثيوبيا؛ جدير بالذكر أن حكومة آبي أحمد كانت قد دخلت بالتعاون مع قوات إريترية في حرب مع قوات جبهة تحرير شعب تيجراي منذ نوفمبر 2020 أسفرت عن مقتل وتشريد عدد كبير من المدنيين وتدمير مشروعات البنية التحتية، واتخذت الحكومة إجراءات مشددة ضد كل من ينتمي لعرقية تيجراي، ليعلن أحمد انتصاره بعد فترة وجيزة.

 وفي تحول متوقع، تمكنت القوات التيجرانية من العودة للمشهد من جديد وفرضت سيطرتها على مناطق واسعة واستمرت في التقدم بشكل ملفت نحو العاصمة أديس أبابا، الأمر الذي دفع رئيس الوزراء لإعلانه النزول إلى ميدان المعركة وقيادة القوات؛ ومن خلال المساعدات الخارجية المتنوعة، تمكن آبي أحمد من صد هجوم قوات التيجراي وإبعادهم عن العاصمة، وأعلن للمرة الثانية القضاء على القوات المتمردة كما يسميهم، ليخرج بعد ذلك بفترة وجيزة ببيانه حول سد النهضة داعيًا مصر والسودان إلى التعاون في محاولة لمنح حكومته شرعية دولية بعد اتهامه بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان.

إظهار الدعم الإفريقي للحكومة الحالية

يأتي البيان الإثيوبي حول سد النهضة قبل أيام من انعقاد القمة 35 للاتحاد الإفريقي المقرر انعقادها في أديس أبابا حضوريًا يومي 5 و6 فبراير القادم، ويسبقها المجلس التنفيذي يومي 2 و3 فبراير. ويبدو أن آبي أحمد يسعى من خلال بيانه إلى وضع قضية السد في بؤرة الاهتمام من جديد كأحد القضايا التي يمكن مناقشتها ضمن جدول أعمال القمة الإفريقية. وإذا نجحت هذه المحاولة، فسوف تزيد احتمالية المشاركات الرئاسية في القمة القادمة، لما تتمتع به قضية السد الإثيوبي من طبيعة خاصة ترتبط بأمن وسلام مساحة واسعة من القارة.

وتسعى حكومة آبي أحمد إلى تصدير صورة إيجابية حول الوضع في الداخل الإثيوبي من خلال عقد القمة الإفريقية في أديس أبابا حضوريًا وليس افتراضيًا كما حدث في النسخة السابقة، حيث صرح المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية أن موافقة قادة الدول على عقد القمة في العاصمة الإثيوبية يعد نجاحًا للدبلوماسية الإثيوبية في مقابل الدعوات المضادة؛ ولا شك أن حضور عدد من الرؤساء لهذه القمة سوف يمنح آبي أحمد الفرصة لترويج ذلك الحدث على أنه دعم إفريقي لحكومته.

هروب من مساءلات الغرب بشأن حقوق الإنسان

تعرضت الحكومة الإثيوبية لانتقادات عديدة بسبب أوضاع حقوق الإنسان في ظل استمرار الحرب على إقليم تيجراي طيلة العام الماضي، وعقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أكثر من جلسة لمناقشة الأوضاع اللاإنسانية التي يعيشها السكان هناك، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات متنوعة على الحكومة الإثيوبية والأفراد المتحالفين معها. 

لذلك، يمكن اعتبار بيان آبي أحمد حول السد “لفت للانتباه وهروب من المساءلة”؛ إذ جاء هذا البيان بعد أقل من أسبوعين على محادثات رئيس الوزراء الإثيوبي مع الرئيس الأمريكي جو بايدن لوقف إطلاق النار والتفاوض مع قوات جبهة تحرير شعب تيجراي. 

ولا تتوقف أهداف آبي أحمد من وراء البيان عند التهرب من الضغوط الغربية بشأن حقوق الإنسان، وإنما تمتد لاستعادة جزء من علاقات إثيوبيا الخارجية من خلال إقحام الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في المفاوضات حول السد من جديد. ويسعى كذلك إلى دفع الولايات المتحدة إلى رفع العقوبات التي فرضتها خلال العام الماضي، والعودة لاتفاقية التجارة الحرة التي ألغيت بسبب الحرب الداخلية.

تمويل المرحلة التالية لملء سد النهضة

أشار آبي أحمد في بيانه إلى أن تمويل بناء السد وصولًا لما هو عليه الآن جاء من الشعب الإثيوبي، ويبدو أن البيان يهدف من وراء تلك الإشارة إلى حث الإثيوبيين في الداخل والخارج على التبرع أو شراء السندات الحكومية من أجل استكمال المرحلة التالية من ملء السد.

فقد أعلنت الحكومة الإثيوبية عن شروعها في إزالة الغابات بدءًا من فبراير المقبل ولمدة شهرين لتوفير المساحة اللازمة لتخزين مياه المرحلة الثالثة من الملء، ولكن استكمال تلك الأعمال يتطلب تمويلًا يمكن أن يمثل عبئًا على الحكومة في ظل الأوضاع المتردية التي تعيشها البلاد بعد عام من الحرب الداخلية.

هل تعود المفاوضات حول السد؟

لا شك أن إعادة إثارة القضية في هذا التوقيت ما هو إلا تمهيد لفتح باب المفاوضات من جديد، خاصةً مع اقتراب انعقاد القمة الإفريقية، وتولي السنغال رئاسة الاتحاد الإفريقي خلفًا للكونغو. بجانب أن شروع إثيوبيا في اتخاذ إجراءات فعلية لتنفيذ الملء الثالث دون اتفاق سيدفع مصر والسودان إلى تحريك المياه الراكدة والتحرك لمنعها من اتخاذ خطوات أحادية جديدة تضر بمصالحهما المائية. علاوةً على ذلك، فإن رغبة إثيوبيا في تنفيذ التشغيل التجريبي لأول توربينين وتوليد الكهرباء من السد ستلعب دورًا في عودة المفاوضات للانتهاء من تلك المرحلة دون تأجيج لحالة العداء مع مصر والسودان. 

أما فيما يتعلق بما يمكن أن تصل إليه المفاوضات على المدى القريب، فيتضح من البيان الإثيوبي أن هناك إصرارًا إثيوبيًا على أن السد يحقق فوائد كبيرة لدولتي المصب جنبًا إلى جنب مع إثيوبيا، في إشارة إلى ثبات على الموقف السابق على الرغم من تغير لغة الخطاب وتحولها من إعلان العداء إلى مخاطبة العقل والدعوة للتعاون، الأمر الذي يوحي بأن العودة لطاولة التفاوض في الوقت الحالي لن تأتي بجديد، وسوف تسير الأمور إلى ما سارت إليه في الجولات السابقة من المفاوضات.

ترتيبًا على ما سبق، يتضح أن البيان الإثيوبي حول سد النهضة ينطوي على عدد من الرسائل للداخل الإثيوبي، مفادها أن الحكومة الحالية استعادت السيطرة على زمام الأمور، وأن استكمال مشروعهم الكبير يتطلب مزيدًا من التكاتف من أجل إنهائه. ورسائل أخرى للخارج مفادها أن إثيوبيا تسعى إلى التعاون مع دول الجوار حول المشروعات التنموية بدعم كامل من الحكومات الإفريقية المشاركة في القمة المقبلة بهدف بناء السلام، في محاولة للفت الانتباه بعيدًا عن الجرائم الإنسانية التي ارتكبت أثناء الحرب على تيجراي؛ ولكن لا يمكن النظر لهذا البيان إلا أنه مناورة جديدة يقوم بها آبي أحمد من أجل كسب الوقت وإضفاء الشرعية على وجوده في سدة الحكم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى