الأمريكتانعلوم وتكنولوجيا

مشكلة تأثيرات تقنية الجيل الخامس 5G على الملاحة الجوية.. لماذا في الولايات المتحدة فقط؟

في ظل التقدم الذي يشهده قطاع الاتصالات من خلال استخدام تقنية “الجيل الخامس G5” ظهرت تأثيرات تلك التقنية على قطاع الطيران، خاصة في الولايات المتحدة الامريكية، بالرغم من وجود تلك التقنية في 22 دولة أخرى؛ فقد بدأت تحذيرات من جانب شركات الطيران الأمريكية لإدارة الرئيس “جو بايدن” بشأن تقنية الجيل الخامسG 5 وتأثيرها على الملاحة الجوية، حيث كان من المفترض أن تقوم شركتا الاتصالات “Verizon” و” AT&T”بإطلاق تقنية الجيل الخامسG 5، إلا أنها قامت بتأجيلها في بعض الأبراج حول مطارات معينة للمرة الثالثة.

وعلقت شركة “Verizon”، في بيان منفصل: “بصفتنا المزود الرائد للاتصالات اللاسلكية في البلاد، فقد قررنا طوعًا تقييد شبكة 5G الخاصة بنا حول المطارات، لم تتمكن إدارة الطيران الفيدرالية وشركات الطيران في بلادنا من حل مشكلة التنقل عبر شبكات الجيل الخامس حول المطارات، على الرغم من كونها آمنة وتعمل بكامل طاقتها في أكثر من 40 دولة أخرى”. وكان من المفترض أن يبدأ إطلاق خاصية الجيل الخامس للمرة الأولى في 5 ديسمبر 2021، والمرة الثانية في 5 يناير الجاري.

5G وتأثيرها على الملاحة الجوية

إن استخدام إشارات G5 يتم في موجات هوائية بالقرب من تلك المستخدمة بواسطة أجهزة قياس الارتفاع بالرادار، والتي تحدد الارتفاع عن طريق ارتداد موجات الراديو عن الأرض. وقد أشارت معظم التقارير الخاصة بصناعة الطيران إلى أنه من ضمن أحد معدات الطائرات ما يسمى “بمقياس الارتفاع الراديوي”، ويستخدم في قياس الارتفاع والمسافة بين الطائرة والأرض، ويعمل عن طريق إرسال إشارة نحو الأرض، ثم تحديد الارتفاع بناء على الوقت الذي تستغرقه الإشارة للانعكاس عن الأرض والعودة إلى الطائرة.

لذلك فإن إشارات 5G تهدد بالتداخل مع المعدات الموجودة على الطائرات ومقاييس الارتفاع، وبالتالي يشكل ذلك مخاطر، خاصة أثناء الهبوط في الأحوال الجوية السيئة. وقد حذرت مجموعات صناعة الطيران بلجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) خلال الشهر الماضي، من أنه “إذا تداخلت خدمات النطاق C مع مقاييس الارتفاع بالرادار، فيمكننا أن نتوقع اضطرابات كبيرة في السفر الجوي للركاب، والنقل التجاري، وخدمات طائرات الهليكوبتر” إلا أن شركات الاتصالات صرحت بأن إشارات G5 منفصلة تمامًا عن الترددات التي تستخدمها أجهزة قياس الارتفاع، ومن المقرر أن تعمل عند مستويات آمنة.

أزمة بين شركات الطيران الأمريكية وشركات الاتصالات FCC وVerizon وAT&T

نتيجة أن الملايين من الأشخاص الذين يعيشون في الولايات المتحدة يواجهون مشاكل في الوصول إلى الإنترنت المنزلي، فقد حاولت لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) سدها، من خلال أنها باعت حقوق الناقلتين لاستخدام ما يسمى بترددات “النطاق C” بسعر يقارب 70 مليار دولار؛ إذ إن النطاق C يمكّن شركات الاتصالات من تقديم خدمة “الجيل الخامس G5″، والذي من شأنه أن يوفر شبكة الإنترنت إلى المناطق الريفية، لذا باعت إحدى مزادات لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) ما يسمى بترددات “النطاق C”وقد أنفقت شركات Verizon وAT&T وT-Mobile ما يقرب من 70 مليار دولار. 

وبدأت شركتا Verizon وAT&T طرحها بتفعيل G5 في مناطق محددة باستخدام تقنية الموجات المليمترية عالية النطاق، بجانب تفعيل التقنية G5 نفسها بشكل أبطأ بكثير على الترددات منخفضة النطاق، بينما شركة T-Mobile تستخدم حاليًا طيفًا متوسط ​​النطاق ليس في النطاق C.

هنا بدأ الخلاف بين إدارة الطيران الفيدرالية وشركات الطيران في الولايات المتحدة الأمريكية، ضد FCC وVerizon وAT&T بشأن الإطلاق المخطط له لخدمة 5G، حيث رفضت شركات الاتصالات وطالبت في بداية الأمر بالتأجيل لمدة 30 يومًا، وحينها نشرت “بلومبرج” خطاب رد من الرئيسين التنفيذيين. تناول الرد أن الشركات قد تنازلت سابقًا عن طلب التأخير لمدة 30 يومًا ووافقت على تقليل قوة إشاراتها، ولا يقترحون البدء في استخدام “النطاق C” لتوسيع خدمات G5، ولكن مع التزامهم بتجنب الانتشار حول مطارات معينة لمدة ستة أشهر، بما أن هناك نظامًا مشابهًا في فرنسا، ومع ذلك يعتمد هذا الالتزام على شرط أن تلتزم إدارة الطيران الفيدرالية وصناعة الطيران بفعل الشيء نفسه دون تصعيد مظالمهم، التي لا أساس لها من الصحة.

واستكمالًا لما ورد في الرد، فقد أشار إلى أن شركات الاتصالات ستغير استخدامها لطيف النطاق C خلال نفس فترة الستة أشهر حتى 5 يوليو 2022، “سنعتمد نفس مناطق حظر الراديو C-Band المستخدمة بالفعل في فرنسا، فهذا النهج هو أحد أكثر الأساليب تحفظًا في العالم وسيشمل مناطق حظر واسعة النطاق حول مدارج الطائرات في بعض المطارات. سيكون التأثير هو تقليل مستويات إشارة النطاق C بمقدار 10 مرات على الأقل على المدرج أو خلال الميل الأخير من الاقتراب النهائي والميل الأول بعد الإقلاع”.

ويرجع التخوف من تعطيل الرحلات الجوية في الوقت الذي تكافح فيه شركات الطيران للتعافي من جائحة فيروس كورونا الذي أدى إلى خسائر بمليارات الدولارات العام الماضي. فبدأ القلق يتجه خاصة بعد الصراع بين شركات الطيران والاتصالات والذي سيكلف ما يقرب من 2.1 مليار دولار في اضطرابات الرحلات.

لماذا تواجه الولايات المتحدة المشكلة دون غيرها؟

وافقت شركتا Verizon وAT&T للاتصالات على إقامة مناطق عازلة حول 50 مطار بهدف تقليل الأخطار الناتجة عن تداخل الإشارات المحتمل مع أجهزة قياس الارتفاع بالطائرات، وتشمل القائمة مطارات مدينة نيويورك ولوس انجلوس وشيكاغو ولاس فيجاس ومينابولس وديترويت ودالاس وفيلادلفيا وسياتل وميامي.

وبالرغم من أن هناك 22 دولة تطبق خاصية الجيل الخامس ومنها دول عربية، إلا أن تعارض تطبيقها مع الملاحة الجوية يظهر في الولايات المتحدة فقط؛ وذلك يرجع إلى مشكلة تقنية وهي أن نطاق التردد لشبكات الجيل الخامس في أمريكا هو بين 3.7 الى 3.98جيجا هرتز، بينما نطاق التردد لأجهزة قياس ارتفاع الطائرات يتراوح بين 4.2 الى 4.4 جيجا هرتز، بمعنى أن النطاق قريب جدًا. أما في أوروبا فإن النطاق يتراوح بين 3.4 إلى 3.8 جيجا هرتز، أي بعيد نسبيًا ولا يشكل خطرًا على رادار الطائرات عند الإقلاع والهبوط، وقد ألغى العديد من شركات الطيران الدولية رحلات إلى الولايات المتحدة مثل الإمارات والصين والهند واليابان، حيث تم إلغاء قرابة 215 رحلة كانت تعتزم الإقلاع أو الهبوط في مطارات أمريكية.

إلا أن الشركات الكبرى في مجال صناعة الطيران ناشدت الرئيس “جو بايدن” بالتدخل العاجل لوقف وتأجيل تشغيل تكنولوجيا الجيل الخامس قرب المطارات الكبرى، وأبدت تخوفها من تداعيات خطيرة على الاقتصاد والنقل، وتم توجيه الخطاب إلى البيت الأبيض ووزارة النقل ولجنة الاتصالات الفيدرالية وهيئة الطيران الفيدرالية. وكان من بين الموقعين على الخطاب أعضاء الخطوط الجوية لأمريكا، ومسؤولون من شركات “أمريكان إيرلاينز – ألاسكا إيرلاينز – دلتا وجيت بلو – يونايتد إيرلاينز وآخرين) محذرين من أن خاصية الجيل الخامس ستحقق مصيبة اقتصادية في حالة تدشينها قرب المطارات لأنها سوف تتداخل مع أجهزة السلامة الرئيسية التي يعتمد عليها الطيارون للإقلاع والهبوط في الأجواء الصعبة. وحذرت الشركة من أن المخاوف المتعلقة بالسلامة يمكن أن تؤدى إلى قيود كبيرة على قدرة الطائرة على العمل في المطارات.

ويمكن القول إن ما يحدث الآن بين شركات الاتصالات الأمريكية وكبرى شركات الطيران العالمية والأمريكية حول انتشار شبكات الجيل الخامس حول المطارات الرئيسية في الولايات المتحدة معركة حقيقية، خاصة بعد تضارب موقف أن سلطات الطيران الفيدرالية الأمريكية وافقت على موقف شركات الاتصالات في البداية، ثم تراجعت عنه وأخذت موقفًا محايدًا، بجانب أن هناك شركات طيران كبرى تبدي مخاوفها من تداخل شبكات الجيل الخامس مع أنظمة الملاحة الجوية الخاصة بالطائرات، في الوقت الذي كانت تحاول فيه شركات الاتصالات التملص من هذه الادعاءات.

منى لطفي

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى