آسيا

كوريا الجنوبية.. معجزة على نهر هان

يعد اقتصاد جمهورية كوريا الديمقراطية أو ما يعرف إعلاميًا بــ “كوريا الجنوبية” هو الاقتصاد رقم 13 على مستوى العالم؛ إذ تعد كوريا الجنوبية عضوًا فعالًا في مجموعة العشرين التي تضم أكبر 20 اقتصادًا دوليًا. هذه المكانة المرموقة في عالم التجارة الدولية لم تكن سهلة، خصوصًا مع انتهاء الحرب الكورية وتقسيم شبه الجزيرة الكورية، والتي كانت في واقع الأمر حربًا بالوكالة في سنوات الحرب الباردة بين الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي التي انحازت إلى كوريا الشمالية، والكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي انحازت إلى كوريا الجنوبية.

وقد تدهورت العملة الكورية الجنوبية، وتفاقمت الأزمة الاقتصادية، وانتشرت الأمية الجماعية والبطالة وضيق الحال واليأس الاقتصادي والاحتقان السياسي؛ حتى أصبحت الدولة الجنوبية على وشك الانهيار، بينما الاتحاد السوفيتي والصين يدعمان كوريا الشمالية بشكل غير محدود، في حين اكتفى الغرب بنصب قواعده العسكرية في أراضي كوريا الجنوبية حتى اليوم.

وعلى وقع هذا المشهد السياسي، قام قائد الجيش الفريق أول “بارك تشونج هي” (30 سبتمبر 1917 – 26 أكتوبر 1979) بحركة سلمية في 16 مايو 1961، وأعلن انتهاء الجمهورية الثانية وقيام الجمهورية الثالثة، انتُخب رئيسًا عام 1963 إلى حين وفاته عام 1979، وكانت فترة حكمه التي استمرت 18 عامًا هي حقبة تأسيس كوريا الجنوبية الحقيقية وإطلاق النمر الاقتصادي الآسيوي الكوري، التجربة الآسيوية التي يطلق عليها في عالم الاقتصاد “معجزة على نهر هان”.

كان أحد الأهداف الرئيسية لبارك هو القضاء على الفقر في كوريا الجنوبية عبر إطلاق استراتيجية التصنيع الوجه للتصدير من أجل جذب العملة الصعبة والاستثمار الأجنبي ما يوفر –بدوره– فرص عمل ضخمة. أطلق بارك خطته الخمسية الأولى في عام 1962 بإعلان مدينة أولسان “منطقة تنمية صناعية خاصة”. مع الخطة الخمسية الثانية في عام 1967، أسس بارك حديقة كورو الصناعية في جنوب غرب سيول.

خلال سنوات بارك، أصبحت الشركات الكورية الجنوبية هي الأبرز حول العالم في مجال التكنولوجيا، Lucky Goldstar (LG) وSamsung، وHyundai، وأصبحت تلك العلامات التجارية تجتاح العالم اليوم. وإحدى علامات نمو الاقتصاد الكوري الجنوبي أنه في عام 1969 كان هناك 200 ألف جهاز تلفزيون قيد التشغيل في كوريا الجنوبية، وبحلول عام 1979 كان هناك ستة ملايين جهاز تلفزيون عاملة في كوريا الجنوبية.

عام 1969 كان 6٪ فقط من العائلات الكورية الجنوبية تمتلك جهاز تلفزيون؛ بحلول عام 1979، امتلكت 80% من الأسر الكورية الجنوبية جهاز تلفزيون. وتم تقليل الفقر المدقع من 66.9٪ في عام 1961 إلى 11.2٪ في عام 1979، مما يجعل هذا أحد أسرع وأكبر خفض للفقر في تاريخ البشرية.

مع التخلص من الأمية الجماعية والبطالة وارتفاع قيمة العملة المحلية، تمتلك كوريا الجنوبية اليوم احتياطيًا نقديًا يبلغ 463 مليار دولار، ما يجعلها في المرتبة التاسعة عالميًا، متفوقة على اقتصاديات عظمى بثقل ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية أو دولة نفطية بثقل الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت.

أدرك بارك أن تعلم العامل الكوري لأهم تقنيات العمل في أوروبا وأمريكا هو مفتاح التفوق الكوري، وبناء على اتفاقية في عام 1961، أرسلت كوريا الجنوبية أكثر من 8000 عامل مناجم و10000 ممرض إلى ألمانيا الغربية. 

وكان بارك صديقًا مقربًا لآخر شاه إيراني محمد رضا بهلوي، الذي أقام علاقات دبلوماسية في عام 1962 وبعد زيارة لإيران في عام 1969، طور علاقة وثيقة مع البلدين. وأدرك بارك أهمية إيران في تأمين النفط للتنمية الصناعية لكوريا الجنوبية وبحلول عام 1973 كانت إيران هي المصدر الرئيسي والوحيد للنفط خلال أزمة النفط. وتم بناء معظم المصافي في كوريا الجنوبية فقط من أجل معالجة النفط الخام الإيراني، وتم إرسال آلاف المهندسين والعمال إلى إيران للمساعدة في تطوير قدرتها على التكرير. وأول مشروع للشركات الكورية في الشرق الأوسط هو سلسلة من أحواض بناء السفن في بندر عباس وشهبهار بإيران للمساعدة في تطوير الصناعة البحرية الإيرانية.

وكان للولايات المتحدة الأمريكية شكوك في ميول بارك الشيوعية، على ضوء انتسابه لحزب العمال الكوري الجنوبي ما بين عامي 1946 و1948، ولكن بارك الذي أسس وتراس الحزب الديموقراطي الجمهوري طيلة فترة رئاسته كان يدرك مطامع الاتحاد السوفيتي والصين وكوريا الشمالية في بلاده، لذا أبدى سياسة تنتمي إلى اليمين القومي رافضًا التعاون مع موسكو وبكين خلال حرب فيتنام.

وبناءً على طلب الولايات المتحدة، أرسل بارك ما يقرب من 320.000 جندي كوري جنوبي للقتال إلى جانب الولايات المتحدة وفيتنام الجنوبية خلال حرب فيتنام. وهو التزام يأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، ومنع المزيد من تقدم الشيوعية في شرق آسيا.

كان بارك بارعًا في التفاوض مع الأمريكيين حول التدخل الكوري في الحرب؛ إذ إن الرجل كان يدافع في واقع الأمر عن بلاده، ومنع انتصار الشيوعية في شرق آسيا والتهام كوريا الجنوبية. ولكن أقنع واشنطن بأن ما يقوم به بحاجة إلى مقابل فريد في عالم المنح والقروض والإعانات ونقل التكنولوجيا والأسواق التفضيلية، وهو ما وافقت عليه إدارة ليندون جونسون ثم ريتشارد نيكسون في البيت الأبيض بتوصية وترتيبات من مستشار الأمن القومي هنري كسينجر. دفعت الحكومة الفيدرالية للولايات المتحدة رواتب الجنوب الكوريين أثناء الحرب، وتم تحويل رواتبهم مباشرة إلى حكومة كوريا الجنوبية بالعملة الأمريكية.

وما بين عامي 1966 و1969 تصاعدت الاشتباكات مع الجار الشمالي فيما يشار إليه بالحرب الكورية الثانية، ولكن كوريا الجنوبية صمدت، ولكن الجار الشمالي رتب محاولة لاغتيال بارك، ففي 15 أغسطس 1974 كان بارك يلقي خطابًا في المسرح الوطني في سيول في حفل للاحتفال بالذكرى التاسعة والعشرين لإنهاء الحكم الاستعماري عندما أطلق رجل يدعى “مون سي جوانج” مسدسًا على بارك من الصف الأمامي.

القاتل الذي كان ياباني المولد متعاطفًا مع كوريا الشمالية، أخفق في إصابة بارك ولكنه أصاب السيدة الأولى “يوك يونغ سو” التي رحلت عن عالمنا يومذاك، وفي الذكرى السنوية الأولى لوفاة زوجته، كتب مؤسس كوريا الجنوبية في مذكراته “شعرت وكأنني فقدت كل شيء في العالم. أصبحت كل الأشياء عبئًا وفقدت شجاعتي وإرادتي. مر عام منذ ذلك الحين. وخلال ذلك هذا العام، لقد بكيت وحدي في السر مرات عديدة لا يمكن حصرها”.

ربما اختلف الوضع السياسي بعد رحيل الفريق بارك عن عالمنا؛ إذ رفض بارك تشونج هي التعددية السياسية والحزبية وتداول السلطة، وعطل الديمقراطية، ورأى أن بناء الدولة والإنسان يجب أن يسبق تلك الأيديولوجيات السياسية، ولكن النهج الصناعي والاقتصادي والتجاري وإدارة الدولة لهذه الملفات في كوريا الجنوبية اليوم هي ذاته المنهج الذي صنعه وصممه بارك تشونج هي، وقد حصد الشعب الكوري نتاج هذه الحقبة بامتلاك تجربة ديمقراطية وسياسية واقتصادية قوية، يطلق عليها الجمهورية الرابعة.

ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك حضورًا عسكريًا ودبلوماسيًا قويًا في سيول، وتدعم كوريا الجنوبية بوجه كوريا الشمالية، إلا أن الغرب عادة لا يحبذ أن يتحول الحليف السياسي إلى منافس اقتصادي، لذا يحاول الغرب من حين لآخر كبح جماح نمور نهر الهان، مما يجعل مصطلح “أمريكا الصينية” أو “الصين الأمريكية” الذي يستخدمه المفكر التقدمي حول العالم بإيجاز مسبق من الاتحاد السوفيتي هو مصطلح ينقصه فهم أبعاد العلاقة بين سيول وواشنطن.

وهي علاقة توترت إلى حد كبير في سنوات إدارة دونالد ترامب حينما طالب الأخير الإدارة الكورية الجنوبية بدفع تكاليف الوجود العسكري الأمريكي في كوريا الجنوبية وأبدى رغبة في الصلح المنفرد مع كوريا الشمالية دون الاهتمام بمصير كوريا الجنوبية عقب هذا الصلح، حتى لو وصل الأمر إلى انسحاب القوات الأمريكية من كوريا الجنوبية واليابان وترك طوكيو وسيول دون مساعدة بوجه الجار النووي الكوري المزعج.

وهي مخاوف انتهت برحيل ترامب ومجيء إدارة جو بايدن التي طمأنت كوريا الجنوبية واليابان، وتقوم واشنطن اليوم بترتيب الصفوف في شرق آسيا مع اليابان والهند وكوريا الجنوبية وصولًا إلى أستراليا، وذلك من أجل حرب باردة طويلة الأمد مع الصين.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى