السودان

السودان.. مبادرة أممية وتحديات كبرى ومستقبل محفوف بالمخاطر

تتسارع وتيرة الأحداث في السودان بشكل مقلق، وسط مخاوف من حالة الانسداد السياسي رغم ظهور مبادرات عديدة داخلية وخارجية لحل الأزمة، فيما تتواصل الاحتجاجات في الشارع السوداني بلا انقطاع، والتي كان آخرها “مليونية 17 يناير”، وصولًا إلى دعاوى العصيان المدني يومي الثلاثاء والأربعاء 18 و19 يناير، على خلفية أعمال العنف التي شهدتها الاحتجاجات. 

ويعيش السودان أزمة سياسية كبيرة عمقتها قرارات قائد الجيش السوداني الفريق أول ركن “عبد الفتاح البرهان” في 25 أكتوبر 2021، والتي قال إنها “لتصحيح مسار الثورة”، وقضت بحل مجلسي السيادة والوزراء وإعلان حالة الطوارئ في البلاد؛ فمنذ ذلك الحين اندلعت احتجاجات في الشارع السوداني تطالب بحكومة مدنية خالية من المكون العسكري حتى خلال الفترة الانتقالية، على الرغم من تأكيد البرهان مرارًا أن القوات المسلحة لن يكون لها أي دور سياسي بعد إجراء الانتخابات في البلاد 2023، كما كان متفقا عليه في الوثيقة الدستورية التي وقعت عام 2019، بين المكونين المدني والعسكري في حينه. 

باءت كل محاولات تهدئة الشارع السوداني بالفشل، فبينما وقّع “البرهان” ورئيس الحكومة “عبد الله حمدوك” اتفاقًا سياسيًا في 21 نوفمبر الماضي، قوبل بالرفض من العديد القوى السياسية التي تطالب بنقل السلطة بالكامل إلى المدنيين، ولم تهدأ الاحتجاجات في البلاد، ما أدى إلى تقديم “عبد الله حمدوك” استقالته في 3 يناير، والتي كانت بمثابة زلزال كبير ضرب البلاد في توقيت حرج.

مليونية 17 يناير ودعوات العصيان المدني

شهدت الخرطوم يوم الاثنين 17 يناير احتجاجات شارك فيها عشرات الآلاف وشملت أكثر من 15 مدينة في مختلف أنحاء البلاد، للمطالبة بالحكم المدني ومحاسبة من تسببوا في قتل عشرات المتظاهرين منذ اندلاع الاحتجاجات في أعقاب إجراءات 25 أكتوبر، وذلك وسط انتشار أمني كثيف. وأدت احتجاجات الاثنين إلى مقتل 7 متظاهرين وإصابة عشرات آخرين، ما دفع قوى “الحرية والتغيير” إلى الدعوة إلى تنظيم عصيان مدني شامل يومي الثلاثاء والأربعاء 18و19 يناير، ردًا على ما وصفته بانتهاكات القوى الأمنية بحق المتظاهرين. تضامن مع هذه الدعوة أكثر من 20 تنظيمًا مهنيًا في المجالات الصحية والتعليمية والمالية والهندسية والخدمية والتجارية والصناعية، بالإضافة إلى لجان المقاومة وتجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير.

ومن المثير للاهتمام أن دعوات الإضراب والعصيان المدني المتكررة في السودان منذ الإطاحة بالرئيس السابق “عمر البشير” لم تكن تلقى قبولًا واسعًا في الشارع السوداني، على العكس من دعوة العصيان هذه المرة؛ فقد بدت الحركة في شوارع الخرطوم يومي الثلاثاء والأربعاء أقل من المعتاد، بينما توقفت الدراسة بشكل كامل في عدد من الجامعات السودانية، وأغلق العديد من التجار محالهم التجارية، وأقامت لجان المقاومة المتاريس بالحجارة في العديد من الأحياء بالعاصمة الخرطوم، فضلًا عن إضراب المئات من الأطباء عن العمل في المستشفيات العامة، مع الالتزام بعلاج الحالات الطارئة.

في غضون ذلك –حول الاستجابات الدولية– عبّرت عدة دول عن قلقها إزاء مقتل المتظاهرين، وقال الاتحاد الأوروبي في بيان: “من خلال الاستخدام غير المتناسب للقوة، واستمرار اعتقال الناشطين والصحفيين، تظهر السلطات العسكرية أنها غير مستعدة لإيجاد حل سلمي للأزمة من خلال المفاوضات”، ودعا السلطات إلى تهدئة التوترات وتجنب المزيد من الخسائر في الأرواح.

وفي سياق متصل، دعا 9 أعضاء في مجلس الأمن الدولي جميع الأطراف في السودان إلى التحلي بأقصى درجات ضبط النفس، والامتناع عن اللجوء إلى العنف في السودان، جاء ذلك في البيان المشترك الذي تلاه سفير المكسيك لدى الأمم المتحدة “خوان رامون” باسم بلاده وكل من فرنسا وإيرلندا والنرويج وبريطانيا وألبانيا والبرازيل وغانا والجابون. 

إجراءات إسعافية

في محاولة لتهدئة الأوضاع، سارع مجلس السيادة السوداني إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات الإسعافية، أبرزها:

  • تأسيس قوة خاصة لمكافحة الإرهاب

من جهة أخرى، أعرب مجلس الأمن والدفاع السوداني عن أسفه للفوضى التي نتجت جراء الخروج عن شرعية التظاهر السلمي، واتباع منهج العنف، وبروز تيارات مقيدة لحرية ممارسة الحياة، وتتعدى على الممتلكات العامة، كظاهرة خطيرة تهدد الأمن والسلم الوطني والمجتمعي، وتتجاوز الخطوط الحمراء لسيادة الدولة. معلنًا اتخاذ عدة قرارات، أبرزها: تأسيس “قوة خاصة لمكافحة الإرهاب لمجابهة التهديدات المحتملة”، إلى جانب استكمال إجراءات التحري والتحقيق ومحاسبة المتورطين في الأحداث، والالتزام بوقف إطلاق النار، وتجديد الدعوة للممانعين بالإنضمام إلى السلام، والإفراج عن المشتبه فيهم الذين لم تثبت إدانتهم بالتورط في أعمال إرهابية. 

  • تشكيل لجنة تقصي حقائق

استجابة لتطورات الأحداث، وسعيًا لتخفيف حالة الغضب والاحتقان في الشارع؛ شكل رئيس مجلس السيادة السوداني لجنة مؤلفة من الأجهزة النظامية والنيابة العامة، للتحقيق في أحداث العنف التي جرت يوم 17 يناير، وراح ضحيتها 7 قتلى وعشرات من المصابين، على أن ترفع اللجنة تقريرها حول ما اتخذته من إجراءات خلال 72 ساعة من تشكيلها 

جهود دولية متواصلة لحل الأزمة

تستمر المساعي الدولية وتتوالى الجهود الدبلوماسية الحثيثة لحل الأزمة السياسية في السودان، أبرزها؛

  • مؤتمر أصدقاء السودان

استجابة لتطورات الأحداث في السودان، عقد ممثلو دول “أصدقاء السودان” يوم الثلاثاء 18 يناير، اجتماعًا لمناقشة الجهود المشتركة لدعم استقرار وازدهار السودان، في مقر وزارة الخارجية بالرياض، بحضور ممثلين من كل من الإمارات وأمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا والسويد والنرويج، بالإضافة إلى المسؤولين المعنيين من منظمة الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية، ومجموعة البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي.

ناقش الاجتماع سبل تعزيز التنسيق المشترك لدعم كل الجهود التي تضمن الانتقال السلمي السياسي في السودان، بالإضافة إلى دعم جهود بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في جمهورية السودان (UNITAMS). وشدد الاجتماع على أهمية وقف العنف، وإنهاء حالة الاحتقان السياسي ودعم العملية الديمقراطية، وإيجاد أرضية للحوار بين المكونات السياسية.

ويأتي اجتماع أصدقاء السودان متزامنًا مع اجتماع لممثلي الرباعية الدولية (السعودية والإمارات وبريطانيا وأمريكا)، الاثنين 17 يناير، بشأن السودان في الرياض، إذ أكد ممثلو الرباعية الالتزام بمواصلة الجهود المشتركة لتحقيق الاستقرار الدائم في البلاد، وشددوا على الاستمرار في تنفيذ أجندة الإصلاحات وتقديم الدعم للسودان ودعم بعثة الأمم المتحدة المتكاملة للمساعدة الانتقالية في السودان “يونيتامس”.

  • زيارة المبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي
ديفيد ساترفيلد المبعوث الأمريكي الجديد للقرن الأفريقي

استمرارًا للمساعي الدولية، أرسلت الولايات المتحدة وفدًا أمريكيًا رفيعًا يتضمن المبعوث الأميركي للقرن الإفريقي “ديفيد ساترفيلد”، إلى جانب مساعدة وزير الخارجية للشؤون الإفريقية “مولي فيي”؛ بهدف حشد الدعم الدولي لبعثة الأمم المتحدة المتكاملة للمساعدة الانتقالية في السودان المعروفة اختصارًا بـ “يونيتامس”، في وساطتها لحل الأزمة بين المكونين العسكري والمدني في السودان.

وأوضحت الخارجية الأمريكية أن الوفد الأمريكي سيستهل زيارته في 17 يناير الحالي، وتنتهي في 20 منه، حيث سيلتقي ناشطي المجتمع المدني والقادة العسكريين وشخصيات سياسية، للتأكيد على التزام واشنطن بتحقيق الحرية والسلام والعدالة للشعب السوداني. 

وتأتي هذه الزيارة للخرطوم، بعد زيارة للسعودية لحضور مؤتمر أصدقاء السودان يوم 18 يناير، فيما تليها زيارة أخرى إلى إثيوبيا لمتابعة ما تم الاتفاق عليه في الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس “جو بايدن” ورئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” يوم 10 يناير، والدعوة إلى إنهاء الضربات الجوية والأعمال العدائية الأخرى، والتفاوض على وقف إطلاق نار، واستعادة الوصول الإنساني. ومن المقرر أن تستغرق الجولة بين الدول الثلاث 4 أيام، يبحث خلالها مع المسؤولين تطور الأوضاع في السودان وإثيوبيا.

  • وساطة إفريقية

استجابة لدعوة “البرهان” بإشراك الاتحاد الإفريقي لمساندة المبادرة الأممية التي أطلقتها “يونيتامس”، والمساهمة في إنجاح جهود الحوار السوداني؛ وصل يوم السبت 15 يناير مبعوث الاتحاد الإفريقي إلى السودان “أديوي بانكولي” للالتقاء برئيس مجلس السيادة “عبد الفتاح البرهان” والقوى السياسية ولجان المقاومة.

وتسلم “البرهان” رسالة خطية مبعوثه من رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي “موسي فكي” تتعلق برؤية الاتحاد حول التطورات السياسية بالسودان، وسبل الخروج من الأزمة التي تشهدها البلاد. وأكد المبعوث استعداد الاتحاد الإفريقي لدعم التوافق السياسي بين كافة الأطراف السياسية من أجل تحقيق الانتقال السياسي بالسودان. وفي هذا السياق، عقد مبعوث الاتحاد الإفريقي أديوي بانكولي سلسلة لقاءات، شملت عضوي مجلس السيادة الانتقالي مالك عقار والطاهر حجر.

ودعا مبعوث الاتحاد الإفريقي أيضًا جميع الفرقاء في السودان إلى وضع رؤية وخطة موحدة تشكل خريطة طريق للفترة المقبلة، مشددًا على أن المصالحة الوطنية هي الجسر الذي يؤدي إلى واحة الاستقرار. إلى جانب ذلك، عبّر عن قلق الاتحاد الإفريقي تجاه الأوضاع التي يمر بها السودان بوصفه أحد الدول المؤسسة للاتحاد الإفريقي، مشيرًا إلى التزام الاتحاد باحترام سيادة السودان.

وعلى الرغم من المساعي الطيبة من الاتحاد الافريقي لحل الأزمة، إلا أن موقفه يظل محل شك لدى عدد من القوى السياسية، فبعد المساعدة في التوسط في ترتيبات تقاسم السلطة في السودان في عام 2019، ينظر البعض إلى الاتحاد الإفريقي على أنه جزء من المشكلة؛ إذ تضمنت الاتفاقية بندًا يسمح للجيش بتولي السلطة إذا لزم الأمر، وهو ما تم الاحتجاج به في الأزمة الحالية.

مبادرات للحل وتحديات كبرى

حاول العديد من القوى الداخلية والخارجية طرح العديد من المبادرات للخروج من الأزمة السياسية الحالية في السودان، كان آخرها مبادرة الأمم المتحدة والتي حظيت بدعم دولي واسع، وتسعى بعثة “يونيتامس” إلى إنجاحها وسط تفاؤل حذر.

  • مبادرات داخلية باءت بالفشل

ظهرت مبادرات سياسية سودانية عدة خلال الشهور الثلاثة الماضية، وقدمت حلولًا للخروج من الأزمة، كان أبرزها: مبادرة جامعة الخرطوم التي ضمّت أكاديميين ومفكرين، بالإضافة إلى مقترح طرحه تجمع المهنيين السودانيين تحت مسمى “ميثاق استكمال ثورة ديسمبر المجيدة”، طالب فيه بإسقاط المكون العسكري وسلطته بشكلٍ تام، وأن يحصل رئيس مجلس الوزراء المدني على منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وتفكيك قوات الدعم السريع، وقوات الحركات المسلحة، ودمج أفرادها وفق معايير بالقوات المسلحة.

فضلًا عن مبادرة حزب الأمة السوداني، والتي تضمنت تشكيل حكومة انتقالية وفق برنامج محدد وواقعي من كفاءات خدمت في الخدمة المدنية، وتعيين الأجهزة العدلية خاصة المحكمة الدستورية والمفوضيات، وتشكيل مفوضية الانتخابات وتكليفها بإعداد السجل الانتخابي وإصدار البطاقات الانتخابية، وإبعاد الأحزاب والقوى السياسية عن السلطة الانتقالية حتى يتفرغوا لإعادة بناء تنظيماتهم استعدادًا للانتخابات، بالإضافة إلى الإعلان عن انتخابات رئاسية وبرلمانية قومية في البلاد مطلع العام المقبل 2023، على أن تقوم بعثة الأمم المتحدة بالمهام التي أتت من أجلها وفي مقدمتها تقديم الدعم الفني واللوجيستي المساعد في التحول الديمقراطي بالبلاد خلال الفترة الانتقالية. 

لم تلقَ هذه المبادرات وغيرها قبولًا عامًا، سواء على مستوى القوى والحركات السياسية، أو من المكون العسكري، وتفاقمت الأزمة السياسية بمرور الوقت؛ الأمر الذي دفع بعثة الأمم المتحدة “يونيتامس” إلى الاعلان عن مبادرة أممية للمساعدة في حل الأزمة في السودان. 

  • المبادرة الأممية لبعثة الأمم المتحدة “يونيتامس”

بعد فشل الجهود السودانية الداخلية في مواجهة الأزمة، وتفاقم فقدان الثقة بين المكونات السياسية بعضها البعض وبينها وبين المكون العسكري يومًا بعد يوم، وفي ظل الاتجاه نحو الانسداد السياسي، أعلنت بعثة الأمم المتحدة “يونيتامس” يوم السبت 8 يناير عن مبادرة أممية لحل الأزمة، تشتمل في مرحلتها الأولى على عقد مجموعة من اللقاءات بشكل منفرد مع جميع القوى السياسية والأحزاب السودانية والفاعلين من المدنيين والعسكريين لمعرفة آرائهم حول القضايا ذات الأولوية ورؤيتهم بشأن كيفيّة المضيّ قدمًا.

بالإضافة إلى ذلك، أكد ممثل الأمم المتحدة “فولكر بيرتس” أن دور الأمم المتحدة في هذا السياق هو تسهيل المحادثات المباشرة بين الأطراف السودانية بناءً على طلبها، وأن الأمم المتحدة لم تأتِ بأي مشروع أو مسودة أو رؤية للحل، ولن تتبنى مشروعًا لأي جانب، وانما مهمتها هي تقديم المشورة لا الحلول، وليس لها أي موقف حيال نتيجة المحادثات. وتهدف هذه المشاورات إلى فهم وجهات النظر والمواقف المختلفة بشأن الطريق إلى الأمام، ودعم أصحاب المصلحة السودانيين للوصول إلى توافق لإنهاء المأزق السياسي الحالي وتطوير طريق نحو الديمقراطية والسلام والعبور بالفترة الانتقالية. 

وتعد هذه المبادرة جزءًا من دور بعثة “يونيتامس” التي تحددت مهامها، من بين مهام أخرى، في دعم الانتقال السياسي، ودعم اتفاقية السلام، وحماية المدنيين، وهو صلب المستهدف من المبادرة الأممية. وأكدت البعثة كذلك أن تلك المبادرة تستند إلى دور المساعي الحميدة الذي تضطلع به “يونيتامس” على النحو المنصوص عليه في قرار مجلس الأمن 2579.

منذ إطلاقها، استمرت المشاورات التي تيسرها الأمم المتحدة بشأن العملية السياسية في السودان في إشراك مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة السودانيين، بما في ذلك المجتمع المدني والجماعات النسائية، وممثلين من الأكاديميين والمحامين، وكذلك ممثلين عن قوى الحرية والتغيير المركزية والحزب الشيوعي السوداني وحزب المؤتمر السوداني وتجمع المهنيين السودانيين وبعض الموقعين على اتفاق جوبا للسلام؛ على أمل الخروج بتصور مبدئي لاتفاق يتم التفاوض عليه فيما بعد.

وشملت مبادرة الأمم المتحدة عددًا من النقاط كمسار للعملية التشاورية، من بين هذه النقاط: “تعويل المنظمة الدولية على التعاون الكامل من قبل جميع الأطراف، ولا سيما السلطات، لتهيئة مناخ ملائم لهذه المشاورات، ويشمل ذلك الإنهاء الفوري لاستخدام العنف ضدّ المتظاهرين السلميين، ومحاسبة مرتكبي هذا العنف، والحفاظ على حقوق الإنسان السوداني وحمايتها”.

وعلى الرغم من تأكيد “فولكر” أن المبادرة الأممية لا تنطوي على أي حلول جاهزة مقدمة من الأمم المتحدة وإنما ستعمل على بلورة الحلول المطروحة من أصحاب المصلحة السودانيين أنفسهم، إلا أن تقارير إعلامية تناولت 4 عناصر أساسية تتكون منها المبادرة أبرزها: إلغاء مجلس السيادة والاستعاضة عنه بمجلس رئاسي شرفي يتكون من ثلاثة أعضاء مدنيين، بالإضافة إلى منح العسكريين مجلسًا مقترحًا للأمن والدفاع، ولكن تحت إشراف رئيس الوزراء الذي سيُمنح سلطات تنفيذية كاملة تشمل تشكيل حكومة كفاءات مستقلة بالكامل مع إعطاء تمثيل أكبر للمرأة، فضلًا عن تعديل الوثيقة الدستورية الموقعة في العام 2019. وهي أمور ستتضح خلال الأيام القادمة صحتها من عدمها.

ردود أفعال متباينة

لاقت المبادرة الأممية قبولًا واسعًا ودعمًا على المستوى الدولي. أما على المستوى المحلي تراوحت ردود الأفعال حولها، بين تأييد وترحيب مشروط، ورفض قاطع؛ فبينما رحب العديد من القوى السياسية، وجيش تحرير السودان الذي يترأسه مني مناوي حاكم دارفور، بالإضافة للمؤسسة العسكرية بالمبادرة الأممية، أعلنت قوى أخرى من بينها تجمع المهنيين وأحزاب وكيانات فاعلة تقود الاحتجاجات الحالية، رفضها المبدئي للمبادرة. وبدورها، قالت لجان المقاومة السودانية إنها أكدت لبعثة الأمم المتحدة “تمسكها بحكم مدني خالص”، مشددة على “عدم جدوى الوثيقة الدستورية كإطار دستوري حاكم للانتقال”.

وأعلن وجدي صالح القيادي في “الحرية والتغيير-المجلس المركزي” قرار التعاطي إيجابًا مع المقترح الأممي، ولكن بشروط: الرفض القاطع لأي تفاوض على شراكة مع المكون العسكري، وتوسيع المقترح الأممي ليشمل الترويكا (أمريكا وبريطانيا والنرويج) والاتحاد الأوروبي، وأن يتم تحديد المشاورات وفق سقف زمني محدد، فضلًا عن صياغة دستور جديد.

في غضون ذلك، أعلن المؤتمر الوطني رفضه للمبادرة الأممية، بزعم رفض التدخل الأجنبي، الأمر الذي فسره الساسة السودانيون بأنه محاولة ماكرة لاستدراج البعثة الأممية لدعوته للتشاور ومن ثم العودة إلى المشهد السياسي، الذي كان المؤتمر الوطني هو السبب الأساسي في تأزمه وتأزم وضع الدولة ككل، ما دفع عددًا من القوى السياسية إلى إعلان رفض الجلوس مع المؤتمر الوطني على مائدة تفاوض واحدة.

تحديات كبرى أمام المبادرة الأممية

على الرغم من التوافق الدولي حول المبادرة، وأهدافها النبيلة، لكن يوجد عدد من العوائق قد تقف ضد تحقيق المستهدف منها، على رأس هذه العوائق عدم تضمين المبادرة الأممية خارطة طريق واضحة ومحددة زمنيًا لإنهاء الأزمة. والوقت عامل مهم في تدهور الأوضاع. بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد توافق حول المبادرة بين القوى السياسية الداخلية في السودان؛ إذ ترفضها بعض الحركات وتراها محاولة لإضفاء شرعية على وجود المكون العسكري في السلطة، فضلًا عن انعدام الثقة بين القوى السياسية بعضها البعض وبينها وبين العسكريين ورفضهم التفاوض معا.

ويضع ذلك كله المبادرة الأممية أمام اختبار صعب، ويتطلب منها تقديم ضمانات لكل الأطراف للمضي قدمًا. ولا تعني هذه التحديات بالضرورة حتمية فشل المبادرة الأممية، خاصة وأن هناك غطاءً دوليًا داعمًا لها، ولكنها تصعب المهمة أمامها فقط، وتتطلب جدية الخطوات وسرعة التنفيذ حتى تحقق الاختراق المطلوب في الأزمة السياسية في السودان، وتفضي إلى توافق يعيد الحياة السياسية إلى مسارها الديمقراطي الطبيعي.

مستقبل الأزمة في السودان 

لم تكنْ الأزمة السياسية في السودان وليدة أحداث 25 أكتوبر، والتي تضمنت إعلان القائد العام للجيش الفريق أول ركن “عبد الفتاح البرهان” حل مجلسي السيادة والوزراء، وفرض حالة الطوارئ في البلاد؛ فتلك الإجراءات سبقتها اضطرابات سياسية واسعة نتجت عن إخفاقات سياسية متتالية، أدت إلى تدهور الحالة الاقتصادية للبلاد، وتأزم الأوضاع، وإحداث حالة فُرقة بين القوى السياسية بعضها البعض وبينها وبين المكون العسكري، انتهت بإعلان إجراءات 25 اكتوبر، التي دفعت السودان إلى فصل جديد من الأزمات نحو طريق اللاعودة.

اتسعت الهوة بين المكونين المدني والعسكري كثيرًا، وفي ظل تشبث كل طرف بمطالبه، وحالة التشرذم التي تسود كافة القوى السياسية، أصبح وجود أي نقطة تلاقٍ هو أمر معقد للغاية، خاصة بعد استقالة رئيس الوزراء “عبد الله حمدوك”، ما يصعب عملية التنبؤ بمستقبل الأزمة في السودان، ويجعل السيناريوهات الحالية قاتمة، حيث يفرض الوضع مجموعة من السيناريوهات تتمثل في: 

السيناريو الأول، الوصول إلى توافق بين المكون العسكري والمكون المدني للعبور بالمرحلة الانتقالية معًا برعاية دولية؛ لضمان خروج الجيش من السلطة بعد انتهاء الفترة الانتقالية -والتي من المحتمل أن تمتد عن الموعد المحدد سابقا-، مع وجود صيغة قد توفر قدرة على التأثير في القرارات السياسية ولكن بشكل غير مباشر، خاصة المتعلقة منها بمصالح السودان الاستراتيجية، وما يتعلق بالأمن القومي للسودان.

السيناريو الثاني، ينطوى على أن يتنحى الجيش عن السلطة في خروج تفاوضي؛ انصياعًا لرغبة القوى السياسية أو بضغوط دولية، وهو السيناريو الذي تنادي به القوى السياسية الرافضة للجلوس في مفاوضات قبل انسحاب المكون العسكري 

السيناريو الثالث، وهو الأكثر تشاؤمًا ويتضمن تصاعد الخلافات، ما يؤدي إلى تدهور الحالة الاقتصادية للبلاد أكثر، ومن ثم خروج أعداد كبيرة إلى الشوارع، بالإضافة إلى تعقد الأزمة السياسية، فضلًا عن تأزم الموقف الخارجي للسودان الذي عانى لسنوات من العقوبات، ما يهدد بانزلاق السودان نحو الهاوية.

ومع ذلك، يظل سيناريو الانقلاب العسكري على “البرهان” من داخل الجيش السوداني مطروحًا، في ظل وجود قوات موالية للبشير في الداخل، مع سوابق لمحاولات انقلاب فاشلة خلال الفترة الانتقالية.وختامًا، لتخطي الأزمة الحالية في السودان على الجميع تغليب مصلحة البلاد فوق المصالح الشخصية، والاستماع لصوت العقل للوصول إلى توافق سياسي، والبحث عن رؤية وطنية موحدة. وإلا فالجميع خاسر؛ فبدون تقديم تنازلات من كافة الأطراف فإن أي مبادرة لن يكتب لها النجاح، ما سيؤدي إلى مزيد من الفُرقة وجر البلاد إلى ما لا يحمد عقباه، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى