مصر

مشروع قانون العمل الجديد.. “من أجل القضاء على عمالة الأطفال”

تتجه كافة الدول إلى الحد من ظاهرة عمالة الأطفال لما لها من آثار سلبية على الطفل؛ إذ تنتهك حقوقه وتحرمه من التمتع بطفولته بتعريضه لظروف صعبة يتم فيها إهمال تأمين احتياجاته. بجانب أنها تقلل -إلى حد كبير- من جودة نوعية رأس المال البشري من حيث الضرر الذي يُلحق بالطفل على المستوى التعليمي ومستوى الصحة البدنية والعقلية، مما يؤدي مستقبلًا إلى تباطؤ وتيرة التنمية الاقتصادية للدول.

وقد دأبت الدولة المصرية على تحقيق التزامها نحو القضاء على تلك الظاهرة، وتمثل موافقة مجلس الشيوخ على الفصل الرابع من مشروع قانون العمل الجديد والخاص بتنظيم عمل الأطفال، خطوة جيدة في هذا الصدد.

ملامح مشروع قانون العمل الجديد

نظم مشروع قانون العمل الجديد العلاقة بين صاحب المنشأة والأطفال الذين يعملون لديه، من خلال بعض المواد والبنود منها، الآتي: 

  • نصت المادة 61: على أن صاحب العمل الذي يقوم بتشغيل طفل أو أكثر عليه مراعاة تعليق نسخة تحتوي على الأحكام التي يتضمنها هذا الفصل من مشروع قانون العمل في مكان ظاهر بمحل العمل. موضحًا بها ساعات العمل، وفترات الراحة معتمدًا من الجهة الإدارية المختصة، إضافة إلى، إبلاغ الجهة الإدارية المختصة بأسماء الأطفال العاملين لديه، والأعمال المكلفين بها، وأسماء الأشخاص المنوط بهم مراقبة أعمالهم.
  • وفقا للمادة (58) في مشروع القانون: يحظر تشغيل الأطفال قبل بلوغهم خمس عشرة سنة، ومع ذلك يجوز تدريبهم متى بلغت سنهم أربع عشرة سنة بما لا يعوقهم عن مواصلة التعليم. ويلتزم كل صاحب عمل يستخدم طفلًا دون سن السادسة عشرة بمنحه بطاقة تثبت أنه يتدرب أو يعمل لديه وتلصق عليها صورة الطفل، وتعتمد من الجهة الإدارية المختصة وتختم بخاتمها.
  • نصت المادة (62): على تنظيم تشغيل الأطفال ذوي الإعاقة على ألا يخل عمل الطفل بأحكام قانون الطفل الصادر بالقانون رقم (12) لسنة 1996، وتقوم جهات التأهيل بإخطار الجهة الإدارية المختصة التي يقع في دائرتها محل إقامة الطفل ذي الإعاقة بما يفيد تأهيله، وتلتزم الجهة الإدارية المختصة بمعاونة الأطفال ذوي الإعاقة المقيدين لديها في الالتحاق بالأعمال التي تناسب أعمارهم وكفايتهم ومحال إقامتهم، وعليها إخطار مديرية التضامن الاجتماعي الواقعة في دائرتها ببيان شهري عن الأطفال ذوي الإعاقة الذين تم تشغيلهم.
  • نصت المادة (63): على أن يحظر على الأبوين أو متولي أمر الطفل –بحسب الأحوال- تشغيل الطفل بالمخالفة لأحكام هذا القانون، والقرارات التنفيذية الصادرة له.

مفهوم عمالة الأطفال

يُعرف مصطلح “عمالة الأطفال” بالأعمال التي تضع عبئًا ثقيلًا على الأطفال، وتُعرض حياتهم للخطر. وتنقسم تلك الأعمال إلى شقين: الأول هو الأعمال التي عُرفت دوليًا بالاستعباد والإتجار بالبشر وتوظيف الأطفال جبرًا واستخدامهم في النزاعات المسلحة وأعمال الدعارة والإباحية والأنشطة غير المشروعة. ويتمثل الشق الثاني في الأعمال الأخرى التي يؤديها الطفل دون الحد الأدنى للسن الذي حددته التشريعات الوطنية والمعايير الدولية المعترف بها.

مؤشرات عالمية

بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، أصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف” في يونيو 2021 تقريرًا بعنوان: “عمالة الأطفال: التقديرات العالمية لعام 2020، الاتجاهات والطريق إلى الأمام“. وقد لاحظ التقرير أنه لأول مرة منذ عشرين عامًا لم يتم إحراز أي تقدم عالمي في إنهاء عمالة الأطفال، ولم يتم اتخاذ أي تدابير عاجلة للتخفيف من المشكلة التي ساعدت أزمة (كوفيد-19) في تفاقمها عبر دفع ملايين الأطفال إلى سوق العمل.

ويشير أحدث التقديرات العالمية -حسب التقرير- إلى أن هناك 160 مليون طفل –ما يقرب من 63 مليون فتاة و97 مليون فتى- يُصنفون كعمالة أطفال على مستوى العالم في عام 2020، وهو ما يمثل طفلًا من كل عشرة أطفال. وأن ما يقرب من نصف هذا العدد من الأطفال، أي حوالي 79 مليون طفل، يعملون في أعمال خطرة تعرض صحتهم وسلامتهم وتطورهم الأخلاقي للخطر.

وتوضح التقديرات العالمية أن من بين 160 مليون طفل عامل، هناك 89.3 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 5 – 11 عامًا، و35.6 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 12 – 14 عامًا، و35 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 15 – 17. 

ووفقًا للتقرير، فإنه في عام 2020 زاد عدد الذكور عن الإناث بمقدار 34 مليونًا. ولكن عند التوسع في تعريف عمالة الأطفال ليشمل الأعمال المنزلية لمدة 21 ساعة أو أكثر أسبوعيًا، تقل الفجوة بين الجنسين في الفئة الذين تتراوح أعمارهم بين 5 – 14 عامًا، حيث يعمل عدد أكبر من الفتيات في مجال الخدمة المنزلية.

وتختلف مجالات العمل للأطفال، فهم تقريبَا يتخللون جميع المجالات، سواء في التعدين أو صيد الأسماك أو الخدمات المنزلية أو في الصناعة، ولكن يمكن القول إن عمالة الأطفال تكون أكثر شيوعًا في المناطق الريفية. فهناك 122.7 مليون طفل ريفي عامل، مقابل 37.3 مليون طفل في المناطق الحضرية. وحوالي 70% من جميع الأطفال العاملين؛ أي ما مجموعه 112 مليون طفل، يعملون في مجال الزراعة. مما يؤكد أن الزراعة هي نقطة دخول رئيسية إلى عمالة الأطفال.

الوضع الراهن في مصر

وفقًا للمسح القومي الأخير لعمل الأطفال في مصر الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بالتعاون مع البرنامج الدولي للقضاء على عمل الأطفال عام 2010، هناك 1.6 مليون طفل عامل، أي ما يوازي 9.3% من الأطفال في مصر، وهو ما يمثل طفلًا من بين كل عشرة أطفال. يتعرض 82.2% منهم للعمل في ظروف عمل سيئة وغير آمنة. وبالطبع فإن هناك حاجة إلى تحديث البيانات لإيجاد الفوارق والاختلافات وقياس المشكلة بشكل صحيح، فهناك العديد من التغيرات الاجتماعية التي طرأت على المجتمع المصري من 2010 وحتى الآن.

وبلغت نسبة الأطفال العاملين لعدد ساعات أكثر من المسموح بها (أكثر من 6 ساعات يوميًا) حوالي 16.9% من جملة الأطفال العاملين. وقد أشار المسح إلى وجود علاقة طردية بين عمر الطفل وتعرضه لظروف عمل سيئة؛ فكلما زاد عمر الطفل ارتفع تعرضه لتلك الظروف؛ إذ إن 83% من جملة الأطفال الذكور العاملين بين 12-17 سنة يتعرضون لظروف عمل سيئة، وترتفع هذه النسبة في الفئة العمرية 15-17 سنة لتصل إلى 89%، بينما تصل النسبة بين الإناث في نفس الفئة العمرية إلى 93%.

وعلى غرار الوضع العالمي، فإن معدل عمل الأطفال في مصر هو أعلى بكثير في المناطق الريفية، خاصة في الوجه البحري والمحافظات الريفية الواقعة على الحدود، ويمثل قطاع الزراعة أعلى القطاعات استقطابًا لعمالة الأطفال بنسبة 63%، أما قطاع التعدين والتشييد والصناعات التحويلية فيضم 18.9% من إجمالي عمالة الأطفال، فضلًا عن قطاع الخدمات الذي يضم 17.6%.

وعلى الرغم من ممارسة الفتيات الخدمة في المنازل على نطاق واسع، وتقبل تلك الثقافة بصورة أو أخرى وسط طبقات اجتماعية مختلفة؛ فلا توجد بيانات موثقة عن عدد الأطفال المنخرطين في العمل المنزلي، لا سيما أن هذا النوع من الأعمال يتعرض فيه الأطفال لساعات عمل طويلة في مقابل أجور زهيدة، بجانب إمكانية التعرض بشكل أكبر للاستغلال البدني والجنسي والنفسي. وإجمال القول، إن الاستناد في الوضع المحلي إلى بيانات غير محدثة، تنتج عنه دراسات غير دقيقة لا تمثل الواقع، مما يؤدي إلى استمرار الظاهرة وتزايد معدلاتها.

معوقات رئيسية

تنقسم التحديات التي تمثل عائقًا في الحد من ظاهرة عمالة الأطفال إلى ثلاثة أبعاد: أولها البعد الاقتصادي المتمثل في النمو السكاني المطرد والذي ينتج عنه انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي، وبالتالي انخفاض مستوى المعيشة، مما يؤدي إلى التسرب من التعليم ونقص مظلة الحماية الاجتماعية، وهو ما يعرّض المزيد من الأطفال إلى ممارسة الأعمال المختلفة، ومنها الأعمال الخطرة التي تضر بصحتهم وسلامتهم.

أما البعد الاجتماعي فيتمثل في مشاكل التفكك الأسري، واتجاه الأطفال للعمل بغرض الهروب من المنزل، علاوة على تواضع المستوى الثقافي للأسرة، وانخفاض المستوى التعليمي للوالدين، وبالتالي لا تنظر الأسرة إلى أهمية وفائدة التعليم للطفل، وترى أن العمل أولوية عن التعليم.

ويرتبط البعد الثالث بصاحب العمل، إذ يقدم على تشغيل الأطفال بسبب تدني أجورهم، بالإضافة إلى التخلي عن الشروط والالتزامات المتعلقة بالتأمين الصحي والاجتماعي والضرائب وتوفير ظروف وشروط عمل ملائمة لهم.

جهود للحد من الظاهرة

التزمت الدولة المصرية بمكافحة عمل الأطفال، فصدقت على العديد من الاتفاقيات الدولية، وأكدت هذا الالتزام من خلال قانون الطفل المصري الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996، وقانون العمل المصري رقم 12 لسنة 2003. وجرى التأكيد على هذا الالتزام من خلال دستور 2014، في المواد “17- 19- 20 – 80- 101″، والتي نصت على حظر عمل الأطفال قبل بلوغ سن التعليم الإلزامي وتحديد ساعات العمل المسموح بها “باستثناء الأطفال العاملين في مجال الزراعة”، بجانب ضمان حق الطفل في الحصول على التدريب الفني والمهني بجانب توفير الضمان الاجتماعي.

وقد دأبت الحكومة المصرية على تحقيق ما نصت عليه مواد الدستور، من خلال تنفيذ مشروعات ترسي مظلة الحماية الاجتماعية كبرنامج “تكافل وكرامة” الذي اختص القسم الأول منه (تكافل) برعاية أسر الأطفال من 0-18 عامًا، وتشجيع الأطفال على مواظبة الحضور بالمدارس من خلال الدعم النقدي المقدم لأسرهم. بينما وجه القسم الثاني (كرامة) لكبار السن والمعاقين غير القادرين على العمل وليس لهم دخل ثابت.

وأطلقت وزارة القوى العاملة بالتعاون مع منظمة العمل الدولية “الخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال في مصر ودعم الأسرة 2018- 2025” في يونيو 2018، والتي تُعد جزءًا من رؤية مصر 2030. ورغم تلك الجهود فإننا بحاجة إلى تقييم نتائج ما جرى عمله من برامج واستراتيجيات فيما يخص عمالة الأطفال لمعرفة مدى فاعليتها في تحقيق الأهداف التي تسعى إليها الدولة بشأن القضاء على المشكلة.

أخيرًا، نستطيع أن نُدرك أن هناك إرادة سياسية قوية للحد من الظاهرة التي تحمل في طياتها الكثير من الآثار السلبية مستقبلًا، لذا من الضروري الالتفات إلى تذليل العقبات التي تساعد في تفاقم حجم الظاهرة يومًا بعد يوم وذلك من خلال: 

  • تحديث البيانات المتعلقة بعمالة الأطفال في مصر للمساعدة في دراسة الظاهرة بشكل أكثر واقعية؛ إذ إن آخر مسح قومي خاص بعمل الأطفال يرجع لعام 2010، ومنذ ذلك الوقت طرأ على المجتمع العديد من التحديات التي تساعد في انتشار الظاهرة وآخرها أزمة (كوفيد-19).
  • توفير البيانات الخاصة بعدد الأطفال المنخرطين في العمل المنزلي، وتوفير نظام رقابة وإشراف لهذا النمط من الأعمال. 
  • توسيع مظلة الحماية الاجتماعية التي تضمن عدم لجوء الأسرة محدودة الدخل لعمل الأطفال، وضمان عدم تسريبهم من العملية التعليمية.
  • الاهتمام بتأهيل موارد بشرية متخصصة في مجال حماية الأطفال بوجه عام وعمالة الأطفال بوجه خاص.
  • تعديل التشريعات التي تجيز عمل الأطفال في مجال الزراعة، على الرغم من تصديق مصر على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 129 لسنة 1972، بشأن تفتيش العمل في القطاع الزراعي.
  • إرساء آليات صارمة لضمان تنفيذ التشريعات والقوانين التي تحد من الظاهرة.
  • إدماج منظمات المجتمع المدني بشكل أكبر في عملية التصدي لظاهرة عمالة الأطفال.
  • توفير المراكز التعليمية المهنية البديلة للأطفال العاملين الذين تسربوا من العملية التعليمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى