مقالات رأي

أسطوانة “مهرجان” حقوق الإنسان

“أسطوانة” حقوق الإنسان كما أغاني المهرجانات. ما ينطبق على أغاني المهرجانات يكاد ينطبق على أسطوانة حقوق الإنسان. الاثنان ليستا من التربة المصرية كلمات وأداء. الأسطوانة كما أغاني المهرجانات لديها بالطبع مشجعين و”سميعة”، بينما العالمون ببواطن الأمور ينتقدونها. المدافعون عن المهرجانات يقولون إنها موضة لا يمكن إيقافها. المدافعون عن الأسطوانة يقولون أيضا إنها توجه عالمي لا يمكن التغاضي عنه. 

المدافعون عن الاثنتين يصورون المعارضين على أنهم ضد المهرجانات وحقوق الإنسان من حيث المبدأ. من يعارض المهرجانات يعارضها انطلاقًا من تأثيرها السلبي على الغناء المصري، ومما تمثله من تهديد لقيم وأعراف المجتمع. إنها تنخر كالسوس في جسد المجتمع. الأمر نفسه ينطبق على أسطوانة حقوق الإنسان، فلا أحد في مصر ضد حقوق الإنسان ولكن بمعناها الشامل. المصريون يعرفون جيدًا أن أسطوانة حقوق الإنسان لا مكان فيها غير لبعض الحقوق السياسية خاصة ما يتصل ببعض النشطاء مروجي تلك الأسطوانات. 

أسطوانة حقوق الإنسان سهلة العزف، يعزفها ويغنيها كل من هب ودب تمامًا كما المهرجانات. وغني عن البيان أن المهرجانات والأسطوانة لا يحتاجان وقتًا ولا مجهودًا، وأن الاثنين يثيران الكثير من الضوضاء بلا معني ولا هدف حقيقي. 

وغني عن البيان أيضا أن المهرجانات قد يكون فيها ما هو جيد، وبالطبع ليس كل المشتغلين فيها والمدافعين عنها هدفهم التربح أو إفساد المجتمع، وهو الأمر الذي ينطبق تمامًا على أسطوانة حقوق الإنسان. فالكثير منهم يقحم نفسه فيما ليس أهلا له سعيا وراء الرزق “أكل العيش” أو التواجد عبر أسهل الطرق، حتى ولو من خلال مشاغبة وإزعاج السلطة سواء كانت تلك السلطة سياسية ممثلة في الحكومات أو مجتمعية ممثلة في تقاليد وأعراف تلك المجتمعات. 

والكثير منهم ليس لديه من حجة سوى أكل العيش والتدثر بحرية الرأي والتعبير وعدم قدرة الحكومات في ظل ثورة التكنولوجيا على قطع الطريق عن تواجدهم، وأنهم موجودون بحكم وجود من يسمع ويريد ذلك التواجد. كما أن الكثير من المشتغلين بحقوق الإنسان أصبحوا بين ليلة وضحاها نجومًا، ولكنهم أيضًا وكما هو الحال مع المشتغلين بالمهرجانات سريعًا ما يختفون ليحل محلهم آخرون يكونون أكثر إزعاجًا ومشاغبة وشططا في مواجهة الحكومات والمجتمعات. 

وأخيرًا، فإن المشتغلين بحقوق الإنسان كما في المهرجانات يستخدمون قاموسًا رديئًا من المفردات يسعون إلى فرضها وتسييدها على المجتمع بصرف النظر عن خلوها من أية معاني أو مضمون، ولن تجد مشتغلًا بحقوق الإنسان لا يستخدمها في خطابه وبياناته مهما كانت الحالة التي يتعرض لها وأيًا كانت الدولة المستهدفة. فكلمات مثل الاختفاء القسري والتعذيب الذي تحولت إلى التعذيب الممنهج والاعتقال خارج إطار القانون والانتهاكات بحق السجناء وقمع المعارضين والمجتمع المدني وكبت الحريات، كلها كلمات لن تجد بيانًا حقوقيًا خاليًا منها، مهما كانت اللغة المكتوب بها؛ إنجليزية كانت أم فرنسية أم ألمانية أم حتى عربية. 

مشغلو أسطوانات حقوق الإنسان مستمرون في طرحها باستمرار في السوق، ولكن القليل منها ما يحدث إزعاجًا أو ينال التفاتًا، تمامًا كما يحدث مع أغاني المهرجانات. أسطوانات حقوق الإنسان بلحن واحد كما المهرجانات جاهزة في التو واللحظة للإطلاق مع حشوها بأي كلمات. أسطوانات حقوق الإنسان لا يعنيها ما تمر به الدول والمجتمعات ولا يعنيها تأثير تلك الأسطوانات. أسطوانات حقوق الإنسان لا تعرف طريقها للتطورات الجيدة. تراها دائمًا “تطورًا محدودًا” كما قالت ممثلة تحالف البحر المتوسط في جلسة محاكاة مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في منتدى شباب العالم قبل أيام بشرم الشيخ. 

أسطوانات حقوق الإنسان لا تعرف وربما لا تعترف بالمنظور الشامل لحقوق الإنسان. تتوقف فقط عند الحقوق السياسية، الأمر الذي يجهد معه كل متابع حقيقي ليجد بيانًا حقوقيًا يتعلق بحق من حقوق الإنسان غير سياسي. لن تجد حديثًا عن تعليم أو صحة أو فقر أو بطالة أو مسكن أو حتى حق الحياة باعتباره الحق الأول والأساسي والذي بدونه لا معنى أصلًا للحديث عن حقوق الإنسان، بل إنه الحق الوحيد الذي ليس من حق الإنسان أن يتنازل عنه، إلا إذا نجحت جماعات حقوق الإنسان في جعل التنازل عن الحياة أي الانتحار حقًا من حقوق الإنسان، فتدين الدول التي تحاول أن تمنع الانتحار أو تبدي انزعاجًا من تكرار حالاته في المجتمع باعتباره ناقوس خطر. فلقد أصبح التدخل في شؤون الدول حقًا من حقوق الإنسان في الغرب.

الاستياء من الإذاعة الموسمية لأسطوانة حقوق الإنسان بكل ما فيها من نشاز، لا يعني هجومًا على مبدأ قدسية حقوق الإنسان ولا انتقاصًا منها، ولا توجهًا ضد حقوق الإنسان، كما أن الهجوم على أغاني المهرجانات لا يعني أبدًا هجومًا على فن الغناء وتطوره. أسطوانة حقوق الإنسان لم تستهدف يومًا تحسين حالة حقوق الإنسان في مصر بقدر ما تستهدف الضغط على مصر. 

الأسطوانة تذاع وبأعلى صوت ممكن كلما حدث تقدم في مصر، وكلما لعبت مصر أدوارًا واتخذت خطوات لا ترضى عنها محلات أسطوانات حقوق الإنسان. وسوف تظل تلك اللعبة قائمة، وكمونها أحيانا لا يعني أنها في سبيلها للتوقف، وإنما يعني أن تستعد وتتحين الفرصة للعودة من جديد وإن بصوت وملحن مختلفين، وإلا انحسرت الأضواء وانغلق باب رزق الكثيرين. باختصار وكما قال الرئيس السيسي فإن التدخل في شؤون الدول باسم حقوق الإنسان ليس من حقوق الإنسان، أما الوضع في مصر وكما قال الرئيس أيضا فإنه “ليس كما يصوره البعض في الغرب”، تمامًا كما أن فن الغناء في مصر ليس كما تصوره المهرجانات. ولننتظر جميعا الأسطوانة/ أغنية المهرجان القادمة التي لن يطول انتظارها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى