دول المشرق العربي

انتخابات لبنان 2022.. وجوه قديمة وتحالفات جديدة

بدأت السلطات اللبنانية استقبال طلبات الترشح لانتخابات مجلس النواب المقرر عقدها في مايو 2022، على أمل تحقيق انفراجة سياسية في البلاد التي تأثرت بمجريات الحرب السورية وتمدد ثم انحصار تنظيم داعش في العراق، وصولًا إلى اندلاع انتفاضة أكتوبر 2019 الشعبية.

وفى دولة لا يتنحى زعمائها عن رئاسة الأحزاب العائلية، وغدت التيارات السياسية إقطاعيات وراثية، سعت انتفاضة أكتوبر إلى إسقاط النخبة السياسية وطلبت قيام نخبة جديدة تقود لبنان إلى حسابات سياسية غير تقليدية من أجل الخروج من التموضع الذي أصبح فيه لبنان جراء الصراعات الإقليمية. وتأتي انتخابات 2022 بعد إنهيار أغلب تحالفات انتخابات 2005 الكبرى وما تفرع منها من تحالفات انتخابات 2018.

ففي انتخابات 2005، كانت خطوط التضاد واضحة بين معسكرين كبيرين، الأول هو 14 آذار ويضم تيار المستقبل بقيادة سعد الحريري، والقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، وحزب الكتائب بقيادة أمين الجميل، والحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط، والكتلة اللبنانية بقيادة كارلوس إده، والوطنيين الأحرار بقيادة دوري شمعون، ولقاء قرنة شهوان بقيادة سمير فرنجية وبطرس حرب ونائلة معوض وميشيل الخوري وجبريال المر وأنطون غانم وغسان تويني، وحركة التجديد الديموقراطي بقيادة نسيب لحود ومصباح الأحدب وباسم الجسر، وحزب الشباب الوطني بقيادة أحمد كرامي، والتيار الوطني الحر بقيادة ميشيل عون. وقبيل الانتخابات فضل التيار الوطني الحر الترشح مستقلًا عن تكتل 14 آذار وإن ظل الاتصال السياسي والأيديولوجي قائم بين الطرفين.

والمعسكر الثاني، تحالف 8 آذار وضم حزب الله بقيادة حسن نصر الله وحركة أمل بقيادة نبيه بري وتيار المردة بقيادة سليمان فرنجية، وحزب التحرر العربي بقيادة عمر كرامي، والحزب الديموقراطي بقيادة طلال أرسلان، وحزب التوحيد العربي بقيادة وئام وهاب، والحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث الاشتراكي اللبناني، وحزب الطاشناق الأرمني، والاتحاد الثوري الارمني، والتنظيم الشعبي الناصري، وحزب الاتحاد الناصري.

وعقب انتخابات 2005 والحراك السياسي الذي أطلق عليه ثورة الأرز أو ثورة الاستقلال الثاني سعت سوريا وإيران إلى استقطاب قوى 14 آذار لصالح معسكر 8 آذار، وفى عام 2006 وقع اتفاق “مار مخايل” بين ميشيل عون وحسن نصر الله ليعلن التيار الوطني الحر انضمامه رسميًا إلى قوى 8 آذار.

وعقب انتخابات 2009 وتشكيل سعد الحريري وزارته الأولى، قام الحريري الابن ووليد جنبلاط – كلًا على حده – بزيارة كسر الجليد إلى العاصمة السورية دمشق ومقابلة الرئيس بشار الأسد، ما صنع حالة من الانقسام الحاد داخل قوى 14 آذار، وحينما قدم الحريري الابن استقالته عام 2011، إنحاز جنبلاط إلى رؤية 8 آذار في تشكيل رئيس تيار العزم الرئيس نجيب ميقاتي للحكومة الجديدة، ولاحقًا وقع سعد الحريري اتفاق “العهد” مع التيار الوطني الحر، ليصبح هنالك “ترويكا” ثلاثية بين تيار سعد الحريري وتيار ميشيل عون مع حزب الله، هذه الترويكا سيطرت على حسابات انتخابات 2018 البرلمانية.

ومع مواقف جنبلاط والحريري وعون، إلى جانب تقدم سن بعض قيادات 14 آذار وحل تجمع لقاء قرنة شهوان إلى جانب إغتيال عددًا من قادة 14 آذار، أصبحت القوة الرئيسية في هذا التجمع هو سمير جعجع قائد حزب القوات اللبنانية، وتاليًا سامي الجميل الذى ورث رئاسة حزب الكتائب عن ابيه الرئيس الأسبق امين الجميل.

أما اتفاق العهد بين عون والحريري، فقد تفكك بعد إنتهاء الغرض منه، حيث وصل عون أخيرًا إلى رئاسة الجمهورية وشارفت ولايته على الانتهاء، ووصل الحريري إلى رئاسة الحكومة للمرة الثانية قبل ان تسقط انتفاضة أكتوبر 2019 وزارته الثانية.

أما تجمع 8 آذار إلى جانب تماسك حزب الله وحركة أمل وتيار المردة، فإن فيصل كرامي تسلم رئاسة حزب التحرر العربي وتيار الكرامة عقب وفاة أبيه الرئيس الأسبق عمر كرامي، لتصبح التيارات الأربع هي الأقوى داخل 8 آذار الموالي لمعسكر ايران وسوريا.

التحالفات الجديدة في انتخابات 2022

رغم أن البعض متمسك بشعار 14 آذار و8 آذار، إلا أن الواقع يفرض الاعتراف بأن قوى 14 آذار تحديدًا قد تشرذمت، وأن قوى 8 آذار التي ترفض هذا المسمى وتتمسك بمسمى محور المقاومة والممانعة قد نجحت في الحفاظ على تماسكها، دون خسارة أيا من أحزابها أو رجالاتها، وتنتظر أن تحسم كتل 14 آذار حسابتها.

إن أهمية انتخابات 2022 البرلمانية تكمن في حسم ملف انتخابات الرئاسة حيث يحق للبرلمان أن ينتخب الرئيس باعتبار لبنان جمهورية برلمانية، حيث يسعى جبران باسيل القائد الجديد للتيار الوطني الحر أن يخلف صهره الرئيس الحالي ميشيل عون في الرئاسة، بينما يرى سليمان فرنجية حفيد الرئيس الراحل سليمان فرنجية أنه الأحق بترشيح محور الممانعة، ورغم حزب القوات اللبنانية لم يعلن رسميًا عن ترشيح سمير جعجع، إلا إنه وبدوره يعتبر آخر الزعماء التاريخيين للمارونية السياسية الذين لم يحظ بفرصة للترشح لانتخابات الرئاسة.

وكان يفترض أن يكون جعجع هو مرشح 14 آذار وسعد الحريري في انتخابات الرئاسة لخلافة الرئيس السابق ميشيل سليمان، ولكن تضخم زعامة جعجع لتكتل 14 آذار على حساب الحريري الذي غاب عن لبنان ما بين عامي 2011 و2016 بالإقامة في باريس باستثناء بعض الزيارات الخاطفة قد جعلت الحريري يقرر دعم ترشيح سليمان فرنجية للرئاسة في مفاجئة تاريخية على ضوء أن فرنجية كان وزير الداخلية في 14 فبراير 2005 حينما وقعت عملية إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن وقتها وهنالك توتر بين آل الحريري وآل فرنجية.

وعلى ضوء دعم الحريري لفرنجية رئيسًا على حساب جعجع عام 2015، قام جعجع بدعم عون للرئاسة، فقام الحريري الابن بالتحالف مع عون وجبران باسيل من أجل أن يربح كعكة إيصال عون للرئاسة وكانت تلك الكعكة هي رئاسة الحكومة للمرة الثانية.

وعلى ضوء الخلافات بين سعد الحريري وجبران باسيل، واستمرار تخوف سعد الحريري من شعبية سمير جعجع، إلى جانب أن جعجع لن ينس للحريري أنه فضل موارنة 8 آذار على موارنة 14 آذار في تشكيلات حكومة فؤاد السنيورة عقب انتخابات 2005 ثم اتفاق الدوحة عام 2008 وتاليًا في تشكيلة حكومة الحريري الأولى عام 2009 ثم الثانية عام 2016 وأخيرًا في انتخابات الرئاسة 2016، وبالتالي فإنه من المستحيل تصور وفقًا يجري بين جعجع في موقع رئاسة الجمهورية والحريري الابن في موقع رئاسة الوزراء.

وهكذا فإنه من المتوقع أن يدعم الحريري الابن فكرة ترشيح سليمان فرنجية لرئاسة لبنان خلفًا لميشيل عون، وهى فكرة مريحة لحزب الله وحركة أمل، إذ أن جبران باسيل كان واحدًا من أسباب قيام انتفاضة أكتوبر 2019، ولا يحظ بقبول لبناني أو إقليمي أو دولي باستثناء دعم سوريا وإيران له وزيرًا للخارجية في حكومة الحريري الابن الثانية.

من هو سليمان فرنجية الحفيد؟

وهكذا يصبح سليمان فرنجية الحفيد أو سليمان فرنجية الثاني هو أبرز المرشحين لخلافة ميشيل عون رئيسًا للجمهورية اللبنانية، على ضوء حقيقة أنه لا يوجد – حتى الآن – حسابات برلمانية قادرة على فرض سمير جعجع رئيسًا للبنان، وربما جل ما يقدر عليه فرقاء 14 آذار أن ينجزوه هو شل الانتخابات الرئاسية والذهاب إلى مرشح عسكري توافقي مثلما جرى في مؤتمر الدوحة عام 2008 حينما تقرر ترشيح قائد الجيش ميشيل سليمان رئيسًا للجمهورية، وبالفعل فإن بعض الأصوات العاقلة على وقع انتفاضة أكتوبر 2019 قد طالبت بالتوافق من أجل قيام قائد الجيش جوزيف عون بتشكيل حكومة انتقالية عسكرية.

وسليمان فرنجية الحفيد هو ابن الوزير الشهيد أنطوان (طوني) فرنجية، الذي اغتيل عام 1978 أثناء الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990) مع زوجته فيرا قرداحي، وجده هو الرئيس سليمان فرنجية ما بين عامي 1970 و1976، صاحب العلاقات الحسنة مع مصر والسعودية وسوريا، وهي العلاقات التي استمرت بين الحفيد من جهة والرياض ودمشق من جهة أخرى رغم تضارب الرؤى بين السعودية وسوريا حول الملف اللبناني.

شقيق جده هو الوزير حميد فرنجية (1907 – 1981) أحد ابطال الاستقلال اللبناني، وزير الخارجية الأسبق والمرشح المحتمل للرئاسة عام 1952، ولحميد فرنجية ابن هو سمير فرنجية القيادي الراحل في تيار 14 آذار. وهكذا يصبح سليمان فرنجية الحفيد هو الوريث الوحيد لأرث آل فرنجية، وهو ارث يسعي المرشح المحتمل لتوريثه إلى نجله توني فرنجية الذى اصبح عضوًا بمجلس النواب عام 2018.

وعلى ضوء تقارب سليمان فرنجية الحفيد من سوريا والسعودية، لا يستبعد أن تسفر مشاورات ما بعد الانتخابات البرلمانية أن يصبح فرنجية الحفيد هو المرشح التوافقي الجديد بين القوى الإقليمية المهتمة بالملف اللبناني.

مستقبل الأزمة اللبنانية

إن لبنان بحاجة إلى رئاسة وحكومة قادرة على التواصل مع الغرب، بدلًا من العزلة التي نجحت قوى تيار الممانعة في فرضها على لبنان وتنفيذ سياسة الفراغ التي برع فيها تيار الممانعة، إذ أن وجود رئيس جمهورية ورئيس حكومة قادر على التواصل مع الغرب سوف يؤدي ذلك إلى تدهور الليرة اللبنانية، حيث أصبح الدولار الأمريكي يساوي 31 الف ليرة في السوق السوداء، بينما أسعار الكهرباء والغاز والوقود تلهب ميزانية الأسر اللبنانية، فإن لبنان بحاجة إلى مؤتمر اقتصادي عاجل فور الاتفاق على اسم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الجديد.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى