مصر

“سالب واحد”.. مسرحية تنتصر لذوي الهمم في مسرح شباب العالم

تقديرًا لأشخاص مميزين يمتلكون القدرة على فعل العديد من الأشياء، عُرضت يوم الأربعاء 12 يناير ٢٠٢٢ مسرحية” سالب واحد”، التي تتناول قضية واحد من الأبطال ذوي الهمم الذي اختاره الله ليكون أحد ملائكته على الأرض. وكذا، يتناول المعاناة التي تلاحق كل أسرة لديها واحد من ذوي القدرات الخاصة. العرض الإنساني بجدارة، وحاصل على جوائز لا تحصى، عُرض ضمن ختام فعاليات مسرح شباب العالم في دورته الثالثة بمدينة السلام والحضارة شرم الشيخ. 

عرض إنساني يجسد قلب المعاناة

 مسرحية “سالب واحد” استطاعت بكل المشاعر الإنسانية أن تصور حجم المعاناة التي تعيشها آلاف الأسر، بعد أن يمتحنهم الله بوجود أحد ذوي القدرات الخاصة فيهم، ليبدأ الصراع بين الإيمان والتمرد، هل هذه المحنة هي ابتلاء أو عقاب؟ هل اقترف الأب أو الأم كمًا من الذنوب التي لا تغتفر حتى يجازيهم الله بوجود ولد لا يستطيع الحركة أو الكلام وسيتسمر في الحاجة إليهم حتى موته، بل أن بعضهم يتمنى في كل لحظة موته، ليوقنوا في النهاية أن هذه المحنة هي في الحقيقة منحة كبيرة، تغيرت بها حياتهم، ويشعروا بسببها بنعم الله عليهم.

قضية إنسانية مهمة وشائكة

أدرك صناع هذا العرض أنهم بصدد عمل فني حقيقي، وأثبتوا في مدة خمسة وأربعين دقيقة إيمانهم بالقضية، وعرضها بشكل مبهج وممتع ومؤلم في آنٍ واحد، ليتم تناول هذه القضية الإنسانية الشائكة بنعومة شديدة ومن دون نصائح مباشرة على طريقة افعل ولا تفعل.

يتناول العرض قصة طفل وُلد بإعاقة ذهنية وجسدية، فلا يستطيع الحركة أو الكلام إلا بجملة واحدة فقد وهي: “هنروح فين يا بابا”، يستطيع من خلالها التعبير عن مشاعره، سواء كانت فرح أو حزن أو احتياج لشيء ما، الأمر الذي جعل والديه يضيق بهما الحال، وخاصة الأب، الذي يبحث عن طرق عديدة خاطئة لعلاجه لكن دون جدوى، ليقرر أن يخرج هذا الولد من البيت والتخلي عنه، لتموت الأم من هول الموقف الذي انتهى إليه الأب، وهي التي آمنت واعتبرت وجود طفلها هو منحة من الله لها لاختبار قدرتها على الصبر والعطاء.

صورت “سالب واحد” الاختلاف كجريمة في عيون البشر، ومحاولات جميع المحيطين بالشخص المختلف أن يغيروه وفقًا لرؤيتهم عما هو طبيعي أو عادي، فكما أراده الله متفردًا، متميزًا عمن حوله، أرادوه هم مثل أي شخص آخر، وكانت النتيجة محاولاتهما لكسره، في استعراض رائع يقيد فيه الأم والأب الطفل بحبال ويجذبانه في محاولة “لفرد” يديه المثنيتين على الدوام.

 تجسدت المشكلة الحقيقة في محاولة الأب والأم طوال الوقت في فهم ما يقوله الولد، لا أن يفهما ويدركا احتياجاته النفسية، فكشفت ” سالب واحد” عن عورات مجتمع فاقد للتواصل الإنساني، والذي يضغط فيه على المختلف عنه بكل ما أوتي من قوة، فالابن لا يستطيع التواصل مع أبيه وأمه اللذين يقضيان معظم الوقت معه، ولكنهما يريدان أن يتواصلا معه بطريقتهما، يريدانه أن يكون طفلًا طبيعيًا في محاولات مستميتة منهما لمعرفة سبب خلقه هكذا، وكيف يغيرانه، ونسيا أن ينصتا له.

 واستطاع “أحمد عباس” تجسيد هذا الدور ببراعة، وبتوازن دقيق في الفعل ورد الفعل، كما قامت بدور الأم “سالي سعيد” بشكل مؤثر ورائع، في كل مشاهدها وهي تحاول التعامل مع ما منحها الله من عطية، ودعائها ليل نهار أنها لا تريد سوى أن تفهمه وتتحدث معه ويحدثها، أو أن تتشاجر معه كباقي الأولاد مع أمهاتهم. وقام بدور الأب “مصطفى رشدي”، الذي أدى دوره بشكل قاسٍ ومؤثر للغاية، وباقي الأبطال هم: يارا المليجي بدور الراوية، عبد الرحمن محسن ومصطفى عبد الهادي، وبكلمات وتأليف المبدع محمد عادل، وبرؤية تعبيرية لا تصريحية بتوقيع المخرج عبد الله صابر.

الديكور من تصميم هاجر عبد القادر، عبرت من خلاله عن بيت قائم على الهشاشة والاضطراب والعجز مغلفًا بالكثير من الألم، عبر عن عالم شديد القسوة، متقطع الأوصال غير قادر على التواصل أو التفاهم، وفي وسط كل هذه المفردات، ثمة قلب كبير في الخلفية، متفرع منه شرايين صغيرة، تُضاء وتُطفأ وتتغير ألوانها بحسب حالة الطفل، وكأنها تعبر عما يجول داخل رأسه، بل كأنها مخ الطفل نفسه لا قلبه، من تصميم مصمم الجرافيك عمرو وحيد، وكانت إضاءة العرض نفسه من تصميم مصطفى التهامي، لتكون هي أيضًا بمثابة عنصر تمثيلي يساهم في شحن طاقة العرض وزيادة أثره.

وصممت ملابس العرض نوران الشيمي، فظهر الأب والأم وهم يرتديان ملابس سوداء على الصدر بخطوط ذهبية تشبه القيود، للتعبير عن الحزن الدائم وعدم القدرة على التواصل مع طفلهما، مسجونين خلف سوء الفهم وسوء التصرف تجاه الابن، الذي جاءت ملابسه طفولية، وفيها خطوط متداخلة أيضًا كأنها ذلك العقل الذي يعاني عدم فهم الآخرين له، بينما جاءت ملابس الراوية كما لو كانت ملاكًا شفافًا على قدر كبير من التعاطف مع حالة الطفل، بل والتماهي معه كنقطة ضوء وسط عتامة مفرطة.

وقد نجحت المصممة مي رزيق في السير على المنهج التعبيري نفسه، لتشكل استعراضاتها لبنة مهمة في بناء العرض، وكذلك الموسيقى التي وضعها أحمد حسني التي عبرت بشكل جيد عن أجواء العرض، وبخاصة أنها جاءت حية معتمدة على الوتريات كالكمان والتشيللو، فضلًا عن البيانو، وكانت الأشعار من كلمات كخرج العرض عبد الله صابر.

جوائز واحتفاءات عديدة

نجح العرض في الحصول على عدة جوائز من مهرجانات مسرحية عدة أهمها مهرجان المسرح العربي في أكاديمية الفنون، ومهرجان إبداع التابع لوزارة الشباب والرياضة ومهرجان الحرية بالإسكندرية ومهرجان جامعة صحار في سلطنة عمان والمهرجان القومي للمسرح المصري. وتم عرضه أون لاين في مهرجان جامعة الزرقاء بالأردن ومهرجان المسرح الجامعي في كازابلانكا بالمغرب، وتم عرضه أيضًا في محافظة بورسعيد، ضمن أنشطة بورسعيد عاصمة الثقافة المصرية هذا العام .

وقد أشادت الفنانة الدكتورة “إيناس عبد الدايم”، وزيرة الثقافة بالعرض المسرحي عند حضورها له على مسرح الهناجر، ووجهت بتكرار تقديمه في مختلف أنحاء الجمهورية.

العرض من إنتاج المعهد العالي للفنون المسرحية، وبكل الفخر، يشعر فريق مسرحية” سالب واحد” بالاعتزاز الشديد، كونهم الفريق المصري الوحيد المشارك في منتدى شباب العالم، بجانب العرض المسرحي الكبير الذي أخرجه “خالد جلال”، رئيس قطاع شؤون الإنتاج الثقافي في افتتاح مسرح شباب العالم.

واعتبر مخرج العرض، عبد الله صابر، أن الاهتمام بمشاركة العرض في المنتدى دليل على سعي الدولة الجاد في تذليل العقبات التي تعترض طريق تغيير وجهة النظر المجتمعية تجاه ذوي الهمم، مؤكدًا أن هذه القضية من الأولويات التي تركز عليها الدولة في الفترة الحالية، وبالفن نستطيع تغيير أي نظرة سلبية من المجتمع تجاه أي قضية ما، وبالفعل العرض يقدم انتقادًا لنظرة المجتمع لذوي الهمم الذي يرى ويشعر بأنهم طاقة بلا أهمية، ليوصل العرض أهم رسالة وهي: “أن ذوي الهمم ليسوا مجرد رقم بالسالب، بل على العكس، هم طاقة يمكن أن تغير المجتمع إذا تم استغلالها جيداً”.

فعاليات ختام مسرح شباب العالم 

 بجانب مسرحية سالب واحد، شهد ختام فعاليات مسرح شباب العالم العديد من الفقرات المبهرة، فتم إعادة تقديم أغنية الافتتاح “راجعين” والتي تم غناؤها بخمس لغات مختلفة، ولكن يجمعها إحساس وشعور واحد، وهو الأمل في العودة إلى حياتنا الطبيعية قبل الجائحة.

وكانت ثاني فقرات حفل الختام العودة إلى “فرقة رضا”، التي أعادت إلينا ذكريات الفيلم الأيقوني “غرام في الكرنك” الذي عرض عام 1967، برقصاته واستعراضاته التي لا تنسى، وسط تفاعل كبير من الجمهور.

وأدت مغنيتان توأمتان “بيلارا”و” ماريا” عدة أغنيات مختلفة، لتختتم فقرة الغناء القادمة من دولة نيبال” أشرا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى