آسياروسيا

كيف تنظر روسيا إلى أزمة كازاخستان؟

يوم الأحد الثاني من يناير، اندلعت احتجاجات شعبية هادرة في كازاخستان؛ الجمهورية السوفيتية سابقًا وأكبر جمهوريات آسيا الوسطى، وذلك على ضوء ارتفاع أسعار الغاز، في ذروة موسم الشتاء حيث تنخفض درجات الحرارة إلى دون الصفر ليلًا.

تفاجأ المتظاهرون أنفسهم بالأعداد الحاشدة في اليوم الأول، وبحلول اليوم الثالث كانت كرة الثلج قد تضخمت، وصدحت حناجر المحتجين بمطالب سياسية تتمثل في: عودة دستور 1993، واختيار حكام الولايات بالانتخاب المباشر، واستقالة رئيس الوزراء عسكر أمين.

الرئيس الكازخستاني قاسم جومارت توكاييف عالج الملف في أيامه الأولى بحكمة عبر الاستجابة لمطالب المحتجين بخفض أسعار الغاز والوقود بشكل سريع وفوري، وإقالة بعض المسؤولين عن هذا الملف. ولكن بحلول الأربعاء 5 يناير 2022 اتخذت المظاهرات أشكالًا تخريبية عنيفة، تمثلت في هجمات منظمة على أقسام الشرطة ودوريات الجيش، ونهب منظم للمحال التجارية، وسيطرت تلك العناصر على مطار العاصمة لفترة وجيزة.

خرج الرئيس توكاييف في خطاب تليفزيوني، معلنًا حالة الطوارئ، وتكليف القوات المسلحة ببسط السيطرة على الفوضى، وتم حظر الإنترنت والاتصالات الهاتفية. وأعلن الرئيس استقالة الحكومة، وتكليف نائب رئيس الوزراء علي خان إسماعيلوف بإدارة مجلس الوزراء مؤقتًا إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة.

وفى اليوم ذاته، أجرى توكاييف اتصالًا بالكرملين، حيث قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إرسال قوات حفظ سلام روسية، وذلك تحت مظلة منظمة الأمن الجماعي التي صاغتها روسيا عقب سقوط الاتحاد السوفيتي، وتضم روسيا إلى جانب جمهوريات آسيا الوسطى.

أهمية كازاخستان

تعد كازاخستان أهم وأكبر دولة في آسيا الوسطى من الناحية الاقتصادية والجغرافية والسياسية، تبلغ مساحتها 2.7 مليون كيلو مترًا مربعًا. وعلى الرغم من أنها تشكل ثلاثة أضعاف دولة بحجم مصر، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز عشرين مليون نسمة؛ ما حقق رخاءً معيشيًا على ضوء الثروات الطبيعية الهائلة في البلاد، خاصة في مجال النفط والغاز؛ على ضوء متاخمة الدولة الكازاخية لبحر قزوين، ووقوعها بين قارتي آسيا وأوروبا.

وإلى جانب ثروات النفط والغاز والمياه، تضم كازاخستان 30% من احتياطي العالم من الكروم، و12% من اليورانيوم، و25% من المنجنيز، و5.5% من النحاس، و10% من الحديد والرصاص، و13% من الزنك. وتمتلك كازاخستان حدودًا مشتركة مع روسيا والصين، إضافة إلى قيرغيزستان ذات السجل المضطرب في الثورات الملونة عقب انتهاء الحقبة السوفيتية.

وقد ظهرت أهمية كازاخستان مع قيام الإمبراطور جنكيز خان بتأسيس إمبراطورية المغول. وبحلول القرن الثامن عشر، بدأ قياصرة روسيا في السيطرة عليها، وانتهت سيطرة الروس على كازاخستان بعد 200 سنة حينما كانت جمهورية كازاخستان هي آخر جمهورية سوفيتية تعلن استقلالها عقب سقوط الإمبراطورية السوفيتية.

الثورة الأولى عام 2018

تضم كازاخستان 16 عرقية أبرزها الكازاخ الذين يشكلون 63% من السكان، ويدين 70% من السكان بالإسلام، مقابل 25% يدينون بالمسيحية. وتضم 14 ولاية، إضافة إلى 3 أقاليم. وقد قاد نور سلطان نزارباييف عملية استقلال كازاخستان، وأصبح أول رئيس لها ما بين عامي 1990 و2019، حيث قدم استقالته على وقع ثورة شعبية، ولكن نفوذه استمر عبر رئاسته مجلس الأمن القومي إلى أن أعلن الرئيس توكاييف في خطابه التاريخي في 5 يناير 2022 إقالة الرئيس المؤسس من رئاسة المجلس.

ونجحت ثورة عام 2018 (10 مايو 2018 – 1 مارس 2020) في إجبار الرئيس المؤسس على الاستقالة، وسقوط مشروع التوريث عبر استقالة ابنته “داريجا نور سلطانكزي نزارباييفا” من منصبها كرئيسة لمجلس الشيوخ، وكانت قد شغلت عدة مناصب وزارية وحزبية وحكومية قبل هذا المنصب، أبرزها نائبة رئيس الوزراء. ولكن نفوذ أسرة الرئيس المؤسس لا يزال يخيم على بعض مفاصل الدولة.

عقب استقالة الرئيس المؤسس عام 2019 بعد ثلاثة عقود بالحكم، وبحسب الدستور، تولى رئيس مجلس الشيوخ قاسم جومارت توكاييف رئاسة الدولة بشكل مؤقت، قبل أن تجرى الانتخابات الرئاسية المبكرة ويفوز الرئيس المؤقت بأولى ولاياته.

كيف تنظر روسيا والصين إلى الأزمة؟

تعد ثروات كازاخستان كنزًا حقيقيًا لأي حكومة تستطيع السيطرة على هذا البلد، خاصة لو تم تنصيب حكومة موالية للغرب مقابل تنفيذ عقود حصرية للغرب في هذه القطاعات، ما يعني انقلابًا في موازين الثروات الطبيعية والنفط والغاز لصالح شركات الغرب.

وكازاخستان أيضًا هي المعبر الرئيس لمشروع القرن الصيني؛ مشروع الحزام والطريق من القارة الآسيوية إلى القارة الأوروبية، وذلك فيما يتعلق بالشق البري للمشروع. وتنصيب حكومة مناهضة للصين وروسيا في كازاخستان وموالية للغرب يعني عمليًا شل الطريق البري لهذا المشروع وحصره في الطريق البحري العابر من محور قناة السويس المصرية.

ومع ذلك، فإن روسيا لا تنظر إلى كازاخستان بوصفها تاسع أكبر مصدر للنفط وعاشر أكبر مصدر للفحم، وإنما بوصفها تمتلك حدودًا مشتركة مع روسيا، بما يكفل للغرب نقل استراتيجية الثورات الملونة إلى الداخل الروسي خاصة الجمهوريات الجنوبية الروسية.

ولم تخف روسيا عبر التصريحات الحكومية أو الاعلام الرسمي شكوكها حيال تدبير الغرب هذه الاضطرابات، وأن العمل العصابي الممنهج في المدن الكازاخية ينتمي إلى أساليب الثورات الملونة التي بدعتها المخابرات الأمريكية في سنوات الحرب الباردة، وأن ما يجرى هو محاولة غربية لفتح جبهة جديدة في حرب الجوار الروسي، بعد نجاح روسيا في تجميد الثورة الجارية في بيلاروسيا، واستيعاب تبعات الانسحاب الأمريكي المخزي من أفغانستان وثورة 2020 في قيرغيزستان، ومحاولات تفجير الموقف في أوكرانيا وإشعال الحرب من جديد بين أرمينيا وأذربيجان.

وتتفق السلطات الكازاخية مع الرؤية الروسية، إذ تم الإشارة إلى وجود عناصر إرهابية أجنبية شاركت في قيادة المظاهرات ودفعها إلى الفوضى والسلب والنهب وقتل عناصر الشرطة، وأن تلك العناصر الإجرامية مسجلة على لوائح الإرهاب الدولية.

واختار بوتين مستشاره العسكري المقرب الفريق أول أندريه سيرديوكوف لمهمة قيادة القوات الروسية في كازاخستان، وهو القائد العسكري الفذ الذي قاد عملية إعادة جمهورية القرم إلى الدولة الروسية ورسم خرائط الجمهوريات المستقلة شرق أوكرانيا، وقاد بعض العمليات العسكرية في القوقاز وكوسوفو. ويعد تعيينه في هذا المنصب والتوقيت إشارة روسية صارمة إلى حلف الناتو الذي يمتلك تاريخًا سيئًا في التعامل مع القائد العسكري الروسي.

تضم منظمة معاهدة الأمن الجماعي إلى جانب روسيا وكازاخستان كلًا من طاجيكستان، وقيرغيزستان، وأرمينيا، وبيلاروسيا. ومع انتشار القوة العسكرية المشتركة بقيادة روسيا في 6 يناير 2022 بدأت كازاخستان تستعيد السيطرة على شوارعها ومؤسساتها وتهدأ المظاهرات الشعبية، ولكن دون نهاية واضحة حتى لحظة كتابة تلك السطور.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى