كورونا

جرس إنذار… التداعيات السيكولوجية لجائحة كورونا هي الأكثر قسوة

لقد واجهت البشرية العديد من الأحداث والأزمات غير المتوقعة، بما في ذلك الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والعواصف والفيضانات والانفجارات البركانية والأعاصير، وكذلك الظروف التي يسببها الإنسان مثل الحروب والإرهاب والحوادث. وهذه الأزمات تؤثر على الأفراد بشكل سلبي مع طبيعتها غير المتوقعة التي تهدد الحياة.

وبالنسبة لآثار جائحة كورونا، فقد فاقت في تداعياتها آثار الكوارث الطبيعية والبشرية؛ فإلى جانب المشكلات الجسدية الشديدة، كان لها العديد من التداعيات النفسية والسلوكية. ففي ذروة الإغلاق في أوائل عام 2020، تم إغلاق واجهات المحلات، واحتشد الناس في المنازل، وكانت الشوارع خالية، وشكك الكثير من الناس في أن الحياة ستعود إلى طبيعتها، وتكهن البعض بعالم كئيب ما بعد الوباء.

وكان تفشي فيروس كورونا قد بدأ في أواخر ديسمبر 2019 في مدينة “ووهان” بالصين، وانتشر بسرعة في جميع أنحاء البلاد ثم في جميع أنحاء العالم، مما جعل منظمة الصحة العالمية تُعلن فيروس كورونا وباءً عالميًا في 11 مارس 2020. ومنذ ديسمبر 2019 إلى الآن، قتل فيروس كورونا أكثر من 4.8 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، وتم الإبلاغ عن أكثر من 236 مليون حالة إصابة، إلى جانب ملايين الحالات التي لم يتم توثيقها.

ووفقًا للأمم المتحدة في تقرير نشر في أكتوبر 2021، فإن جائحة كورونا أحدثت تحولات زلزالية في الحياة اليومية؛ ففي عام 2019 قبل الوباء عانى واحد من كل خمسة بالغين في الولايات المتحدة من مرض عقلي -غالبًا الاكتئاب أو اضطراب القلق- وكان من المتوقع أن يواجه نصف الأمريكيين مشكلة تتعلق بالصحة العقلية خلال حياتهم، أما اليوم فارتفعت هذه الأرقام بشكل كبير؛ فقد أظهرت بعض الدراسات أن ما يصل إلى 80 في المائة من الأمريكيين يعانون من القلق أو الاكتئاب أو الحزن أو العزلة.

وهذه النسب ليست مفاجئة، ومن المحتمل أن تكون مماثله لكافة دول العالم؛ فاستمرار وباء كورونا لفترات طويلة –أكثر من عامين حتى الآن- أدى إلى إحداث فوضى وشعور أفراد المجتمعات بالضغط والقلق والاكتئاب وعدم القدرة على إدارة المشاعر المؤلمة والسلبية. إضافة إلى أن مشاعر الخوف المستمر من العدوى أثرت على الحياة اليومية، وأدت إلى العزلة الاجتماعية وتعديل العلاقات الإنسانية.

الآثار النفسية والسلوكية لفيروس كورونا

لقد أدى الوباء إلى تقليص طريقة تفاعلنا بشكل كبير، وتقليص العديد من الآليات التي يستخدمها الناس عادةً للتعامل مع الإجهاد، مما ترك العديد من الناس معزولين وضعفاء بشكل متزايد، مما أدى إلى معاناة الكثيرين من مشاعر الانفصال والوحدة؛ فالشعور بالارتباط بأصدقائنا أحد أهم العوامل التي تنبئ بصحتنا الجسدية ورفاهنا العاطفي، والشعور بالوحدة سام تمامًا للصحة البدنية والنفسية.

وعلاوة على ذلك، إن أحد التداعيات الناتجة عن فيروس كورونا هو البطالة؛ إذ مزق الوباء عمل ملايين الأشخاص في جميع أنحاء العالم، مما أدى إلى فترة مؤلمة من عدم اليقين والقلق نتيجة المصاعب المالية وفقدان الشعور بالأمان واليقين بشأن المستقبل والوظائف والحياة، وبات الحزن ظاهرة عالمية ناتجة عن تأثيرات الجائحة؛ إذ تعد القدرة على العمل أمرًا أساسيًا للعديد من جوانب الحياة للبقاء، والقدرة على المساهمة والإنجاز، والروابط الاجتماعية وتقرير المصير.

هذا بالإضافة إلى الركود الاقتصادي الناتج عن فرض حكومات الدول في جميع أنحاء العالم إغلاقًا تامًا أو جزئيًا على الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية على مواطنيها، وفرض التأقلم مع الوضع القائم. وأيضًا من الآثار النفسية للمجتمعات نتيجة جائحة كورونا، ازدياد العنف المنزلي وإساءة معاملة الأطفال، مما أدى إلى عدم الاستقرار الاجتماعي؛ فقد وصفت الأمم المتحدة الطفرة العالمية في العنف المنزلي بأنها “جائحة ظل”. 

وقد رافقت زيادة معدلات العنف المنزلي بشكل مؤسف تدابير الإغلاق الإلزامية، إضافة إلى أن النظام الصحي مثقل بعبء العلاج البدني للجائحة، وبالتالي تعجز أنظمة الرعاية الصحية عبر الإنترنت أيضًا في تقديم الدعم للنساء والأطفال الذين تعرضوا للإيذاء.

وبينما أثر الوباء علينا جميعًا بطريقة أو بأخرى، فقد أدى إلى تفاقم عدم المساواة داخل المجتمعات؛ إذ أصبح الناس متمركزين حول الذات بشكل مفرط، وفي كل مكان يكونون “أنا” بدلاً من “نحن”. وفي أعقاب هذه الأزمة العالمية فإن الإنسانية على وشك فقدان قيمها الإنسانية، والخوف هو الاستجابة الحساسة لتداعيات الجائحة، والمشاعر السلبية الناتجة عن التهديدات يمكن أن تكون أكثر عدوى من المرض نفسه؛ إذ يتأثر الناس على نطاق واسع بالمشاعر السلبية المتزايدة.

ووفقًا لتقرير نشره مركز السيطرة على الأمراض “CDC” لنتائج مسح أمريكي كبير على شبكة الإنترنت لأكثر من 5000 شخص بالغ، عانى 40.9٪ على الأقل من مشكلة صحية عقلية أو سلوكية ضارة واحدة تتعلق بالوباء. وتم الإبلاغ عن أعراض اضطراب ما بعد الصدمة بنسبة 26.3٪، وأعراض القلق أو الاكتئاب بنسبة 30.9٪، وتعاطي المخدرات بنسبة 13.3٪، والتفكير الجاد في الانتحار بنسبة 10.7٪. علمًا بأن التفكير في الانتحار كان أعلى بشكل ملحوظ لدى المستجيبين الأصغر سنًا الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا.

ويمكننا القول إن ما يتعرض له الأفراد من صدمات واضطرابات نفسية وخبرات مؤلمة نتيجة لجائحة كورونا قد يؤدي بهم إلى التشويه المعرفي وهو أحد مظاهر اضطراب التفكير التي تبدو لدى الفرد في صعوبة التحكم في التداعيات، وإدراك الواقع بشكل مبالغ فيه، والاعتقاد في وجود علاقات علّية بين أشياء لا يمكن أن تقوم بينهما هذه العلاقات.

وتتمثل مظاهر اضطراب التفكير أيضَا في المغالطات المنطقية التي تشتمل على كل شيء أو لا شيء، بالإضافة إلى التفكير الكارثي، والقفز إلى الاستنتاجات، وتهوين أو تضخيم الأمور والأحداث، وإضفاء الطابع الشخصي. ويمكن لهذه التشوهات المعرفية أن تُخلف آثارًا سلبية لا يستهان بها على الصحة النفسية؛ فتؤدي إلى المزيد من القلق والتوتر والاكتئاب والضغط العصبي، والإرهاق العاطفي والارتباك. وإن لم يُنتبه لها قد تترسخ بصورة أعمق في طريقة التفكير، وتؤدي في النهاية إلى الانتحار.

ماذا بعد الجائحة؟

من المعروف من الناحية التاريخية أن الأوبئة وأزمات الصحة العامة الأخرى مثل الكثير من الكوارث الطبيعية لها تأثير دائم وطويل المدى، حتى بعد انتهاء الوباء؛ إذ إن المشاكل النفسية لا يمكن علاجها بسهولة. وسيكون أحد التحديات الرئيسة بعد الوباء هو التعامل مع عقباته، حيث قد لا يتضاءل الخطر المتزايد لسوء معاملة الأطفال والخلل الوظيفي المنزلي فور انتشار الوباء لأن العديد من المحفزات مثل الضغط الاقتصادي ومشاكل الصحة العقلية للوالدين ستستمر لبعض الوقت.

علاوة على ذلك، فإن عواقب زيادة سوء معاملة الأطفال والمراهقين المرتبطة بالجائحة قد تستمر مدى الحياة، فمن المعروف أن تجارب الطفولة السلبية تؤثر على حياة الناجين طوال حياتهم. وتشمل الآثار طويلة المدى زيادة خطر الإصابة بالعديد من الاضطرابات العقلية والجسدية، وانخفاض جودة الحياة، واضطرابات النمو والإدراك، والمشكلات الاجتماعية وانخفاض متوسط العمر المتوقع حتى 20 عامًا.

وبالنسبة لأقلية من الناس، ربما من 10 إلى 15٪، لن تعود الحياة إلى طبيعتها. وتظهر الأبحاث أن اضطراب الوسواس القهري ينشأ من تفاعل بين الجينات والضغوط البيئية، بالنسبة للأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي تجاه بعض أشكال الوسواس القهري “مثل: هواجس التلوث وإكراهات التنظيف”، ومن المرجح أن يؤدي إجهاد كورونا إلى إثارة الوسواس القهري أو تفاقمه.

بالإضافة إلى ذلك، قد يأتي المستقبل وقد تلاشت بالفعل النشوة الأولية للعمل عن بعد: إذ إن ما يقرب من نصف العاملين في المملكة المتحدة الذين يعملون حاليًا من المنزل يشعرون بالوحدة، فقبل الوباء كانت العزلة الاجتماعية والوحدة وانعدام التماسك الاجتماعي من القضايا الكبرى، والآن أكثر من ذلك، وفي المستقبل ستستمر هذه المشكلات لأن الوباء يجعل هذا أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

ومن الواضح أن المستقبل يعتمد على إعادة تصور ما يمكن أن يكون عليه المجتمع. ويظهر الوباء أن سياق حياتنا الشخصية والاجتماعية وأموالنا ومحيطنا له تأثيرات قوية للغاية على صحتنا العقلية، ولكن يمكننا تهيئة الظروف اللازمة لصحة نفسية جيدة والوقاية من اعتلال الصحة العقلية، من خلال معالجة عدم المساواة والصدمات والعزلة والتوتر.

ومن أجل التعامل بشكل أفضل مع هذه القضايا النفسية والاجتماعية لطبقات مختلفة من المجتمع، يجب على الحكومات وموظفي الرعاية الصحية وغيرهم من أصحاب المصلحة تطوير نماذج للتدخل والوقاية من الأزمات النفسية والاجتماعية بشكل عاجل. فمن المؤكد أن الاستعداد النفسي والاجتماعي من خلال إنشاء منظمات عقلية محددة للأوبئة المستقبلية أمر ضروري.

جوانب مضيئة

إلى جانب التهديدات المتعددة للصحة النفسية الناتجة عن جائحة كورونا، يمكن من الوباء الحالي أن نقتنص جوانب إيجابية مضيئة؛ فقد أدت التأثيرات الواسعة لـجائحة كورونا إلى حوار أكثر انفتاحًا ومعرفة أكبر بالصحة العقلية أكثر من أي وقت مضى. فبات يعرف الكثير منا كيف يتعامل مع زيادة التوتر أو القلق أو مشاكل نفسية أخرى ناتجة عن الوباء، مما يجعلنا نطلب الدعم من عائلاتنا وأصدقائنا وزملائنا، بالإضافة إلى العلاج والخدمات من مقدمي الرعاية الصحية العقلية.

ذلك فضلًا عن أن التغلب على الأزمات الناتجة عن فيروس كورونا يمكن أن يسهم في نمو الشخصية وتطورها؛ فالنمو الشخصي هو تجربة للتطور النفسي بالمقارنة مع مستوى سابق من الأداء أو المواقف السابقة تجاه الحياة، وبالتالي فإن الإدارة الناجحة للتوتر والصدمات يمكن أن تؤدي إلى النمو الشخصي، والذي بدوره يعزز الشعور بالكفاءة ويصبح عاملًا وقائيًا للتعامل مع الضغوطات المستقبلية.

وأيضًا أدى الوباء إلى تسريع الجهود طويلة الأمد في مجتمعات الصحة العقلية المهنية والرعاية الصحية البدنية لإزالة وصمة العار عن قضايا الصحة العقلية، وتطبيع البحث عن المساعدة لهذه الأنواع من المشاكل، فلا توجد صحة بدنية بدون صحة نفسية، وينبغي معالجة العافية الجسدية والعقلية بنفس القدر.

وفي سياق متصل، أدت جائحة كورونا إلى تعميق تفاعلات ناجحة بين المرضى ومقدمي الخدمات، وزيادة جودة المنصات والخدمات المتاحة، وزيادة الاستثمار في التقنيات الجديدة. وبعد انتهاء الجائحة وعودة الكثيرين إلى التفاعلات الشخصية وخيارات الرعاية، ستستمر الخدمات الصحية عن بُعد في كونها وسيلة مهمة لتوسيع الوصول إلى مجموعات جديدة من الأشخاص الذين يطلبون المساعدة.

وكما هو معروف أن الأزمات مثل جائحة كورونا تخلق تعزيز الثقة والتعاون بين القادة والجمهور، فمن أولويات القادة خلق شعور بالهوية الاجتماعية المشتركة بين شعبهم، فيمكن للقيادة أن تنسق الأفراد وتساعدهم على تجنب السلوكيات التي لم تعد مسؤولة اجتماعيًا، الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز الشعور بالانتماء للمجتمع.

ومن النقاط المضيئة أيضًا، أن النطاق العالمي للوباء جمع مجموعات من جميع أنحاء العالم كما لم يحدث من قبل. ومع وجود الكثير من الاهتمام المتزامن، يمكن للباحثين اختبار الأفكار والتدخلات بسرعة أكبر من ذي قبل، بجانب أن الجائحة أجبرت العديد من علماء النفس والاجتماع على تكييف وتحديث أساليبهم خلال وقت الوباء الذي كانت فيه المقابلات الشخصية والتجارب أقرب إلى المستحيل. ويتوقع البعض أن الابتكارات التي حفزها الوباء يمكن أن تصمد بعد الأزمة الحالية. وبعد انتهاء الوباء يتوقع أن يؤدي إلى المزيد من الفرص للتفاعلات اليومية وجهًا لوجه، ونتخلى عن فكرة الحياة الافتراضية إلى حد كبير، لأن تفاعلاتنا الجسدية مع الآخرين تؤكد وجودنا وإنسانيتنا وترابطنا.

مما سبق يتضح؛ أن أحد الدروس الرئيسة التي ينبغي تعلمها من جائحة كورونا هو تعزيز أنظمة الصحة النفسية التي توفر المرونة في مواجهة الصدمات والكوارث، وتتضمن الاستراتيجيات المحتملة لتحقيق مثل هذه المرونة: وضع سياسات للصحة النفسية، وتطوير البرامج العلاجية، وتعزيز القدرات المؤسسية لتطوير القوى العاملة في مجال الصحة النفسية، ومراجعة تمويل الأنظمة الصحية للصحة النفسية، ومعالجة العوائق التي تحول دون وصول المجتمعات والمؤسسات إلى الصحة النفسية، وتعزيز القدرات الإيجابية. ويجب أن تؤخذ العلاقات بين المجتمعات وتعزيز الصحة النفسية على محمل الجد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى